21 حزيران 2021 م الموافق لـ 10 ذو القعدة 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

إعجاز القرآن في الكلمة





إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد، من الكتب الإلهية، التي أنزلت على الأنبياء (عليهم السلام)، الذي بقي مصونا من التحريف، ومن تلاعب المتلاعبين، وهذا أحد وجوه إعجازه، لان المفروض انه يشتمل على القوانين العامة والنهائية، التي يحتاج إليها الإنسان في عاجله وآجله، كما يشتمل على كافة العقائد وأصول السياسات وغيرها، مما يجب على الإنسان الإيمان به قولا وعملا.

والسر في هذا الوجه من الإعجاز أن في نظم الكلام القرآني خصوصيتين، هما المرونة والضبط.

أما المرونة فإن آياته الشريفة قابلة للتطبيق، والتفاعل مع مختلف الظروف، الحالية والمستقبلية، بحيث يمكن فهمها فهما جديدا، في كل مراحل الاجتماع الإنساني بما يناسب كل مرحلة منها، من خلال اكتشاف الظواهر والقوانين الكونية، واتساع دائرة المدلول وعدمها على المستوى النفسي والقانوني، وهذه خاصية لا توجد في أي مدونة من المدونات، بما فيها الكتب السماوية السابقة.

وأما الضبط: فان العارفين بالكلام العربي وأساليبه مقرون، بأن كل كلمة وضعت في موضعها الصحيح، حتى أنها لو أزيلت من مكانها ووضعت في مكان آخر من الجملة، أو وضع مرادفها مكانها، لاختل المعنى المراد، كما اختل وجه الدلالة فيها.

وتحدث التاريخ عن أشخاص كثيرين من بلغاء العرب، حاولوا معارضة القرآن الكريم، أو الاتيان بمثله، ولكنهم فشلوا في ذلك، ولم يستطيعوا معارضة آية واحدة، وهو تصديق قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرً﴾[1].

 وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[2].

وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾[3].

وقد بين الإمام الرضا (عليه السلام) هذا المعنى، حين سأله ابن السكيت: لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر، وبعث عيسى بالطب، وبعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالكلام والخطب؟

فقال له أبو الحسن (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى لما بعث موسى (عليه السلام)كان الأغلب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن بوسع القوم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم، وان الله تبارك وتعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله عز وجل بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) في وقت غلب على أهل عصره الخطب والكلام – قال الراوي: وأظنه قال: والشعر- فأتاهم من كتاب الله عز وجل ومواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت الحجة عليهم. فقال ابن السكيت: تالله ما رأيت مثل اليوم قط، فما الحجة على الخلق اليوم؟ قال (عليه السلام): العقل، تعرف به الصادق على الله فتصدقه، والكاذب على الله فتكذبه، فقال ابن السكيت: هذا والله الجواب[4].

إن أهمية العقل الواردة في الحديث الشريف، إضافة إلى تسليط الضوء عليه بشكل مباشر، وبيان لموقعه في الفكر الإسلامي، وأنه هو الميزان في تمحيص الحق من الباطل، هي أن حقائق القرآن الكريم وأسراره تظهر في كل جيل، بما يكفي ذلك الجيل من إشارات ودلائل توصل إليها العقل البشري في مسيرته الطويلة، وبحثه عن أسرار الكون، فتكون بذلك مصدقة للقرآن الكريم، ومن خلاله تلقى الحجة على جميع الناس، قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾[5].

وقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه ذكر القرآن يوما فعظم الحجة فيه والآية المعجزة في نظمه، فقال: هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، وطريقته المثلى، المؤدي إلى الجنة، والمنجي من النار، لا يخلق من الأزمنة، ولا يغث على الألسنة، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان، بل جعل دليل البرهان، وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد[6].

وسأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: ما بال القرآن لا يزداد مع النشر والدرس إلا غضاضة؟

فقال (عليه السلام): لأن الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة[7].

وهذا في الحقيقة أعلى درجات البلاغة، الذي ينبغي أن يفهم من كلام الأعلام، حين قالوا أن إعجاز القرآن الكريم في بلاغته، بمعنى أنه ليس المراد مجرد صناعة الكلام، وأساليب البيان فقط، بل هو ما عرف البلاغة علماؤها من أنها "مطابقة الكلام لمقتضى الحال"، أو "مطابقتها للاعتبار المناسب"، فهو مطابق لحال كل عصر وزمان، بما يكفي لإلقاء الحجة على الناس.

إن النظم القرآني في بلاغته وكلامه يدل على خصوصية إعجازية أخرى فيه، وهي أن تنزله على قلب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) طيلة ثلاث وعشرين سنة، نجوما وآيات متفرقة، بخلاف سائر الكتب الأخرى، والنبي هو الذي جمعه ووضع كل آية في موضعها من السور المتفرقة، بخلاف سائر الكتب المنزلة، وقد أشار النبي (صلى الله عليه وآله) إلى هذه الخصوصية، عندما سأله ابن سلام لم سمي الفرقان فرقانا؟ قال (صلى الله عليه وآله): لأنه متفرق الآيات والسور أنزلت في غير الألواح، وغيرها من الصحف والتوراة والإنجيل والزبور أنزلت كلها جملة في الألواح والورق[8].

ولا يخفى أن مثل هذا العمل الجبار يحتاج إلى قدرة فوق قدرة البشر في تنظيمه وترتيبه، حتى لا يبقى فيه أي اختلال أو ضعف، بل يمكن أن يتحدى به إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً﴾[9]، وهذا دليل آخر على إعجاز القرآن الكريم.

ولعل الحكمة في تنزيله خلافاً للكتب السماوية هي أن الناس سيتولون العمل به والتزام تعاليمه، ليكون جزءا من شخصيتهم العلمية والمعرفية، فيكون محفوظا في قلوب المؤمنين، فلا يكون حفظه في الصحف والألواح والورق، لأنها في معرض التلف الأمر الذي يدعو الناس إلى المحافظة عليه بكافة الوسائل، قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلً﴾[10].

وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[11].

من ناحية أخرى، فإن نزول الآيات المباركة بحسب المناسبات والظروف، التي كان يعيشها المسلمون، والتعرض للمشكلات والحلول حينها، يؤدي بالضرورة إلى ثبوتها في القلوب، نتيجة معايشتهم لها، وهذا بخلاف ما إذا نزلت دفعة واحدة في الصحف، فإن الاطلاع عليها حينئذ يحتاج إلى بحث وجهد، لاستخراج ما يرتبط بالواقعة محل النظر، وهو أمر غير متيسر لكل إنسان، كما هو ظاهر، وقد انعكست هذه الحقيقة على أهل الكتاب بصورة جلية، حتى وصل بهم الحال أن ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ...﴾[12]، وهذه نتيجة منطقية لاتباع أهواء النفس، التي تنفر بطبعها من البحث والتنقيب العلمي، خصوصا إذا كان لها أثر سلبي على حياتهم المادية، فيركنون إلى غيرهم، ويسعون لإيجاد العلل والمبررات لتقاعسهم عن البحث الجاد بأنفسهم.
 
 سماحة الشيخ حاتم اسماعيل


[1] سورة الاسراء، آية: 88
[2] سورة يونس، آية: 38
[3] سورة البقرة، آية 23-24
[4] بحار الأنوار, ج 11, ص70
[5] سورة الأنعام, آية: 38
[6] بحار الأنوار, ج 92, ص 14
[7] نفس المصدر السابق, ص 15
[8] بحار الأنوار، ج 92، ص 16
[9] سورة النساء، آية: 82
[10] سورة الإسرا، آية: 105-106
[11] سورة فصلت، آية: 3
[12] سورة التوبة, آية: 31

13-05-2021 عدد القراءات 753



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا