18 آب 2022 م الموافق لـ 20 محرم 1444 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: النظام والمجتمع

النظام الصحي في الإسلام



تستند العلاقة بين الطبيب وكل ما يمثله من منتجات دوائية وأجهزة طبية ورأي شخصي من جهة، وبين المريض وما يمثله من قوة شرائية من جهة أخرى، إلى النظام الأخلاقي الإسلامي، الذي يرتكز على ثلاثة عناصر مهمة هي: الخبرة، والثقة، والاستعفاف عن المال. فالخبرة الطبية علامة حاسمة في تعريف الطبيب وتشخيصه عن غيره من الخبراء كالصيادلة والممرضين والكيميائيين. والثقة عنصر مهم في التعامل الطبي، وتعني هنا صدق الطبيب في تشخيص المرض. أما الاستعفاف فهو الإطار العام الذي يبلور شخصية الطبيب الأخلاقية ويمنحها فهماً وشفافيةً في التعامل مع المرض والموت، بمعنى أن دور الطبيب ينبغي أن يفهم على انه يمثل رسالة رحمة لعلاج أمراض الناس، وليس تجارة يتصيد بها الحالات الاستثنائية لتجميع الثروة على حساب الآخرين. وليس غريباً أن يقوم القرآن مقام الطبيب في علاج أمراض الناس الروحية، كما قال عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ1، ﴿قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ2، ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء3. وما الفارق بين الطبيب والمريض في المجتمع الإسلامي إلا في امتلاك الخبرة وعدمها. فالطبيب خبير، والمريض فرد يبحث عن استثمار تلك الخبرة لتصحيح وضعه الصحي.

ولما كان الطبيب مسؤولاً عن ربط الأعراض المرضية التي يظهرها المريض باسم طبي معروف، فان دوره كخبير يتجاوز مجرد وضع العلاج الطبي، ويذهب إلى حد التدخل بشؤونه العبادية الشخصية كقضايا الطهارة مثل الوضوء والغسل، وقضايا التعبد مثل إقامة الصلاة وتأدية الصيام، والتدخل بشؤون الأفراد مثل تصرفات المريض الذي يؤدي به مرضه إلى الوفاة، وما يترتب عليها من أحكام تجاه الهبة والشركة والوصية. فالطبيب هو الذي يحدد المرض المتصل بالموت فيترتب على حكمه احكام تصرفات المريض. وقد يمنع الطبيب مريضه من الصوم، ولكن يجيزه على الغسل للصلاة الواجبة. وقد ينهاه عن السفر بقصد الحج ولكن يجيزه على الصيام. وقد يحكم على أن مرضه ليس متصلاً بالوفاة. وفي هذه الحالات يتصرف الطبيب من وحي واجبه الشرعي كخبير، فيتجاوز بذلك الدور الذي وضعته له المؤسسة الصحية إلى الدور الذي وضعه له الدين. وخبير له هذا الدور الخطير يجب أن يكون على أعلى مستويات الثقة حتى يطمئن الناس إلى ممارسة أعمالهم العبادية، حينما يتعلق الأمر وينحصر بخبرته الطبية.

ويتدخل الطبيب في شؤون المريض الخاصة، فله الحق في سؤال المريض حول أدق شؤونه الحياتية، وواجب الطبيب هنا أن يحفظ للمريض ثقته به، فلا يتعدى في السؤال إلى ما يضر بمصلحة المريض أو ما يشبع شهوة الطبيب من معلومات. والمدار في كل ذلك هو الإطار الأخلاقي الإسلامي الذي يدعو إلى الاعتدال وحصر الاستفسار بما يتعلق بالحالة المرضية.

وينبغي على النظام الاجتماعي الإسلامي تقسيم الطب ومؤسسته إلى قسمين: قسم يتعلق بالنساء وأمراضهن، من ولادة وحمل، وأمومة وطفولة. وقسم آخر يتعلق بالرجال وأمراضهم.

فالقسم النسائي يتحمل مسؤولية الإشراف عليه والعمل فيه النساء من طبيبات وممرضات ومديرات، وينبغي تخصيص أجنحة أو مستشفيات خاصة بالأمراض النسائية، محددة بدخول النساء الخبيرات في الطب والتمريض. وفي هذا، تشجيع للمرأة على تأدية دورها الاجتماعي في التطبيب والعلاج، وتخفيف عن عبء الرجل في علاج النساء، خصوصاً في الأمراض النسائية.

وإذا أرادت المؤسسة الطبية تقليص الفجوة الواسعة بين الطبيب كخبير وبين المريض كفرد من عامة الناس، فما عليها إلا أن ترفع مستوى الأفراد علمياً في القراءة والكتابة وفهم أسباب نشوء الأمراض، وذلك عن طريق نشر الموسوعات الطبية الميسرة بين الناس، وإذاعة المعلومات الطبية المبسطة التي لا تضر بعمل الطبيب أو اختصاصه. ولابد أن يدرك الطبيب، أن تبسيطه المعلومات الطبية للمرضى لا يقلل من قيمته العلمية أو المهنية، بل إن ذلك يضفي احتراماً وتقديراً لعمله. فالطبيب المتواضع الذي يحاول بذل جهده في تبسيط المعلومات الطبية لمرضاه يساهم بشكل من الأشكال في تقليل آثار الألم والمعاناة التي يمر بها المريض، ويساهم أيضاً في رفع المستوى العلمي والثقافي على مستوى أفراد الأمة الإسلامية جميعاً.

أهل الخبرة الطبية
ودفعاً للمشاكل التي يواجهها المجتمع في تمييز الطبيب القادر على العلاج من بين المشعوذين والمنتحلين للصفات الطبية، فان المؤسسة الطبية مكلفة بحصر تعليم الطب في الكليات والجامعات الطبية، التي يحدد مستواها وكمية المعلومات الواجب تدريسها أكثر الخبراء علماً وتجربة في العلوم الطبية. ولاشك أن هذه العلوم متغيرة بتغير البحوث التجريبية، ولذلك فان أي تطور في هذه العلوم يجب أن ينعكس على المواد المنهجية التي تدرس في هذه الكليات. ولابد من التأكيد على الجانب القرآني والفقهي الطبي في المنهج الدراسي بقسميه الغذائي والوقائي، ودراسة آثار المحرمات كالخمرة والدم والميتة والخنزير والمسوخ، وآثار التدخين والمخدرات وتلويث البيئة، وآثار كثرة تناول اللحوم الحمراء وشحومها، وأحكام الصيد والتذكية الشرعية، واستحباب السواك والتخليل. وهذه الموارد كلها تساهم بشكل فعال في تحليل أسباب نشوء أمراض الحضارة الحديثة. ولاشك أن فكرة الوقاية ـ التي تجنب المجتمع الإسلامي العديد من الأمراض التي ابتلي بها صانعو تلك الحضارة ومناصروها ـ يجب أن تحتل موقعاً متميزاً في المواد التدريسية.

ولابد في تقييم العمل الطبي ـ قضائياً ـ من اشتراك الحاكم الشرعي، والبينة، والقرائن الموضوعية. فإذا اخطأ الطبيب في علاج المريض، وثبت الخطأ شرعاً، ألزمه القاضي الشرعي العادل بالضمان. ولابد في نفس الوقت من تصميم نظام خاص ـ ضمن النظام القضائي ـ يحفظ فيه حق المريض إذا أصابه الخطأ، ويحفظ سمعة المهنة الطبية، ويقيم العدل بين أفراد النظام الاجتماعي في هذا الحقل بالخصوص.

وقد تتولى الدولة تحديد أجور الطبيب، حتى لا يتجاوز الحد الشرعي فيكون مدعاة إنشاء طبقة رأسمالية جديدة في مجتمع يرفض الظلم الاجتماعي. ومع أن تحديد الأجر يتم على ضوء نوعية العمل المنجز، إلا أن رفع أجور العمل الطبي بشكل يؤدي إلى تكديس المال في طرف وحرمان طرف آخر منه لا يمثل أي شكل من أشكال العدالة الاجتماعية. وأمام هذه المشكلة يقف الإسلام موقف الحكم. فالهدف من المهنة الطبية ـ كما يؤكد الإسلام ـ ليس جمع المال وكسب القوة السياسية والاجتماعية، بل الخدمة الإنسانية. وعليه فان اجر الطبيب ينبغي أن يتناسب مع نوعية ذلك العمل وكمية تلك الجهود المبذولة ولكن بشكل لا يسبب حرماناً للفقراء والمعدمين. وعلى ضوء ذلك تحدد الدولة أجور الطبيب في المعاينة والعمليات الجراحية، وتحدد أجور بقية العاملين في الحقل الطبي.

ولا ريب أن رأي أهل الخبرة الطبية حاسم في فصل القضايا القانونية أمثال تشخيص الاضطراب العقلي بنوعية الادواري والمطبق، وتقرير عجز الفرد عن القيام بالعمل الإنتاجي، وتحديد مقدار الجروح أو الكسور في الديات. بل لا يستطيع احد إنكار أهمية دور الطب الجنائي في الكشف عن أسباب الجريمة ومنشأها. ومع أن هذه العوامل تشكل مادة الحسم في الحكم الصادر ضد المتخاصمين في الأمور القضائية، إلا أن وظيفة الطبيب تبقى مقيدة بحدود تقديم الخبرة الطبية، ويبقى للقاضي إصدار الحكم الشرعي على طرفي النزاع بالاستناد على المصادر الشرعية والقضائية.

ولما كان الطب يتعامل مع الإنسان تعاملاً مباشراً، فان الخطأ الذي يقع سيسبب للمريض إضراراً بالغة. ولذلك، فان الطبيب لابد وان يتحمل جزءاً من المسؤولية في ضمان ما يتلفه بالعلاج. فقد اتفق فقهاء الإمامية ـ باستثناء ابن إدريس ـ أن الطبيب يضمن لو مات المريض بسبب العلاج. وينطبق نظام الديات في تلف النفس والأطراف على ذلك. ولما كان الضامن في الخطأ المحض عاقلة الجاني، فان الضامن في الفعل الشبيه بالعمد، الفاعل ـ وهو الطبيب نفسه ـ "لحصول التلف المستند إلى فعله، ولا يبطل دم امرئ مسلم، ولأنه قاصد إلى الفعل مخطئ في القصد. فكان فعله شبيه عمد، وان احتاط واجتهد وإذن المريض"4.

*النظرية الاجتماعية في القران الكريم،د:زهير الاعرجي،أمير_قم،ص158-164.


1- الإسراء:82.
2- يونس:57.
3- فصلت:44.
4- شرح اللمعة ج 1 ص 108.

09-11-2009 عدد القراءات 9602



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا