9 آب 2022 م الموافق لـ 11 محرم 1444 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: أبحاث في المجتمع

نقد فكرة (العدالة الاجتماعية) في النظريات الغربية



تتنافس على الساحة الفكرية الاجتماعية في اوربا وامريكا، اربع مدارس نظرية في تفسير معنى العدالة الاجتماعية، وهي المدرسة التوفيقية، والمدرسة الماركسية، والمدرسة التلفيقية، ومدرسة (ماكس وبر). فالمدرسة التوفيقية بروادها الثلاثة (اميلي ديركهايم)، و(هربرت سپنسر)، و(تاركوت بارسنس) تؤمن بكل قوة بأن انعدام العدالة الاجتماعية الناتج من فوراق أجور العمل والمكافآت الاجتماعية يساعد بشكل حتمي على ثبات واستقرار النظام الاجتماعي1، لأن ارتباط الدور الاجتماعي الذي يقوم به الفرد بالمكافأة المالية التي يستحقها هو الذي يحرك الطاقات الإبداعية في النظام الاجتماعي.

ولكن المدرسة الماركسية أصرت على أن انعدام العدالة الاجتماعية ما هو إلا نتيجة حتمية للصراع الطبقي الدائر على الساحة الاقتصادية2. فتراكم الثروة عند أفراد الطبقة الرأسمالية هو الذي ساهم في تصميم شكل القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يسيطر بها هؤلاء على مصير الطبقات الاجتماعية الأخرى. إلا أن الفشل الذي منيت به الفكرة الماركسية في الإجابة على الأسئلة المطروحة أفقدها الكثير من الأنصار. فقد عجزت النظرية عن التنبؤ بظهور طبقة وسطى في المجتمع الرأسمالي. وان أفراد هذه الطبقة لا يعملون بالضرورة ضمن توجه الطبقة الرأسمالية وخدمة مصالحها. فأساتذة الجامعات، والعاملون في الحقول الطبية من بحوث وتطبيب وتمريض أو العاملون في خدمات النقل يعملون أما على أساس الدخل الشخصي أو على أساس كونهم موظفين لشركات كبيرة مملوكة من قبل أفراد عديدين عن طريق الأسهم والسندات. وحتى أن ملكية وسائل الإنتاج التي تتحدث عنها النظرية الماركسية فإنها وان كانت موجودة في عالم اليوم، إلا أن العديد من هذه المؤسسات الصناعية الكبيرة تقع تحت ملكية الألوف من أصحاب الأسهم والسندات وتدار من قبل موظفين يتقاضون أجورا معينة على جهدهم وعملهم، وفي نهاية المطاف توزع أرباح هذه المؤسسات على الأسهم ومالكيها بالتساوي. فتراكم الثروة في هذه المؤسسات إذن يختلف اليوم عما كان عليه الوضع الاقتصادي في القرن التاسع عشر.

والمدرسة التلفيقية التي حاولت الجمع بين حسنات المدرستين التوفيقية والماركسية لم تتوفق في طرح منهج مقنع جديد لمشكلة انعدام العدالة وسوء توزيع الثروة الاجتماعية3. فقد آمنت هذه المدرسة بفكرة المدرسة التوفيقية القائلة بأن حاجات المجتمع الأساسية من الخبرات لابد أن تشغل بالأدوار التي يتطلبها ذك المجتمع. وبسبب ملء تلك الحاجات الاجتماعية بالأدوار المختلفة، فقد اختلفت قيمة المكافآت الاجتماعية للعمال والخبراء. وآمنت في نفس الوقت بفكرة المدرسة الماركسية الزاعمة بحتمية الصراع الاجتماعي للمحافظة على ديناميكية المجتمع الإنساني باعتبار أن توفر الخيرات بشكل يفيض عن حاجة المجتمع سيؤدي حتماً الى التنافس والصراع الاجتماعي. ولكن هذه المدرسة وقعت في خطأ فادح، وهو أن زيادة الثروة في المجتمع، لا تكون بالضرورة عاملاً من عوامل نشر الحرمان الاجتماعي، فزيادة الثروة وحسن وعدالة توزيعها تؤدي الى رخاء اجتماعي يساهم في رفع الحيف عن المظلومين والمحرومين، لأن العدالة الاجتماعية ترتبط في الأصل بنظام يساهم في توزيع عادل للثروة، ولا يرتبط بالزيادة المالية نفسها.

ولم يمنع إعجاب الطبقة العاملة والمثقفة الأوروبية في القرن التاسع عشر بأفكار (كارل ماركس)، من تكثيف الجهود العلمية لمناقشتها ونقدها، والتشكيك بسلامة أسسها الفكرية، وكان من رواد هؤلاء الذين انتقدوا نظرية (كارل ماركس) في تحليل العلاقات الاجتماعية على ضوء الصراع الطبقي: العالم الاجتماعي الألماني (ماكس وبر)، حيث قدم خلال نقده لأفكار (كارل ماركس) نظرية جديدة مناقضة تماماً للنظرية الماركسية، وتتلخص نظرية (ماركس وبر) بالقول بأن فكرة نشوء الطبقات الاجتماعية لا تحصل نتيجة الصراع الطبقي، بل تحصل نتيجة تداخل عوامل ثلاثة، وهي:

الأول
: العامل الاقتصادي

والثاني: العامل السياسي

والثالث: العامل الاجتماعي

أو بمعنى آخر: الثروة، والقوة، والمنزلة الاجتماعية4. فإذا أردنا معرفة الطبقة الاجتماعية لمعلم المدرسة مثلاً، فما علينا إلا أن نحسب ثروته المالية، ونلاحظ قوته السياسية، ونلمس منزلته الاجتماعية، ثم نحكم من خلال هذه العوامل الثلاثة على موقعه في الطبقات الاجتماعية. ولكن (ماكس وبر) وقع في خطأ واضح وهو أن هذه العوامل الثلاثة متشابكة في الطبقة العليا في المجتمع، ومستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض في الطبقتين الوسطى والفقيرة. فعالم الدين الورع مثلاً غني في النفس ( المنزلة الاجتماعية)، فقير في المال (العامل الاقتصادي)، حكيم في القيادة (العامل السياسي). فأين تقع مرتبته في الطبقات الاجتماعية، الطبقة العليا، أم الوسطى، أم الفقيرة؟ ثم ألا يمتلك أفراد الطبقة الرأسمالية الثروة والقوة السياسية والمنزلة الاجتماعية بينما يمتلك الفقير أحيانا المنزلة الاجتماعية ولكنه لا يمتلك الثروة؟ فأين موقعه في هذه النظرية؟ هذه الأسئلة لا تجيب عليها نظرية (ماكس وبر) لأنها تنظر لطبقات النظام الاجتماعي من منظار الطبقة العليا فقط. و(ماكس وبر) لم يعط تحليلاً صحيحاً أو علاجاً نافعاً لمشكلة انعدام العدالة الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي. ولو كان صادقاً في تحليله لنظر الى جوهر المشكلة الاجتماعية وهي مشكلة توزيع الثروات بين الأفراد، وما يصاحب ذلك التوزيع غير العادل من تراكمٍ للثروة وتركيزٍ للقوة السياسية والاقتصادية في طرف معين، وما يتبعه من تحكم وسيطرة تؤدي إلى انعدام العدالة بين الأفراد في النظام الاجتماعي.

وبعد أن أثبتنا فشل هذه النظريات في معالجة انعدام العدالة الاجتماعية نرجع الى النظرية القرآنية في تثبيت صرح العدالة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، فقد تعامل القرآن الكريم مع قضية توزيع الثروة الاجتماعية على عدة محاور:

الأول: المحور التعبدي، حيث يتضح من دراسة الأحكام الشرعية الخاصة بالزكاة المالية وزكاة الفطر والخمس والأنفال والأضاحي والكفارات والصدقات المستحبة، أن الإنفاق يعتبر من صميم الأعمال التعبدية التي يجازى على تأديتها المكلف أو يعاقب على مخالفته لها: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ5، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ6.

الثاني: العامل الأخلاقي، الذي يعتبر المال مجرد وسيلة من وسائل نفع النظام الاجتماعي وإشباع حاجات الأفراد الأساسية، فيوصي ـ مثلاً ـ برد المال المأخوذ حراما الى صاحبه، أو صرفه على الفقراء اذا عجز عن معرفة مالكه، ويوصي أيضاً بمساعدة الأفراد الذين ركبتهم الديون، بستديدها من بيت المال، ونحو ذلك، فيقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ7.

الثالث: عامل الاعتدال في حجم الضريبة المفروضة على أموال الأغنياء، والتأكيد على كون الضريبة تخص الفائض من الأرباح السنوية، حيث تستثنى المؤونة ومصاريف العمل من النسبة المئوية لأموال الأغنياء. وفي الوقت ذاته يوصي الإسلام بالاعتدال في صرف الزكاة بالنسبة للفقراء، فلا يحق للفقير تبذير المال الذي يستلمه من الحقوق الشرعية، بل لا يحق للأفراد إطلاقا الإسراف والتبذير: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا... إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ8.

الرابع: أن كمية المال الوارد عن طريق الحقوق الشرعية، تعتبر في الواقع كمية هائلة، وتشديد الإسلام على صرف هذه الكمية الضخمة من المال على الفقراء والمساكين بالخصوص لإشباع حاجاتهم الأساسية في المأكل والملبس والمسكن، يضعه على صدر الأنظمة الاجتماعية التي تنجح في معالجة مشكلة الفقر معالجة حقيقية. وهذا الدور الإسلامي في معالجة المشكلة الاجتماعية مستندٌ على فهم حقيقة الإنسان الداخلية في العطاء وحقيقة التكليف الشرعي للأفراد في التعاون والتضامن الاجتماعي.

*النظرية الاجتماعية في القران الكريم،د:زهير الاعرجي،أمير_قم،ص38-43.


1- (دبليو بكلي). "انعدام العدالة الاجتماعية والنظرية التوفيقية في التفاضل الاجتماعي". مقالة علمية في (المجلة النقدية الأمريكية لعلم الاجتماع)، عدد 23، 1958 م. ص 369 ـ 375.
2- (كارل ماركس). المخطوطات الاقتصادية والسياسية لعام 1844 م. نيويورك: الناشرون الدوليون، 1964 م.
3- (جيرهارد لينسكي). السلطة والامتيازات: نظرية في انعدام العدالة الاجتماعية. نيويورك: ماكرو ـ هيل، 1966 م.
4- (ماكس وبر). الاقتصاد والمجتمع. نيويورك: بدمنستر، 1968 م. الطبعة الأولى عام 1922 م.
5- البقرة: 261.
6- البقرة: 254.
7- التوبة: 60.
8- الإسراء:26ـ 27.

09-11-2009 عدد القراءات 13485



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا