16 آب 2022 م الموافق لـ 18 محرم 1444 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: النظام والمجتمع

نظام العقوبات: نقاط مقارنة بين النظرية القرآنية وا



في الوقت الذي لا يحمل فيه السجن عقوبة رادعة في النظرية القرآنية، إلا انه يعتبر محور العقوبات في النظام الغربي. بل إن النظريات الاجتماعية الغربية الحديثة جعلت (السجن) المصدر الرئيسي والساحة الحقيقية لمعالجة الانحراف1. ولابد أن يعترف دعاة النظام القضائي الرأسمالي اليوم، بفشلهم بجعل السجون ساحة العقوبات الأساسية لمعالجة الانحراف وتقويم المنحرفين، لأن ثلاثة أرباع المنحرفين الذين يطلق سراحهم من السجون الرأسمالية بعد إتمام مدد عقوباتهم يرتكبون جرائم جديدة2، مساهمين بذلك في هدر الأموال التي صرفت عليهم لتأديبهم في تلك المؤسسات الردعية.

ولكن السجن في النظرية الإسلامية، ما هو إلا عقوبة مساندة للعقوبات الأساسية الفورية كالقصاص والحدود والديات والارش على اختلاف أنواعها وأزمان دفعها، لان الجناية أو الجرم ليس إلا عمل مربك للنظام الاجتماعي، فلابد للنظام الإسلامي من التحرك سريعاً لمعالجة ذلك الانحراف، بالقطع في السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا3، والقصاص في القتل والجروح: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ4، والقتل أو الصلب أو القطع أو النفي في الفساد في الأرض: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ5، والرجم أو الجلد في الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ6، والجلد في القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ7، ولاشك أن ثبوت العقاب يتناسب مع درجة تأثير الجريمة والانحراف على النظام الاجتماعي. فكل الجرائم الاجتماعية لها ضحايا، كجرائم العنف، والجرائم الخاصة بالممتلكات، والجرائم الأخلاقية. وحتى الجرائم التي تزعم النظرية الغربية فيها بأنها لا تنتج ضحايا، كجرائم المقامرة والبغاء والانحراف الخلقي ـ باعتبارها جرائم تضر على الصعيد الشخصي للفرد فحسب ـ فان النظرية القرآنية تنزل بمرتكبيها أقصى العقوبات، لان الإسلام لا ينظر للفرد إلا من زاوية مصلحته الاجتماعية والتكوينية. فالعقوبة الصارمة هدفها الردع والتأديب وليس الانتقام، كما يدعي أعداء النظرية الدينية. ولاشك أن فكرة (السجن) تعجز عن ردع الآخرين عن الانحراف، وتفشل في تعويض الضحية أو من يتعلق بها مالياً، وتتراجع عن التأهيل الاجتماعي للمنحرف بقصد إرجاعه إلى المجرى الاجتماعي العام.

ولما كانت فكرة السجون ـ هدفاً ووسيلةً ـ قد أثبتت فشلها في نظام العقوبات الغربي والأمريكي بالخصوص، فقد مال رأي القضاة وأعضاء جهاز المحاكم في العقود الأخيرة إلى استحسان فكرة تعليق العقوبة الصادرة بحق الجاني8، بشرط أن يجد له عملاً يرتزق به، وان لا يرتكب جريمة جديدة خلال فترة تعليق الحكم. وقد قوبلت هذه الفكرة بالتأييد من قبل السلطة القضائية إلى درجة أن المنحرفين المعاقبين بتعليق الحكم اليوم، يشكلون خمسة إضعاف عدد المنحرفين المعاقبين بالسجن9. ولكن عقوبة التعليق فاشلة أيضاً، لأن الجاني المدان بتعليق العقوبة إذا ارتكب جريمة جديدة، عوقب مرة أخرى بالسجن، الذي لا حظنا فشله في تأديب المنحرف وتهذيبه في المرة الأولى.

وتنفرد الولايات المتحدة من بين الدول الرأسمالية بتطبيق عقوبة الموت ضد المنحرفين الذين أدينوا عن طريق المحاكم الجنائية، بارتكاب جرائم قتل10. وفكرة (عقوبة الموت) تتناقض مع فكرة الحرية الشخصية التي نادت بها النظرية الرأسمالية لان الجناية مهما عظمت ـ حسب زعمها ـ لا تستحق إلغاء حياة الجاني من الوجود. وعلى ضوء ذلك فان (عقوبة الموت) ما هي إلا عقوبة انتقامية وليست عملاً ردعياً. ويدل على ذلك، إن تلك العقوبة النازلة بالمنحرفين لم تردعهم بالكف عن انحرافهم ! وهذا التناقض في فكرة الحرية الشخصية والمذهب الفردي يقودنا إلى السؤال التالي وهو: إذا كانت عقوبة الموت انتقامية، فلماذا يأخذ بها النظام القضائي الأمريكي خلافاً لفكرة الحرية الشخصية والمذهب الفردي؟ تجيب النظرية الرأسمالية الغربية، بأن عقوبة الموت ضرورية، لان فكرة الحرية الشخصية يجب أن ترسم لها الحدود وتوضع لها الضوابط، إذا تعلق الأمر بالانحراف الاجتماعي11. ولكن يرد على ذلك، بان تحديد الحرية في جريمة معينة، يستلزم تحديدها في بقية الجرائم أيضاً، كالجرائم الأخلاقية مثلاً. هنا تتوقف النظرية الرأسمالية عن الرد.

والنتيجة أن إقرار النظام القضائي الرأسمالي بشرعية (عقوبة الموت) يناقض ادعاءاته القائلة، بتخلف عقوبة القصاص في القرآن عن المنهج الحضاري الحديث والمتمثلة بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ12. فإذا كانت (عقوبة الموت) لا تتماشى مع المنهج الحضاري، فلماذا ينفذها النظام بحق المنحرفين على أرضه؟ وإذا كانت (عقوبة الموت) أفضل وأقصر الطرق لبتر الجريمة الاحترافية، فلماذا لا يقر بأسبقية القرآن الكريم في تشريعها والحث بكل قوة على تنفيذها؟


الاضطراب العقلي
وبطبيعة الحال، فان فهم معنى الاضطراب العقلي مهم للغاية في إدراك أبعاد الانحراف، باعتباره عجزاً في قابلية الفرد على التمييز بين الحقيقة والخيال. فالمضطرب عقلياً ينتهك العرف الاجتماعي من خلال تصرفاته التي يختلط فيها الوهم بالحقيقة، والسراب بالواقع، والخوف بالأمان، والأفكار المجزئة التي لا يجمعها رابط بالأفكار الطبيعية المتصل بعضها بالآخر. ولذلك فان أكثر الاضطرابات العقلية انتشاراً هي الاضطرابات الناشئة عن انفصام شخصية الفرد مع الحقيقة والواقع الخارجي. ويربط علماء الطب هذه الاضطرابات باختلال الهرمونات في الجسم الإنساني وما يصاحب ذلك من اضطرابات نفسية وتفاعلات عاطفية تنتهي بالإنسان إلى فهم الواقع فهماً مغايراً لفهم بقية الأفراد13. ومنهم من يعتبر الاضطراب العقلي أو الجنون وسيلة ناقصة لدى الفرد للتعامل مع العالم الخارجي14. فالمضطربون عقلياً يفشلون في التعامل مع أجواء المجتمع المحيطة بهم، فيلجأون في النهاية إلى التعامل مع أنفسهم وندبها على عدم فهم الواقع. فتراهم يتحدثون معها على مرأى من الملأ، ويضحكون ويبتسمون لطرائف لم يلتفت اليها الآخرون، وهم بذلك يحيدون عن العرف الاجتماعي فيوصمون بالجنون.

ولذلك فان وصم الطبقة الحاكمة ـ على مر التاريخ ـ للأنبياء والرسل عليهم السلام بالاضطراب العقلي كان من أهم الأساليب التي استخدمت لربط الجنون بالانحراف، وبالنتيجة إبعاد الأفراد عن الإيمان بالعقائد التي حملها الرسل والأنبياء عليهم السلام إليهم. وقد ورد إلى ما يشير إلى ذلك في الكتاب المجيد: ﴿وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ15، ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ16، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ17، ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾18.

ولكن الجنون الحقيقي ما هو إلا وليد الحاجة الإنسانية التي لم يشبعها النظام الاجتماعي. فالفقر هو من أهم عوامل نشوء الاضطراب العقلي في المجتمعات التي تحكمها أنظمة ظالمة. والفقر ليس حاجة مادية فحسب، بل حاجة نفسية أيضاً، لأنه يمس كرامة الإنسان، ويحط من قدره، ويشعره بظلم النظام الاجتماعي. وهذه العوامل مجتمعة تساهم في رسم شكل الانحراف وتحدد مسيرته.

ولاشك أن من مصلحة النظام السياسي الظالم وصم الفقراء بالاضطرابات العقلية، لأن في ذلك عزلاً لهم عن الساحة السياسية، وبالتالي حرمانهم من الخيرات الاقتصادية التي ينبغي أن ينعم بها أفراد المجتمع كلياً بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية. فالمضطرب عقلياً، لا يستطيع المشاركة في نشاطات المجتمع السياسية والاجتماعية فضلاً عن قيادة الأفراد. وهذا الإبعاد المقصود للفقراء عن الساحة السياسية، يعطي الطبقة الرأسمالية الظالمة فرصة عظيمة في السيطرة على شؤون النظام الاجتماعي وتحطيم المعارضة السياسية الحقيقية.

*النظرية الاجتماعية في القران الكريم،د:زهير الاعرجي،أمير_قم،ص84-90.


1- (ارفينك كوفمان). اللجوء. شيكاغو: آلدين، 1961 م.
2- (مارشال كلينارد) و(روبرت ميير). علم اجتماع السلوك المنحرف. الطبعة السادسة. نيويورك: هولت، راينهارت، وونستن، 1985 م.
3- المائدة: 38.
4- البقرة: 179.
5- المائدة: 33.
6- النور: 2.
7- النور: 4.
8- (مارشال كلينارد) و(روبرت ميير). علم اجتماع السلوك المنحرف. نيويورك: هولت، راينهارت، وونستن، 1985 م.
9- (كوين نتلر). شرح الجريمة. الطبعة الثالثة. نيويورك: ماكرو ـ هيل، 1983 م.
10- (ارنيست هاك) و(جون كونراد) (محرران). عقوبة الموت: مناقشة. نيويورك: بلينم، 1983 م.
11- ( اوستن تورك ). الجريمة السياسية: التحدي والدفاع عن السلطة. بيفرلي ـ هيلز، كاليفورنيا: سيغ، 1982 م.
12- البقرة: 179.
13- (وليام كوكرهام). علم اجتماع الاضطراب العقلي. انجلوود كليفز، نيوجرسي: برنتس ـ هول، 1981 م.
14- (وليام ايتون). علم اجتماع الاضطرابات العقلية. نيويورك: بريكر، 1980 م.
15- الحجر: 6.
16- الصافات: 36.
17- الدخان: 14.
18- الذاريات: 52.

09-11-2009 عدد القراءات 10056



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا