4 تموز 2022 م الموافق لـ 04 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: المشاكل الزوجية

الأهداف المادية وأثرها في الزواج



الزواج رباط الهي مقدس والحياة الأسرية حياة سامية ولذا فإن تشكيل الأسرة ينبغي أن ينهض على أسس رفيعة ومن أجل أهداف عالية، لكي يمكن لها الديمومة والاستمرار والثبات.

إن ما ورد عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم  وكذلك ما أيّدته التجارب والمشاهدات اليومية ليؤكد بأن الزواج الذي يقوم على أساس الجمال أو الثراء هو زواج لا بد وأن ينتهي إلى الإخفاق والفشل، ذلك أن هذه الأهداف قصيرة المدى ضعيفة الأساس خاوية المعنى، وهي سرعان ما تنهار، وبالتالي ينهار البناء برمّته.

إن الحياة الزوجية يجب أن تنهض على أساس الاحترام الكامل والمتبادل لكرامة الإنسان وإنسانيته، وهو أمر ـ ومع بالغ الأسف ـ قد قوّضته إلى حد ما المدينة الحديثة.

وفي هذا العصر كثيراً ما نشاهد أزواجاً أو زوجات، ومن أجل مظاهر الحياة الدنيا ـ يحولون بيوتهم، التي ينبغي أن تكون أعشاشاً دافئة، إلى ميادين للحرب والصراع، حيث يكون همّ كلّ منهما قهر صاحبه.

تأمين الميزانية:
لا ريب في أن الحياة الأسرية تحتاج، ومن أجل تسيير شؤونها اليومية إلى ميزانية يمكنها تغطية الحاجات الأساسية وغير الأساسية بشكل متوازن.

إن النظام الإسلامي يجعل هذه المسألة من مهمات الرجل التي لا تقبل نقاشاً، حتى لو بلغت المرأة من الثراء حداً يمكنها القيام بذلك، ولذا فليس من حق الرجل أن يمدّ عينيه إلى ثروة زوجته أو يقرر له حقاً فيها أو يأمرها بالمساهمة في الإنفاق على شؤون الأسرة.

وفي مقابل هذا يوصي الإسلام المرأة أن تتكيف مع المستوى المعاشي لزوجها، وأن تنتهج منهجاً معتدلاً في الإنفاق بما يتوافق مع إمكانات الرجل وأن لا تفعل ما من شأنه أن يدفع بالزوج إلى مضاعفة عمله والإجهاد من أجل تغطية نفقات البيت أو يدفعه ـ لا سمح الله ـ إلى ارتكاب الحرام من أجل ذلك.

وهذه المسألة نراها واضحة جلية في حياة الأزواج من الشباب، فمن أجل إثبات حبهم يتمسكون بهذا الجانب دون رعاية لوضعهم الاقتصادي.

وفي البحث عن الأسباب التي تؤدي إلى النزاعات ذات الصبغة المادية، والتي غالباً ما تؤدي إلى شلّ الحياة المشتركة أو التفكير بالانفصال، يمكن الإشارة إلى ما يلي:
 
1 ـ الوعود الكاذبة:
لقد أشرنا فيما مضى إلى أن بعض الزيجات تنهض على أساس خاطىء حيث يكون الهدف ـ مثلاً ـ كسب الثراء والتمتع بأملاك الطرف الآخر.
ومن أجل هذا يقوم البعض بدور الثري ويحاول من خلال ذلك النفوذ إلى قلب الفتاة وأهلها، وبالتالي موافقتهم على الزواج على أساس بعض الوعود، ثم سرعان ما تظهر الحقيقة كاملة ولكن بعد فوات الأوان وحينها ينشب النزاع.

وقد يحصل ذلك حتى بعد الزواج حيث تشترط الزوجة ذلك، فيقوم الزوج، ومن أجل إثبات حبه لها، بإطلاق الوعود الذهبية التي لا تجد لها في أرض الواقع مكاناً مما يؤدي بالزوجين إلى النزاع.

2 ـ الكماليات:
من أسباب النزاع في الحياة الزوجية بل وحتى الوقوع في الحرام،خاصة لدى الرجال، هي كماليات المرأة، ذلك أن إنفاق الزوجة في هذا المضمار لا يكاد ينتهي بل إنه قد يسجل خطاً بيانياً متصاعداً بمرور الأيام، مما يزيد في أعباء الرجل وإرهاقه بالطلبات المستمرة، الأمر الذي يؤدي به في بعض الحالات إلى أن يمد يده إلى الحرام، وهي بداية انهيارالرجل وسقوطه، وبالتالي سقوط وانهيار الأسرة في النهاية.

إن اعتدال المرأة في الإنفاق والحد من شراء الكماليات هو دليل على حسن نواياها تجاه زوجها وأبنائها، الأمر الذي يهيىء جواً من الصفاء الروحي والسعادة.
نعم، إن المال يحل العديد من المشاكل ويطفىء الكثير من الرغبات الملتهبة، ولكنه عاجز عن أن يهب الروح ذلك الشعور الهادىء بالطمأنينة والسلام.

3 ـ هاجس المادة:
قد ينشب النزاع أحياناً بسبب هاجس الحياة المادية، فقد يشعر البعض لدى سماعهم أو مشاهدتهم حياة الآخرين بالحقارة فيسعى، ومن أجل التنفيس عن عقدته تلك، إلى تفجير الوضع مع زوجه، أو ربما يجنح الخيال ببعضهم فيصور أنه قد خسر في زواجه الكثير، وأنه قد تحطم، ولذا يسعى إلى الانتقام من خلال النزاع مع شريك حياته، وأنه بذلك سيسترد كل ما قد خسره غافلاً عن أن النزاع سيأتي على البقية من عمره، فمسلسل النزاع لا ينتهي، وإذا انتهى فإلى الطلاق والانهيار الشامل للوجود العائلي.

4 ـ المظاهر الفارغة:
يعصف النزاع في بعض الأحيان بسبب المظاهر الفارغة التي تنشأ عادة عن التنافس وهاجس التقدم والتحرك في ضوء ما تفرضه الموديلات الحديثة، والخوف من التخلف في هذا الميدان !.
فمثلاً يسعى أحدهم لشراء ساعة جميلة، ذلك أن ساعته تبدو قديمة في مقياس موضة اليوم.

أو تسعى إحداهن لشراء تحفة تضعها في أحد الرفوف تزيد في المنزل جمالاً وتكسبه رونقاً، في غفلة عن أن جمال البيت الحقيقي هو في شيء آخر ينبض بالحياة لا في تلك الأشياء الميّتة.
إن اللهاث وراء المظاهر الفارغة لا يكسب المرء شأناً ولا يمنحه قيمة، بل ان بعض النزاعات التي تحطّ من قدر الإنسان وسمعته إنما تنشأ بسبب تلك المظاهر التافهة.

5 ـ الطموح اللامعقول:
هناك بعض النساء يطمحن إلى أشياء لا يمكن تحقيقها، إذا أخذن بنظر الاعتبار وضع أزواجهن المعاشي، ولذا فإن طلباتهن لا تنتهي، ولا تقف عند حدّ معين، ولأن تنفيذ هذه الطلبات خارج عن إمكانات الزوج عند ذلك يبدأ النزاع.

من الخطأ أن تمد المرأة يدها دائماً إلى الرجل وتطلب منه أن ينفّذ لها ما تطمح إليه. إن عزة المرأة وكرامتها تكمن في استغنائها عن الرجل وعدم الإلحاح عليه في الطلب. لقد ورد في كتب التاريخ أن فاطمة الزهراء لم تطلب من زوجها ـ سلام الله عليها ـ شيئاً.

إن الرجل العاقل ليدرك ما تطمح إليه زوجته، ولذا فهو يسعى ـ حتى إذا لم تطلب منه ذلك ـ إلى تحقيق طموح زوجته.

ما جدوى الطموحات التي تكون آثارها معاناة وعذاباً للطرف الآخر أو ربما سقوطه في بؤرة الحرام ، كل ذلك من أجل تأمين تلك الطلبات وتحقيق تلك الطموحات.

6 ـ سوء الظن:
قد يعصف النزاع في الحياة الزوجية ـ خاصة لدى الشباب ـ انطلاقاً من سوء الظن، فقد نجد المرأة ـ مثلاً ـ تشكك بأن زوجها ينفق مرتبه أو ما يكسبه من المال في التسكع والعبث واللهو أو في موارد أخرى لا تعرفها.

وقد يظن الرجل بأن زوجته تنفق المال المقرر لتغطية نفقات البيت في موارد تافهة أو تدخره لأمور يرفضها تماماً، ومثل هكذا مشاكل يمكن حلها من خلال حوار هادىء لحساب الدخل وما يتطلبه المنزل من نفقات، كما يمكن القضاء على جذور الشك تماماً من خلال مصارحة الزوجين بعضهما البعض وعدم الاحتفاظ بالأسرار التي لا طائل من ورائها سوى النزاع والمشاكل.

7 ـ اللامبالاة:
نشعر بالأسف عندما نصادف أشخاصاً يعيشون في دنياهم دون شعور بالمسؤولية ودون أي اعتبار للآخرين، وأكثر هؤلاء طبعاً إن لم نقل كلهم هم من المدمنين على الخمر أو المخدرات، هؤلاء الذين لا هم لهم سوى أنفسهم ولا يحملون في أعماقهم الخاوية أي تفكير بأزواجهم وأولادهم.

إن أول بند في الحياة الزوجية هو الاشتراك والمشاركة في كل شيء، فإذا كان هناك جوع فينبغي أن يجوع الجميع، وإذا كان هناك فقر فينبغي أن يعم الجميع، وإذا كان هناك أمل فيجب أن يضيء قلوب الجميع. الأسرة وحدة واحدة لا تتجزأ، وعلى الرجل ـ باعتباره المسؤول الرئيس ـ أن يكون همه الأول زوجته وأبناؤه ، وعلى هذا فينبغي عليه أن يرفض حتى الولائم التي يدعونه إليها إذا عرف بأن أهله وعياله سيبقون دونما طعام ذلك اليوم. ليس من حقه أن يملأ معدته في حين يتضور عياله جوعاً. إن وجوده بينهم وتحمله للجوع والفقر باعث على بث الأمل والرجاء وروح التضامن في الأسرة.

لقد كان أمير المؤمنين علي عليه السَّلام  حاكماً للشرق ولكنه كان يبيت جائعاً " فلعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع ".

8 ـ الفقر خنجر مسموم:
سرعان ما تلتئم جراح الجسد ولكن ما أصعب التئام جراح الروح. إن الفقر خنجر مسموم يصيب الكرامة في الصميم. ومع الأسف، تقوم بعض النساء، وبسبب فقر أزواجهن، بصب اللعنات تلوَ اللعنات عليهم وتوجيه ذلك السلاح الرهيب لتصيب منهم مقتلاً وتحويلهم بالتالي إلى مجرد عبيد لا حول لهم ولا قوة.

وإذا ما حدث وخامر البعض إحساس بالمهانة وقام ـ ومن أجل الخلاص من هذا الوضع المزري ـ بارتكاب عمل حرام كالسرقة أو الاختلاس، فإن مسؤولية المرأة في ذلك غاية في الوضوح.

9 ـ عمل المرأة:
من أجل تغطية نفقات البيت ومواجهة أعباء الحياة تدخل المرأة ميدان العمل، وبالرغم من أن هذا العمل سيعالج جانباً من المشاكل إلا أنه سيكون باعثاً لمشاكل أخرى، ذلك أن غياب المرأة عن البيت يعني غياب الدفء عن المنزل، وغياب ذلك الحنان الذي يضم بين حناياه الأطفال، وسيحدث خلل في ميسرة الحياة داخل المنزل، فعودة الرجل والمرأة إلى البيت وهما مرهقان ثم تناولهما طعاماً مؤلّفاً من عدة شطائر أحضراها خلال عودتهما من العمل، سيخلف بعض التراكمات في النفوس، كما أن غياب المرأة عن المنزل يعني حضور الخادم أو الممرضة أو..، وهذا أيضاً يضيف إلى المتاعب قدراً آخر مما يؤدي في المدى البعيد إلى انفجار الوضع وانهيار الأسرة.

10 ـ الشعور بالغربة:
هناك العديد من المشكلات التي تحدث في الحياة الزوجية من جراء الإحساس والشعور بالغربة، فمثلاً يمد الرجل يده إلى شيء في البيت فتعترضه زوجته قائلة: إنه يتعلق بي. إنه ملكي، ولا يحق لك أن تتصرف به أو حتى أن تلمسه.

وربما ودت المرأة أن تبدي رأيها في موضع ما فينهرها الرجل قائلاً: ليس من حقك التدخل في هذا الموضوع، إنه لا يتعلق بك لا من قريب ولا من بعيد.

إن الحياة الأسرية تعني الحياة المشتركة تحت سقف واحد، تعني ذوبان الزوجين واشتراكهما في كل شأن وفي كل شيء.

إن أولى مستلزمات الحياة المشتركة هي غياب ضمير الأنا في التفكير والممارسة والحديث، فالحياة الزوجية أشبه ما تكون برحلة يقوم بها صديقان حيث تتطلب منهما التعاون في كل شيء وفي كل عمل.

حديث في عمل المرأة:
لا يمنع الإسلام المرأة من العمل إذا تمكنت من رعاية الموازين الشرعية والأخلاقية ولم يكن هناك ما يخدش عفتها، ومع كل ذلك فإن الآثار التي تترتب على عمل المرأة كغياب الدفء العائلي وإهمال الأطفال وتركهم ضائعين إن كل هذه الآثار ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار.

الرجل هو المسؤول عن تأمين الجانب المعاشي في الأسرة، وللمرأة وظيفتها في إدارة المنزل، وقد عيّن لها الشرع والقانون حقوقها كاملة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد أثبتت الدراسات والبحوث أن عمل المرأة وإجهادها قد يصل بها إلى تجاوز الحياة الجنسية وإيثار النوم لتوفير ساعة من الراحة مما يترتب على ذلك الكثير من الآثار.

إن محاولة تغطية بعض نفقات البيت لا يبرر للمرأة إقدامها على العمل وضرب النظام وقيامها بعمل ليس من واجبها وتركها لواجب أهم بكثير مما تؤديه خارج المنزل. وإذا كانت المرأة تستهدف من وراء عملها توفير بعض متطلبات الحياة الأسرية فماذا تفعل إزاء النزاع الذي يهدد الأسرة كلها بالدمار ؟!.

لقد خلقت المرأة لتكون نبعاً فيّاضاً من الحنان والحب من أجل أن تقوم بواجبها في تربية جيل كريم وشجاع، وأن بعض الأعمال تتناقض و واجبها الأصلي أو تقضي عليه.
قد تقتضي الضرورات أن تشارك المرأة وتدخل ميدان العمل في حقول التعليم أو الطب أو التضميد، ومع كل ذلك ينبغي عليها مراعاة عملها الأساس في تربية أبنائها وتنشئتهم النشأة الصحيحة.

الاعتدال في الإنفاق:
ينبغي رعاية جانب الاعتدال في الإنفاق وعدم الإسراف، واعتبار المال والطعام والكساء مجرد وسائل وليست أهدافاً تستحق اللهاث وراءها والسقوط في دائرة الحرام من أجلها، وقد نهى الإسلام عن الإسراف في الطعام واللباس ودعا إلى سلوك الطريق الوسط فخير الأمور أوسطها، وفي نفس الوقت الذي ينهى فيه عن الإسراف والتبذير ينهى أيضاً عن البخل والتقتير بل يعتبره سوء ظن بالله سبحانه.
وفي هذا الجانب تلعب المرأة دوراً بارزاً حيث تقوم، ومن خلال حسن إدارتها، بتوفير أشياء كثيرة بوسائل بسيطة مما يمكنها من توفير بعض المال تحسّباً للمستقبل.
وعلى الرجل إذا كان متمكناً أن لايقصّر في الإنفاق على زوجته وأولاده وفي الحدود المعقولة.

تحمل أعباء الحياة:
الحياة نوع من الواجب الذي ينبغي تحمله بالرغم من كل المعاناة في ذلك، ومن الخطأ أن نتّكل على غيرنا في تحمل أعباء الحياة أو نطلب من الآخرين ـ أصدقاء وأقرباء ـ أن يحملوا عنا همومها.
صحيح أن الفقر يجعل من الحياة مرة صعبة التحمل ويخلق نوعاً من المعاناة، إلا أن هناك الكثير من الشباب الذين تزوجوا انطلاقاً من الأخلاق والروح، يحب بعضهم بعضاً حباً جماً بالرغم من أن أغلبهم يبيتون دون طعام أو يكتفون بكسرة خبز.

الفقر وضيق ذات اليد قد يتسبب في إيجاد المعاناة ولكنه ليس مبرراً للنزاع، وان على الرجل والمرأة أن يتحملا أعباء الحياة وأن يصبرا على الجوع والظمأ، وأن يجعلا رسول الله  صلى الله عليه و آله وسلم  وأزواجه نصب أعينهم دائماً، فقد كانت بعض نسائه يبتن جائعات لأنهن لم يكن ليجدن ما يسد به الرمق، بل قد تمر أيام فلا يشاهد أثر لدخان طبخ.

وهذا الجانب يحظى بأهمية فائقة في الحياة الزوجية إذ ينبغي أن تكون أسس الزواج أسمى من كل الحاجات المادية وأن يواجه الزوجان كل مصاعب الحياة بروح من الصبر والتحمل وأن لا تكون مظاهر الحياة الفارغة التافهة سبباً في تقويض الأسرة والعائلة، وأن تكون الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا نصب أعينهم على الدوام.

*الأُسرة و قضايا الزواج،الدكتور علي القائمي،دار النبلاء،لبنان، بيروت،ط1ـ1414هـ 1994م،ص79ـ87.

07-05-2010 عدد القراءات 9651



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


تعليقات القراء 1 تعليق / تعليقات

سيد علي | مطالعة

17-11-2013 | 13-02د

معلومات قيمة



جديدنا