26 أيار 2022 م الموافق لـ 24 شوال 1443 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: المشاكل الزوجية

ضرورة تعيين الحدود في الحياة الزوجية



الحرية من نعم الله الكبرى التي تنشدها الإنسانية في تاريخها الطويل.. الحرية هي تلك الكلمة التي تطفح بالمعاني الجميلة والأحلام، وتلك الأمنية التي من أجلها تثور الشعوب وتقدم ـ من أجل تحقيقها ـ الغالي والنفيس.

للحرية جذورها في أعماق الإنسان بل وحتى الحيوان، فالطائر السجين في القفص يضرب بجناحيه القضبان هنا وهناك بحثاً عن نافذة أو كوة يمكنه من خلالها الخلاص من الأسر والعودة إلى دنيا الحرية. وما أكثر الطيور التي ماتت في أقفاصها حزناً وكمداً.

أما الإنسان فهو أكثر تعلقاً بالحرية وتشبّثاً بها من كل المخلوقات، فهو دائم السعي للحفاظ عليها وصيانتها، حتى إذا شاهد يوماً عائقاً يقف في طريقه حاول إزالته وإزاحته جانباً لكي يستأنف تقدمه نحو الهدف المنشود.

الحياة العائلية والحدود
لا ريب في أن يتزوج ويدخل عالم الحياة المشتركة مع إنسان آخر، هو بحد ذاته نوع من التقيّد ببعض الحدود والضوابط التي تستدعي منه مراعاتها. وعليه يفقد المرء جزءاً من حريته لصالح الطرف الآخر الذي يشاركه حياته ، وإذن فإن حرية المتزوج تنتهي عندما يبدأ حق الآخرين، فهناك ما يقيدها ويجعلها في إطار محدود خدمة للصالح العام ـ إذا صح التعبير ـ ذلك أن الأسرة، وإن بدت كمجتمع صغير، إلا أنها تحمل كل مقومات المجتمع الكبير.

فلو كان عضو في الأسرة يعمل ويتحرك في ضوء أهوائه وأذواقه دون أن يأخذ بنظر الاعتبار « الآخرين » في ذلك، ستعمّ الفوضى وسيطغى الاضطراب، وبالتالي ستتفكك الأسرة.

وإذن فإن هناك حداً للحريات والطموحات الشخصية التي ينبغي أن تنتهي عندما تصطدم ومصلحة الأسرة والحياة المشتركة. وقد تكون المرأة معنيّة أكثر بهذا الموضوع باعتبار أن الرجل أكثر ميلاً للاستمتاع بالحرية وقد يشعر بالغضب عندما يرى أن حريته تتعرض للقيود، وفي هذه الحالة على المرأة اتخاذ أسلوب مناسب يعتمد المداراة والتخفيف من حدة بعض الالتزامات ريثما تتوفر الأرضية المناسبة، وفي غير هذه الصورة سوف يجنح الرجل إلى الاستبداد في رأيه وربما النزاع. وفي هذه المناسبة ينبغي أن نذكر الرجل أيضاً بأن زمن الحرية المطلقة قد انتهى وأن الزواج بداية لعهد من المسؤوليات التي تتطلب منه غض النظر عن كثير من الأمور والحريات.

على هامش الحدود
من أجل الإشارة إلى مدى نطاق هذه الحدود يمكن إدراج ما يلي:

1 ـ تنظيم الحضور
وهذه من أبرز المسائل وأكثرها حساسية، وينبغي للزوجين الاتفاق عليها بعد أن اختارا الحياة سوية في بيت واحد وتحت سقف مشترك، ولذا فإن على الرجل أن ينظم وقته بحيث يكون له حضور في المنزل إلى جانب زوجته وأولاده بمعدل يقترب من نصف ساعات اليوم، ذلك أن المرأة ترغب في تواجد زوجها مثلما يرغب الرجل في حضور زوجته وتواجدها داخل البيت.

ومن الخطأ أن يبعثر الزوجان وقتيهما خارج المنزل هنا وهناك دون أن يفكرا بمسؤولياتهما تجاه الأسرة. وخلاصة المسألة أنه ينبغي على الزوجين تنظيم وقتيهما دون حساسية أو انزعاج من سؤال أو استفسار ، وفي المقابل إذا ما حدث وخرق أحد الطرفين عادته في عودته فلا ينبغي أن يكون هذا مثاراً للجدل أو النزاع.

2 ـ المعاشرة
المرأة والرجل أحرار في التعبير عن آرائهما في الحياة المشتركة وأسسها وما يتعلق بها، غير أننا نجد ـ ومع الأسف ـ ممارسات قمعية لدى أحدهما تقذف الرعب في قلب الآخر وتمنعه من أبداء رأيه في شؤون الأسرة. فقد نجد لدى أحد الطرفين رغبة في الحديث عن شأن ما تمنع من ظهورها الخشية من حدوث نزاع، أو يود أحدهما لو أبدى رأيه في مسألة من المسائل ولكنه يخاف أن يكون عرضة للسخرية فيجنح إلى الصمت المطبق، محتفظاً بآرائه لنفسه يعالج همه في أعماقه دون أن يفصح عن أسرار ألمه إلى أحد.

3 ـ التقيد في الإجراءات
قد نرى التقيد في بعض الأحيان في إجراء يتخذه الأب ـ مثلاً ـ لتأديب ابنه عندما يرتكب خطأً يستحق العقوبة، وفي هذه اللحظة بالذات تظهر الأم كحاجز يوقف تنفيذ الإجراءات مما يؤدي إلى النزاع والمواجهة.

قد يتخذ بعض الآباء إجراءات غاية في القسوة ربما تعرض إلى مخاطر كبرى، وفي هذه الحالة على الأم أن تتدخل لمنع إجراء كهذا.

إن التدخل من قبل أحد الطرفين في شؤون وأعمال الطرف الآخر خطأ كبير يقود إلى النزاع، وعوضاً عن هذا الأسلوب الصدامي ينبغي على الزوجين أن يفكرا بوسيلة مناسبة في تقديم النصح اللازم تحفظ للطرفين جميع الحقوق والاعتبارات.

4 ـ في الميزانية
ربما يقتضي الجانب الاقتصادي في حياة الأسرة أن يبسط الرجل في الإنفاق وأن تكف المرأة يدها في الاستهلاك. إن الكرم والسخاء في حياة الرجل صفة طيبة ومحمودة، ولذا فعليه أن يوسّع في الإنفاق على عياله وأسرته، وأن لا يقصر في ذلك ما أمكنه، وعلى المرأة أن تدير شؤون منزلها حسب الإمكانات المتوفرة وأن لا تتخطى الحد المعقول في ذلك.

إن البخل في حياة الرجل خصلة مذمومة كما الإتلاف في حياة المرأة. إننا ـ ومع الأسف ـ نجد بعض الرجال الذين وهبهم الله من نعمه ولكنهم يبخلون على أهليهم وأنفسهم ويكدّسون الأموال فوق بعضها تحسّباً لفقر محتمل، في حين يعيش أهلهم وأبنائهم في فقر مدقع صنعوه بأنفسهم !.

5 ـ الطمأنينة وراحة البال
نجد في بعض الحالات نزاعاً ينشب في الأسرة بسبب شعور أحد الطرفين بالتهديد المستمر من قبل الطرف الآخر، فمثلاً نجد زوجاً يقضي جل نهاره في العمل والكدح خارج المنزل ثم يضيف إلى ذلك أعمالاً أخرى إضافية من أجل تأمين دخل يغطي مصروفات عياله، وعندما يعود إلى المنزل من أجل التقاط أنفاسه إذا به يواجه امرأة ناكرة للجميل تحول ساعة إستراحة إلى جحيم لا يطاق.

أو بالعكس، حيث تجد امرأة تنهض للعمل في المنزل مع خيوط الفجر تدير شؤون بيتها وترعى صغارها وتغسل الثياب وتطهو الطعام، وعندما يحل المساء وتحاول أن تستريح إذا بالرجل يصرخ في وجهها: لماذا لم تغسلي الثوب الفلاني ؟ أو تطوي القميص العلاني ؟ لماذا طعامك مالح ؟ أو عديم المذاق ؟ غافلاً عن أن زوجته لم تفعل ذلك عمداً أو لم تجد الوقت الكافي لكي تطوي له ثيابه ـ مثلاً ـ.
إن محاولات كهذه وإن بدت بواعثها صغيرة وتافهة إلا أنها تهدد الكيان الأسري بالخطر.

6 ـ طرح الأسئلة
تنشب النزاعات في بعض الأحيان إثر إلحاح في الأسئلة التي يطرحها أحد الطرفين، وبصورة غالبة الرجل حتى يتحول الأمر في بعض المرات إلى محضر تحقيقي، تحسّ فيه المرأة بشكل أو بآخر بأنها نابعة من سوء ظن أو شك، وعندما تعتقد المرأة ببراءتها فإنها تشعر بالمرارة لذلك. وقد تتراكم تلك المرارات في أعماقها وتتفاقم، وعندما تجد فرصة مناسبة تتفجر عن نزاع رهيب يهدد الأسرة بالدمار.

وعادة ما تثير الأسئلة المكررة نوعاً من الحساسية وتزرع في النفس نوعاً من سوء الظن حتى لو كانت نابعة عن حسن ظن، ولذا فعلى الرجل أن يلتفت إلى هذا الجانب في حياة المرأة لأن صفاء البيت في الواقع يعتمد على صفائها، وعندما يتعكر مزاجها فإن صفاء الأسرة برمّته يتعرض للخطر.

الأسباب
ومحاولة للإشارة إلى بواعث تلك القيود يمكن الإشارة إلى ما يلي:

1 ـ الجهل
قد تتصور المرأة أن عمل زوجها خارج المنزل هو ضرب من ضروب التسلية والمتعة، غافلة عن مصاعب عمل زوجها والإرهاق الذي قد يشعر به، وفي مقابل ذلك يتصور الرجل أن زوجته ناعمة البال في مأمن من هجمات البرد وضربات الحر، وأن المنزل مجرد مكان للإستراحة والاسترخاء.

ولو اطلع كل منهما على معاناة صاحبه لتصححت رؤيتهما ولارتفع رصيد كل منهما لدى الطرف الآخر، ولارتفعت الكثير من القيود التي يحاول كل منهما فرضها على الآخر.

2 ـ سوء الظن
قد تبرز القيود في بعض الأحيان بسبب سوء الظن الذي قد ينجم عن الخيال أو سوابق الماضي. ومن الضروري للزوجين أن يجعلا أنفسهما محلاً للشبهات، إذ أن من السهل جداً أن يتهم الإنسان بشيء ما ولكن من الصعب إزالة آثار هذا الاتهام. وإذن ينبغي أن تكون المعاشرة والممارسات بعد الزواج بشكل لا يستثير الظنون والشكوك وذلك صوناً للسعادة الزوجية وحفاظاً على البناء الأسري.

3 ـ إيحاءات الآخرين
ربما تنشأ القيود والحدود نتيجة لإيحاءات الآخرين الخاطئة انطلاقاً من نوايا مغرضة وحتى بسبب الجهل ، فقد نشاهد ـ ومع الأسف ـ بعض الأفراد الذين يحاولون مغرضين تقويض بناء أسر تعيش في حالة من الصفاء والمودة، ومما يزيد الطين بلّة بساطة بعض الأزواج وسرعتهم في التأثر بتلك الإيحاءات مما يؤدي إلى تزلزل الحياة العائلية ونشوب حالة النزاع. وفي هذه الحالة ينبغي على الزوجين المنع والتصدي لمثل هكذا محاولات خبيثة وتفويت الفرصة على هؤلاء في إثارة الفتن والمشكلات.

4 ـ النرجسية
وأحياناً نشاهد بعض الذين لا يرون سوى أنفسهم ولا يقيمون للآخرين أي حساب، إنطلاقاً من اعتبار أنفسهم في مستوى يفوق الآخرين في كل شيء، ولذا فهم يرون من حقهم الإمساك بزمام الآخرين من أعضاء الأسرة وقيادتهم، بالرغم من أن بعضهم إنما يفعل ذلك بنوايا حسنة باعتبارهم يفوقون الباقين في مستوى تفكيرهم ومعرفتهم، ولذا فمن حقهم فرض رؤيته على الآخرين.

5 ـ غياب الحب
وأخيراً يقف غياب الحب كسبب وراء بعض القيود والضغوط التي يمارسها أحد الزوجين من أجل إجبار الطرف الآخر على الفرار وإخلاء الساحة، ولذا يوجه أحدهما أسلحته بكلمة جارحة بإهانة مقصودة أو بفرض بعض الحدود لحمل الطرف الآخر على التفكير بالانسحاب والفرار.

ونحن هنا لا نتهم الرجل أو المرأة بذلك، فقد يكون ذلك رغبة من الرجل في التخلص من زوجته أو ميلاً من المرأة للخلاص من زوجها، وكل هذا إنما ينبعث من عدم الإحساس بالمسؤولية وعدم إدراك الواجب الملقى على عاتق الزوجين إزاء حياتهما المشتركة.

إن الحياة الزوجية تتطلب من كلا الطرفين تجاوز بعض المسائل من قبيل الحرية، الأنانية، التكبر والإعجاب بالنفس لكي يتسنى لهما الحياة في ظلال من المحبة والسلام.

ضرورة استمرار الحياة الزوجية
ينبغي أن نذكّر البعض من الرجال أو النساء ممن يهدفون ـ ومن خلال التنازع مع أزواجهم وفرض القيود عليهم ـ إلى العيش بسلام في منازلهم أو منازل أخرى بأن المستقبل مجهول تماماً ولا يمكن التنبؤ به أبداً.

وأيضاً نذكّر بعض الأزواج الشباب الذين يحاولون ـ ومن خلال التهديد المستمر واستخدام القوة ـ انتزاع حماية الطرف الآخر لهم، بالحقيقة التي تفرض نفسها بقوة وهي أن العنف لا يمكن أن يولّد الحب.. الحب الذي ينهض على أساسه البناء الأسري والعائلي.

إن الحياة الزوجية تستلزم شكلاً من أشكال التضحية والإيثار والحب وأن يتجاوز الطرفان عن بعض رغباتهما وأهوائهما من أجل الآخر، لكي يمكن الحصول على دعمه وتضامنه وولائه.

*الأُسرة و قضايا الزواج،الدكتور علي القائمي،دار النبلاء،لبنان، بيروت،ط1ـ1414هـ 1994م،ص64ـ70.

03-05-2010 عدد القراءات 7117



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا