4 تموز 2022 م الموافق لـ 04 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: أبحاث في المجتمع

معنى التغير في المؤسسة العائلية الرأسمالية



لم يكن التأثير الذي احدثته الفكرة الرأسمالية في القرن الثامن عشر منحصرا بالجانب الاقتصادي من المجتمع الاوروبي، بل تعدى بشكل مباشر الى المؤسسة العائلية بكل تشكيلاتها الاجتماعية. فكان من اهم التأثيرات التي عصفت بالمؤسسة العائلية الرأسمالية هو تغير ولاء الافراد تجاه بعضهم البعض، حيث اصبح الافراد يحصرون جل اهتماماتهم العملية على تحقيق رغباتهم الشخصية دون الاكتراث لمسؤولياتهم الاجتماعية تجاه عوائلهم الكبيرةواقاربهم وارحامهم. وهذا التغير في الولاء افرز نتائج لها تبعات خطيرة على الحياة العائلية، تصورها كتابة ( بتي يوربيرك) في كتاب ( دور الغريزة الجنسية في التغير الاجتماعي ):

( يبحث الافراد عن فرص للعمل حتى لو كان ذلك البحث يكلفهم كسر العلاقات الاسرية مع ارحامهم. النساء المتزوجات من الطبقة المتوسطة والعليا يذهبن للعمل حتى مع معارضة ازواجهن . وبعد ذلك يتركن زواجهن المليء بالتعاسة، واحيانا يتركن اطفالهن مع ازواجهن ويذهبن للبحث عن حياة جديدة فيها عمل وظيفي. الازواج يتركون زوجاتهم اللاتي بذلن حياتهن كربات للبيوت. ووجود الاطفال لايردع الزوجين عن التفكير بالطلاق والابن الاكبر لا يترك الجامعة لمساعدة ابويه او اخوته المحتاجين، بل يتركهم وحاجاتهم ويذهب لتأسيس مستقبله بعيدا عن العائلة. الشباب يختارون حياة زوجية او حياة منحرفة حتى لو عارض الابوان ذلك ) 1.

وهذه الحياة الجديدة التي افرزتها التجربة الرأسمالية غيرت النظرة الانسانية في المجتمع الصناعي تجاه الزواج والاسرة. فالعوائل الكبيرة التي كان يرأسها جد الاسرة تحولت الى عوائل صغيرة تضم الاب والام وطفليهما، ونظام تعدد الزوجات استبدل بنظام الزوجة الواحدة، والبيوت الكبيرة التي كانت تضم بين جدرانها عوائل متعددة استبدلت بوحدات سكنية تضم عوائل صغيرة، والتزاوج بين الاقارب استبدل بالتزاوج عن طريق العمل والمؤسسات التعليمية. واصبحت القاعدة في الزواج في المجتمع الرأسمالي، الميول نحو الاختيار الشخصي القائم على الاعجاب، والكفاءة، والثقافة، والجمال. وبذلك انحسر العامل الاقتصادي الذي كان محور التزاوج في المجتمع الريفي الاوروبي.

وتبدل الشكل العائلي في المجتمع الرأسمالي من العصر الزراعي الى العصر الصناعي له عوامله الخاصة التي جعلت فكرة التغيير سبباً اساسياً حاسماً في تثبيت اسس النظام الاقتصادي الرأسمالي. ولولا ضعف الاسرة الكبيرة وانفراط عقدها لما نجح النظام الرأسمالي في تنويع وزيادة الانتاج. فالاسر الصغيرة ايسر للانتقال الجغرافي من منطقة الى اخرى حسبما يقتضيه العمل في حقول الانتاج. والعامل في المجتمع الرأسمالي ينتقل حيثما وجد عملاً مناسباً يهيئ له عيشة رغيدة. فاذا كان ذلك العامل مرتبطاً باسرة كبيرة، اصبح ارتباطه عائقاً في التكسب: ولذلك مالت الكفة الاجتماعية نحو انشاء العوائل الصغيرة القادرة على الانتقال الجغرافي بيسر بحثاً عن ظروف انسب للعمل.

وطالما كان المجتمع الرأسمالي يوفر فرصاً اكبر للعمال لتطوير شخصياتهم وفرصاً اكبر للنجاح والصعود الى الطبقات الاجتماعية العليا، فان الافراد الطامحين للصعود الاجتماعي لا يلزمون انفسهم بالالتزام بالقيم والتقاليد التي تفرضها عليهم الاسر الكبيرة، لان الاسرة الكبيرة المتكونة من اجيال متعددة تحترم لوناً معيناً من القيم الاجتماعية الصارمة. ولكن الحركة الاجتماعية التي تنقل الفرد من طبقة الى طبقة اعلى تحمل في طياتها قيماً تختلف عن قيم الطبقة الاخرى نحو العلم والتحصيل والاخلاق والمورد المالي. والاصل في الفكرة التي تعتنقها النظرية الرأسمالية، هو ان الدرب الاساس نحو الصعودالاجتماعي الى طبقة اقتصادية ارقى من الطبقة الاولى للفرد، لا يتم الا عن طريق تحطيم الاواصر الاجتماعية مع العائلة الكبيرة.

وعندما بدأ النظام الرأسمالي بتقديم شتى الخدمات الاجتماعية التي كانت العوائل الكبيرة تقدمها لافرادها، بدأت الحاجة الى استمرار وجود تلك العوائل الصغيرة تنتفي تدريجياً، حسب زعم النظرية الرأسمالية. فالنظام الرأسمالي يقدم لافراد العوائل الصغيرة الخدمات التعليمية، والطبية، واعانة العجزة، ورعاية الاطفال، وكوبونات الطعام للمحتاجين. واذا كان النظام الرأسمالي يقدم كل هذه الخدمات، فما هو الداعي في الاعتماد على الاقارب او الارحام بخصوص المساعدات المالية وقت الازمات؟ وماهو اللزوم في عيش الزوجين مع آبائهما اذا كانت الحاجة المالية والاخلاقية منتفية؟ وهذا التوجه نحو تغير الولاء من العشيرة والاقارب الى الدولة والنظام ساهم في انشاء وانتشار العوائل الصغيرة القائمة على قاعدة ( الزوجين واطفالهما) فقط. وبذلك تحقق حلم النظام الرأسمالي بزيادة الانتاج الصناعي عن طريق تحطيم الاواصر العائلية في العشيرة والعائلة الكبيرة، واستبدالها بنظام العوائل الصغيرة التي تستطيع الانتقال جغرافيا بسرعة من مكان لآخر حسبما تتطلبه العملية الانتاجية.

ومن اسباب التبدل في شكل الاسرة الرأسمالية ايضاً، ان الابناء الذين كانوا في المجتمع الزراعي رصيدا اقتصادياً للعمل والانتاج، اصبحوا في الاسرة الرأسمالية عبئاً اقتصادياً على الابوين. فالابوان مكلفان باطعام وكسوة وتعليم ابنائهما من الطفولة وحتى البلوغ. وبعد البلوغ، وعندما يصبح الفرد قادرا على التكسب والاستقلال، يمسي همه الاكبر الانفصال عن ابويه لانشاء اسرة صغيرة جديدة . وهذا التوجه العام يفسر سبب ميول الابوين نحو انشاء اسر صغيرة ذات عدد محدود من الابناء، لان كثرة الابناء ليس لها مردود اقتصادي على الاسرة، فالابناء المنتجون ينفصلون عن ابويهم بعد بلوغهم ومباشرتهم العمل خارج البيت. وهذا التوجه الرأسمالي الحديث يناقض الفكرة الكاثوليكية القائلة بحرمة تحديد النسل.

وفوق كل ذلك، فان السبب الرئيسي الحاسم في تبدل شكل الاسرة الرأسمالية هو فكرة ( الحرية الفردية)، فالفرد مكلف باشباع حاجاته وتحقيق طموحاته الشخصية، وليس مكلفاً باشباع حاجات الآخرين. وهذه ( الفردية) هي اساس الفكرة الرأسمالية في العمل والانتاج. فالفرد هو محور كل الافكار والتوجهات الاجتماعية. بل ان كل الخدمات الاجتماعية ينبغي ان تتوجه حسب رأي النظرية الرأسمالية نحو تسهيل حياة ذلك الانسان وترفيهه حتى لو كان ذلك على حساب التقاليد والالتزامات الاجتماعية. فان كانت القضية التي تواجه الفرد قضية مالية او عناية صحية او قضية زواج او طلاق، فذلك الفرد الرأسمالي غالباً ما يسأل: (ما هو نفعي وربحي من هذه القضية؟ ) على عكس الفرد في المجتمع غير الرأسمالي الذي يسأل: ( ماذا يتوقع ارحامي واخواني مني ان اعمله لهم؟ ) وهذا الفارق في السؤال يعكس الفارق بين المذهب الفردي الذي جاءت به الرأسمالية، والفكرة الجماعية التي كانت سائدة في العالم قبل مجيء الرأسمالية.

ولا ريب ان شكل العائلة الصغيرة، التي هي احدى ثمار سيطرة النظام الرأسمالي على المقدرات الاجتماعية، لها مساوئها وعيوبها. فقد كان الفرد في العوائل الكبيرة يستند على دعم عائلته في الازمات الاجتماعية والاقتصادية ، فوجود العائلة الكبيرة هو مولد اطمئنان الفرد نحو سد حاجاته اقتصادياً وعاطفياً دون الاضطرار الى استجداء الآخرين من خارج الحدود العائلية. اما الفرد الرأسمالي فانه لايملك الا زوجته وقت الازمات، واذا كانت الزوجة لاتعمل الا في حدود واجباتها البيتية، فان الاسرة لا تصمد امام الهزات الاقتصادية التي تعصف بالفرد المعيل، كالبطالة، وترك العمل، والعجز الصحي، والتقاعد.

بمعنى ان الفرد في الاسرة الكبيرة اذا عجز عن احتلال دوره الطبيعي في النظام الاجتماعي والاسري ، فان بقية افراد الاسرة يساهمون في اشغال ذلك الدور دون ان يؤثر ذلك على وضع الاسرة اقتصادياً او اجتماعياً. اما في الاسر الصغيرة فإن عجز احد الابوين عن اداء دوره الانتاجي قد يؤدي الى تحطيم الاسرة من الناحية الاقتصادية. وتتحقق نفس النتيجة اذا مات رب الاسرة، او مرض مرضاً مزمناً، فان كل ذلك يضع الاسرة الصغيرة في ازمة اقتصادية واجتماعية خانقة.

وفي الاسر الكبيرة، يكون الزواج قضية طبيعية لا يتوقع الفرد منها ان تخلق المعجزات. فالزوجة تساهم في عمل البيت وتربية الاطفال، وقد تضطر للعمل احياناً خارج البيت، ولكن كل ذلك يخضع للحدود والقيم والتعليمات التي تلتزم الاسرة الكبيرة بها. وهذا كله يساهم في استقرار النظام الاسري، حتى لو كان المردود العاطفي بين الزوجين ضعيفاً. اما على مستوى الزواج في المجتمع الرأسمالي، فقد يتوقع الزوجان، من احدهما الآخر، اموراً بعيدة عن الواقع بسبب الصورة الخيالية المسبقة الموضوعة في ذهنيهما قبل الزواج. واذا فشل الزوجان في تحقيق الصورة الخيالية التي رسماها في مخيلتهما، انفرط عقد الزواج، واصبح الطلاق المنفذ الوحيد لاعادة ترتيب اولويات حياتهما الاجتماعية والاقتصادية. ولا شك ان هذه المشكلة تعتبر من اخطر مشاكل التغير في المؤسسة العائلية الرأسمالية.

* النظام العائلي ودور الاسرة في البناء الاجتماعي الاسلامي، د: زهير الاعرجي، أمير- قم، ط1 سنة 1415هـ -1994م،ص36-41.


1- (بتي يوربيرك). دور الغريزة الجنسية في التغير الاجتماعي. نيويورك: وايلي ،1974 م. ص 53.

05-02-2010 عدد القراءات 8671



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا