28 تشرين الثاني 2022 م الموافق لـ 03 جمادى الأولى 1444 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: السيدة الزهراء(ع)

الزهراء (عليها السلام) والتربية بالنموذج والقيم




 
إنّ تقديم النموذج الصالح الخيّر وعرضه أمام الآخرين وخصوصاً المربّين لهو أمر بالغ الأهمّيّة، وهو أسلوبٌ قرآنيّ في الحقيقة، حيث يقول الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾[1]. كما يؤكّد التربويّون فاعليّة هذا الأسلوب حديثًا، ذلك لأنّ النفس البشريّة ميّالة إلى الاختيار تنفر من الإجبار، فالتعليم بتقديم النموذج أوقع في النفس من الوعظ والتلقين الدائم وخصوصاً لدى الأطفال. وفي هذا الإطار، نجد السيدة فاطمة عليها السلام تقدّم لأولادها بل لكلّ البشرية أنموذجًا كاملًا قابلًا للتأسّي، فهي بتجسيدها القيم والمفاهيم الدينيّة في حياتها تدّل المربّين بشكل عمليّ على ما ينبغي القيام به، وهو أمر عامّ وشامل ينطبق على حياتها بأكملها، وهو أسلوب نراه يتكرّر في مواقفها مع أولادها. فمثلًا نراها متهجّدة متعبّدة، تقوم ليلها حتّى تتورّم قدماها وهو أمر لا تحكيه عن نفسها أبدًا كما أنّها لا توقظ أولادها ليقوموا بالتعبّد مثلها على سبيل المثال، بل إنّ هذا الخبر قد وصل إلينا على لسان الإمام الحسن عليه السلام لمّا استيقظ ورأى أمّه واقفة في محرابها تصلّي الليل بطوله، وفي الموقف نفسه نراها تدعو لجيرانها ولا تدعو لنفسها ولمّا سألها الإمام الحسن عليه السلام عن ذلك قالت: الجار ثمّ الدار، فدلّته بشكل سلوكيّ على قيمة محبة الآخرين والدعاء لهم[2]، وكذا علّمت أطفالها كيف يزهدون في هذه الدنيا، ففي مرّة أرسلت ابنيها بسوارين أحضرهما لها الإمام علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليبيعهما وينفق ثمنهما على الفقراء زهدًا منها بهذه الفانيات[3]... وغيرها الكثير من المواقف، فكلّ حياة الزهراء عليها السلام قدّمت فيها نموذجًا وقدوة صالحة وكانت تلك هي الطريقة التي غرست من خلالها القيم الحقّة في نفوس أولادها، وربّتهم على تعظيمها والدفاع عنها بكلّ وجودهم، حتّى لو استدعى ذلك فداء تلك القيم بالنفس والروح، وهو ما حصل.
 
التربية على القيم
عندما يعظّم الإنسان أمرًا ما ويغدو جزءًا من شخصيّته ويصير منبع تصرّفاته، يصبح هذا الأمر قيمة راسخة عند ذاك الإنسان، فالقيم هي تلك الأمور التي نعتقد بها، ونجلُّها ونحترمها، وهي المعايير التي نتصرّف على أساسها. وكلّما كانت القيمة التي ندين بها أهمّ بالنسبة إلينا وخطرها أشدّ، كان الحفاظ عليها والدفاع عنها أشدّ. كما أنّ القيم هي أكثر الأمور رسوخًا في نفس الإنسان، إذا ليس من السهل أن تتحوّل فكرة ما أو معتقد معيّن إلى قيمة عند الإنسان، كما ليس من السهل أن تفقد قيمة معيّنة موقعيّتها عنده بسهولة، فالمسائل القيميّة تتجاوز الفكر، إذ لا بدّ من أن يكون الفرد يعتقد بدءاً بأهمّيّة العلم مثلًا فيمارس سلوكاً يتناسب مع ذلك المعتقد كأن يتعلّم ويقرأ ويجالس العلماء ويعظّم المتعلّمين وينفر من الجهل ولا يقبل به.. ومن ثمَّ يضفي هذا السلوك النابع من الاعتقاد رسوخًا في النفس فيضفي نوعًا من القدسيّة عند الإنسان إضافة إلى القدسيّة التي يمكن أن يحوزها هذا المعتقد خصوصًا إذا كان مستقًى من منابع مقدّسة كالدين مثلًا فتزداد قدسيّته، فيتحوّل إلى قيمة، ويشتدّ رسوخها في النفس، فيمسي الإنسان على استعداد لأن يبذل في سبيلها الغالي والنفيس، وهو ما يميّز المسائل القيميّة عن غيرها، فتغدو النفس معجونة بها وتشكّل هويّتها، لذا فالتربية القيميّة أي التربية على القيم هي الأهمّ. وفي هذا الإطار، يمكن لنا أن نفهم مضمون التربية الفاطميّة لأولادها على أنّها تربية قيميّة، قائمة على زرع القيم في نفوسهم، حيث شكّلت تلك القيم النابعة من الدين، والتي تجسّدها الزهراء عليها السلام مضمون تربيتها لأولادها، كالتربية على قيمة العبادة، وقيمة النظافة، وقيمة الارتباط بالله، وقيمة الزهد، وقيمة التقوى، وقيمة مساعدة الآخرين.
 
 السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام قدوة وأسوة، دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1] سورة الأحزاب، الآية 21.
[2] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج‏1، ص 182.
[3] الطبرسيّ، الشيخ الحسن بن الفضل‏، مكارم الأخلاق‏، انتشارات الشريف الرضي‏، إيران - قم، 1412ه‏، ط4، ص 94.

04-01-2022 عدد القراءات 1210



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا