16 آب 2022 م الموافق لـ 18 محرم 1444 هـ
En FR

المرأة :: المرأة في القرآن والسنة

الملائكة لا مذكرة ولا مؤنثة



المقدمة الأولى: ذكر في القرآن الكريم كمالات للملائكة، وذكرت هذه الكمالات أيضاً للناس العلماء والواعين سواء كمالات علمية أو كمالات عملية. المقدمة الثانية: إذا ثبت ان الملائكة ليست جسماً ومنزهة عن الذكورة والأنوثة يتضح الوجه المشترك للملائكة والإنسان، وانه روح الإنسان، لا جسمه ولا مجموع الجسم والروح.

بهاتين المقدمتين ، يتضح ان في المسائل القيمية ليس هناك كلام عن الذكورة والأنوثة، بل ان هذين الصنفين متساويان، لذا فأساس القضية سالب بانتفاء الموضوع، ولكن يرى الماديون أن هذه القضية سالبة بانتفاء المحمول. لأنهم يتصورون حقيقة الإنسان هي البدن، والبدن إما مذكر أو مؤنث ثم يقولون: ان المرأة والرجل لا يختلفان في المسائل القيمية، ولكن الإسلام يرى روح الإنسان تمام الحقيقة وفي نفس الوقت الذي يعد البدن ضرورياً، يعرفّه كأداة، لا بصفة تمام الذات، ولا جزء الذات, وهو يقول: إن المرأة والرجل لا يختلفان، يعني في المسائل القيمية ليس هناك كلام عن الذكورة والأنوثة أساساً، لا أنهما صنفان ولا يختلفان.

لأجل تأييد هذه المسألة نرى ان القرآن الكريم عندما يذكر المسائل العلمية يعرف الملائكة والعلماء بنحو واحد ويقول: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 1.

في هذه الآية يسند الشهادة بوحدانية الله إلى الله سبحانه أولاً وبعد ان ينهي الجملة الأولى يذكر الملائكة والعلماء في محل واحد، والملائكة لا مذكر ولا مؤنث، وفي هذه المسائل العلمية يثمن الله سبحانه شهادة الملائكة بحيث ذكر شهادتهم بعد شهادته بوحدانيته، ثم ذكر العلماء إلى جانب الملائكة، من هنا يتضح ان المقصود من (أولوا العلم) في الآية، ليس الرجال العلماء ، كما انه لا يخص النساء العالمات.
فالعالم هو الروح. والروح لا مذكر ولا مؤنث، الروح هي التي تستطيع ان تكون كالملائكة شاهدة بوحدانية الله لا الجسم ولا مجموع الجسم والروح، والوجه المشترك للملائكة والعلماء هو مقام تجرد الروح.

وقال حول (الكمال العملي) أيضاً في تأييد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ( فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) .

في هذه الآية إذا كان هناك توقف على صالح المؤمنين، أو لم يكن فان معنىً جامعاً يستفاد من هذه الآية، وهو ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت ولاية الله ، والصالحون من المؤمنين أولياؤه، الملائكة أيضاً ظهيره، وهذا عمل صالح يصدر من مؤمن صالح. في مثل هذه الحالات يذكر المؤمنين الصالحين قبل الملائكة أحياناً، وأحياناً يذكر الملائكة قبل العلماء، فحين الكلام عن علم التوحيد ذكرت الملائكة قبل العلماء (والملائكة وأولوا العلم) ولكن حين يوجد، العمل الصالح بالإضافة إلى العلم، أو تذكر مساندة الرسالة، وبعبارة أخرى حين يوجد المقام العملي بالإضافة إلى المقام العلمي، هنا تذكر الملائكة بعد المؤمنين، لأن هذه المجموعة من المؤمنين هي معلّمة الملائكة، والمعلم له مقام أفضل، لذا يذكر المتعلم بعد المعلم، قال تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ2. هنا أيضاً جهة جامعة بين الملائكة والناس الصالحين، وتلك الجهة الجامعة بين المؤمنين الصالحين (ومثالها الكامل هم العترة عليهم السلام) والملائكة، هي الروح المجردة، لا الروح بالإضافة إلى الجسم ولا خصوص الجسم، وهذان نموذجان أحدهما في مسألة (الكمال العلمي) والآخر (الكمال العملي)، ان الملائكة والناس متساويان، والمقصود من الناس أيضاً، تلك الكمالات الروحية والمجردات العقلية.

الملائكة منزهة عن الذكورة والأنوثة
يطرح القرآن الكريم أحياناً كلاماً عن أنوثة الملائكة، ولكن هذا كلام بلغة الآخرين، في سورة النساء يقول: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا 3.

هذا ليس بمعنى ان الملائكة مؤنثة، ان قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا، أولاً. وثانياً، انهم يرون الملائكة واسطة في الفيض بشكل مستقل، ثالثاً، من أثر تصور الاستقلال قاموا بعبادة الملائكة، رابعاً، هذه هي دسيسة ووسوسة شيطان، لذا ذكر حصرين إلى جانب بعضهما البعض وقال ان يدعون من دونه إلا إناثاً وان يدعون إلا شيطاناً مريداً ويدل هذان الحصران على انهما في طول بعضهما لا في العرض؛ لأنه لا يمكن القبول بحصرين في عرض بعضهما البعض قال: إن هؤلاء يعبدون ويدعون إناثاً فقط. بعد ذلك قال: إن هؤلاء يريدون ويدعون الشيطان فقط أي ان توهم أنوثة الملائكة مثل توهم شفاعة الملائكة، وتوهم تأثير عبادة الملائكة، كل هذه الثلاثة هي من شيطنة الشيطان (وان يدعون إلا شيطانا)، وهذا الشيطان هو مريد أيضاً، أي هو متمرد ومارد، ولأنه متمرد على الحق لذا تكون وساوسه باطلة أيضاً. فعندما ذكرت الملائكة بصفة إناث في القرآن الكريم، أوضح إلى جانبه فوراً توهم وسوسة الشيطان، وعندما ذكر الملائكة بصفة إناث في آية أخرى أيضاً ، وذلك بصفة فرض حين قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى 4.
﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ 5.

إن هذا ليس معنى ان الملائكة إناث وأعطيتم الإناث إلى الله، وتحبون الذكور لأنفسكم بل هو على أساس الفرض والتسليم. فحين قال أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى هذا لا يعني صحة انوثة الملائكة ، بل هو بصفة فرض وتقدير ؛ لأن القرآن الكريم أبطل صريحاً مسألة أنوثة الملائكة في آيات كثيرة: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ 6.

وفي آية أخرى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ7.

فهو يشجب كلتا المسألتين، أي ان الله تعالى يقول: انه لم يخلق الملائكة إناثاً، كما ان أولئك لم يكونوا شاهدين خلق الملائكة أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا والذين وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا هم يظنون ذلك. ثم يقول تعالى: إن جعلهم هذا هو ظن نشأ من أثر إنكار المعاد والربوبية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى 8.

بعض الاوصاف العلمية للملائكة
من بين الأوصاف العلمية للملائكة هي انه كما ان الملائكة شاهدون بوحدانية الله، كذلك هم شاهدون برسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لذا نقرأ في القرآن الكريم: ﴿لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ 9.

وهذه الصفة العالية أي الشهادة برسالة خاتم الأنبياء ثابتة للناس أيضاً. قال تعالى في نهاية سورة الرعد: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ 10. وجملة (من عنده علم الكتاب) طبقت على أمير المؤمنين عليه السلام.

بناء على هذا، فان الإنسان يشهد بالشيء الذي يشهد به الملائكة.

وجميع المكلفين، نساء ورجالاً يشهدون بوحدانية الله تعالى ورسالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في جميع الصلوات وآذان وإقامة الصلوات. هذه الشهادة بالرسالةفي مدخل الصلاة باسم (الآذان والإقامة) وفي (التشهد) هي الطريق العلمي للملائكة.

التولي والتبري
من الأوصاف العلمية للملائكة: (التولي والتبري).... قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ .

ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 11.

الله سبحانه يصلي على النبي، وكذلك الملائكة يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك المؤمنون نساءً ورجالاً مكلفون بالصلاة على النبي، في الصلاة وغير الصلاة.

بناء على هذا فان الصلاة والتسليم وهما عمل الملائكة، موضع أمر الناس أيضاً. ان شهادة الملائكة بوحدانية الله والرسالة هو أمر علمي والصلاة أمر عملي، فالناس يشاركون الملائكة في أمر علمي وأمر عملي أيضاً.

وكما ان التبري إلى جانب التولي يعد من فرائضنا الدينية ، وكما ان الصلاة والصوم واجبان ، فإن تولي أولياء الله والتبري من أعداء الله واجبان على جميع المكلفين ، وكما أن الملائكة لهم تولٍ كذلك لهم تبري، وفي مسألة تبري الملائكة قال القرآن الكريم: ﴿انَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين12.

وكلمة (ناس) في الآية لا تختص بالرجل، لعنة الناس على الكافرين، كذلك لعنة الملائكة على الكافرين.

الملائكة سفراء الله
ان مجموع الأوصاف العلمية التي يعود بعضها إلى الشهادة بالوحدانية وبعضها إلى الشهادة بالرسالة، والأوصاف العملية التي يعود بعضها إلى التولي وبعضها إلى التبري أصبحت عاملاً لأن يطرح الملائكة بصفة سفراء كرام الله، قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ 13.

أي أن كتاب دعوتي هذا وصلكم بواسطة سفرة كرام، أي انه تعالى لم يرسل سفيراً صغيراً، بل سفيراً مكرماً، وقال: فيها كتب قيمة، صحف مطهرة وقيمة﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ، أرسل بواسطة الملك المكرم، رسالة كرامة، ولذا أصبح الإنسان كريماً: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ 14.

كرامة الملائكة
التعبير في القرآن الكريم عن الملائكة هو انهم عباد مكرمون: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 15 نفس التعبير عن العباد الصالحين في سورة الفرقان، موجودة بشأن الملائكة في هذا الجزء من القرآن، في سورة الفرقان يذكر العباد الصالحين بصفة عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا 16.

كلمة (عباد الرحمن) هذه من أبرز الأوصاف التي اختارها الله للناس الشرفاء، ونفس هذا اللقب الشريف اطلقه على الملائكة وقال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا.

عباد الرحمن ليسوا رجالاً ولا إناثاً، الملائكة هم عباد الرحمن كما ان سائر الناس الصالحين هم عباد الرحم . لذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى* وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا17.

إن كلام الذين يقولون بأنوثة الملائكة ليس علمياً، بل قائم على الظن، والمظنة لا تفيد في الرؤية الكونية والمسائل الاساسية ولا تحل محل العلم. يمكن ان يكون دليل الحجية في المسائل العملية والفرعية مظنة، تحل المظنة مكان العلم، وتعمل المظنة عمل اليقين، ولكن لا تستطيع المظنة ان تفعل شيئاً في الرؤية الكونية والمسائل الأساسية.

خلاصة البحث
أ ـ ان الله تعالى مدح الناس بالكرامة التي هي صفة الملائكة ودعاهم إلى تلك الكرامة ، وهذا دليل على ان ما بينه الله في القرآن بشأن الملائكة قرره أيضاً للناس الصالحين ـ سواء كانت كمالات علمية أو كمالات عملية.

ب ـ الملائكة لا هم مذكر ولا مؤنث، فالذي يسلك طريق الملك لا هو مذكر ولا مؤنث، والإنسان هو الذي يسير في طريق الملائكة والإنسان لا هو رجل ولا امراة، لأن إنسانية الإنسان هي بروحه. والروح منزهة عن الذكورة ومبرئة من الأنوثة.

ج ـ الذين كان لديهم توهم أنوثة الملائكة ، قال تعالى ان توهمهم ناشىء من عدم الإيمان، لأنه لم يخلق الله الملائكة إناثاً ولم يكن أولئك شاهدين خلق الملائكة.

*جمال المرأة وجلالها،الشيخ جوادي آملي،دار الهادي،بيروت ـ لبنان ،ط1 1415هـ ـ1994م،ص81ـ93.


1- آل عمران: 18.
2-التحريم: 4.
3- النساء : 117.
4- النجم : 21.
5- الزخرف: 16.
6- الصافات: 150.
7- الزخرف: 19.
8- النجم: 27.
9- النساء: 166
10- الرعد: 43.
11- الاحزاب: 56.
12- البقرة: 16.
13 عبس: 15 ـ 16.
14- الاسراء: 70.
15-الأنبياء: 26 ـ 27.
16- الفرقان: 63.
17 النجم: 27 ـ 28.

02-01-2010 عدد القراءات 10363



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا