16 آب 2022 م الموافق لـ 18 محرم 1444 هـ
En FR

المرأة :: المرأة في القرآن والسنة

المرأة في البرهان



عدم الفرق بين المرأة والرجل بنظر البرهان 1
من حيث المسائل العقلية ليس هناك فرق بين المرأة والرجل في أصل الكمال، طبعاً يمكن ان لا تنال المرأة القمة التي وصلها رجل مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن هناك رجال كثيرون حتى أنبياء ومرسلون وأولياء وأوصياء كثيرون لم يصلوا ذلك المقام أيضاً، هذا ليس لأن المرأة لكونها امرأة لا تصل إلى ذلك المقام، بل من أجل أن ذلك المقام يكون من نصيب قليل من الناس الكاملين، لذا لم يصل كثير من الرجال إلى تلك الدرجة، بناء على هذا فانه باستنثاء مقام الإنسان الكامل الذي هو أمر منفصل، ليس هناك فرق بين المرأة والرجل في الكمالات المترقبة2.

الذكورة والأنوثة ليست فصلاً مقوّما
دليل هذه المسألة حسب ما ورد في الكتب العقلية، وكما ذكره ابن سينا في الشفاء وذكره تلميذه بهنميار في التحصيل، هو أنهم يعتبرون الناطق فصلاً في الكتب العقلية من حيث كشف الحد ومعرفة الرسم ومعرفة الذاتي والعرضي، طبعاً ليس فصلاً منطقياً بل من لوازم الفصل، كما أن المقصود من الناطق ليس النطق الظاهري ولا النطق الباطني، بل المقصود هي النفس الناطقة، وهذا النطق يشتق من النفس الناطقة، يعتبرون الناطق فصلاً مقوماً للإنسان، أما الأنوثة والذكورة فيعتبرونهما مصنفاً، وليس مقوماً، ولذا حين يقسمون الفصول إلى فصل قريب واقرب، بعيد وأبعد ليس هناك كلام عن الذكورة والأنوثة، على هذا، عندما تكمل الذات، أي إنسانية الإنسان ويصل إلى نصابه عند ذلك تطرح مسألة الذكورة والأنوثة، وتشخيص الذاتي والعرضي وعلاماتهما يحصل عن هذا الطريق. هذا قسم من البحث تتولاه الكتب العقلية.

عدم تأثير الذكورة والأنوثة في فعلية الإنسان
وقسم آخر من البحث ذكر في الفرق بين الجنس والمادة، قيل: إن الذكورة والأنوثة تعودان إلى المادة لا إلى الصورة، ولأن صورة كل شيء تشكل شيئيته فالذكورة والأنوثة للأشياء ليست دخيلة في فعلية وشيئية الأشياء وتوضيح المسألة هو أنه إذا أردنا معرفة كائن بفعليته، فان صورته تبين فعليته وتبين لنا حقيقته، ولكن لأن مادته مشتركة ويمكن ان تظهر بصورة أخرى أيضاً. فهي ليست علامة حقيقته، التراب هو مادة لصور متنوعة، يمكن ان يظهر بصورة شجرة أو بصورة معدن أو فواكه متنوعة أو حبوب وأحجار مختلفة أو بصورة إنسان أو حيوانات، وما لم تظهر في صورة من الصور لا تحصل على فعلية خاصة، وليس المقصود من الصورة هو الهيكل لأن ذلك عرضي بل المقصود هي الفعلية الجوهرية التي تؤمن حقيقة الشيء وتعود إلى كيفية وجوده من ناحية.

يقول أهل الحكمة: ان الذكورة والأنوثة هي من شؤون مادة الشيء وليس من شؤون صورته، أي ليس لها دور في قسم الصورة والفعلية، ولها دور في قسم المادة فقط، عندما يذكرون الفرق بين الجنس والمادة. يقولون: إن المادة لها أصناف، بعض تلك الأصناف مذكر وبعضها مؤنث، وعلامة الذكورة والأنوثة تعود إلى المادة وليس الصورة، لهذا لا يختص هذان الصنفان بالإنسان، بل يوجدان في الحيوان أيضاً وكذلك في النباتات. والشيء الذي تتمتع به الكائنات التي هي أقل من الإنسان واضح انه لا يعود إلى صورة إنسانية، لأنه لو كان يعود إلى صورة الإنسان لما كان يتمتع به الكائن الذي هو أقل من الإنسان. قبل مرتبة الإنسانية هناك مرتبة الحيوانية التي لها ذكورة وأنوثة أيضاً وقبل الحيوانية هناك مرتبة النباتية التي تطرح فيها مرتبة الذكورة والأنوثة أيضاً، لو كانت الذكورة والأنوثة تدخل في قسم الصورة وجزء من فعلية الإنسان لما كانت توجد في كائنات أقل من مستوى الإنسان، ولانها توجد في مستوى أقل من الإنسان، يتضح أنها مرتبطة بمادته وليس بصورته.

كما ان الحيوانات إذا أرادت ان يكون لها كمالات فان كمال الحيوانات ليس في ذكورتها وأنوثتها، كل حيوان له نفس وكمالاته متعلقة بها إن ذكورة أو أنوثة الحيوان يمكن أن يكون لها تأثير في قواه البدنية، ولكن هذه القوى البدنية ليست كمالات حيوانية.الكمالات الحيوانية هي في الأوصاف والخلقيات الخاصة بنفس الحيوان، والأنوثة والذكورة موجودة في كائنات أقل من الحيوان، لأنها تعود إلى المادة، أي أنها موجودة في درجة النباتات أيضاً. جاء في القرآن: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونََ 3.

كان هذان نموذجين من المسائل العقلية. ولكن لأن القرآن الكريم هو جذر هذه المعارف يجب أن يؤيدها. حين يمدح القرآن الكريم الروح ويعرفها، يقول بانها من أمر الله ويسندها إلى الله، والشيء الذي له إضافة تشريعية إلى الله وهو من عالم الحق، ومفصول عن عالم الخلق، وهو نشأة أخرى، يكون منزهاً عن الذكورة والأنوثة.

خلق الأرواح قبل الأجساد
قلنا ان الذكورة والأنوثة تعود إلى المادة لا إلى الصورة وهي جزء من المصنفات وليس المقومات، الآن سيثبت بالشواهد القرآنية ان الروح لا هي مذكر ولا هي مؤنث.

الآيات القرآنية التي تتكلم عن روح الإنسان عدة طوائف، بعض الآيات تبين ان الروح كانت موجودة ثم تعلقت بالبدن، مثل الآيات التي وردت في خلق آدم أبي البشر عليه السلام. قال تعالى: ﴿ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ 4.

هذا دليل على أن الروح كانت موجودة سابقاً وبعد أن وصل البدن إلى نصابه الخاص تعلقت تلك الروح بهذا البدن طبعاً هناك كلام كثير في تعلق موجود مجرد بموجود مادي، وحدوث نوع حقيقي، وحسب تعبير المرحوم صدر المتألهين إن هذه المسألة هي من أصعب المسائل الفلسفية في كيف ينسجم موجود مجرد وموجود مادي وينتج نوع حقيقي فقسم من الآيات القرآنية تدل على أن الروح كانت موجودة سابقاً ثم تعلقت بالبدن وحصلت على إضافة وإفاضة إشراقية، والروايات التي وردت في هذا المجال من أنه: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام 5.

تؤيد هذا القسم من الآيات.

الروح جسمانية الحدوث
وهناك طائفة أخرى من الآيات تبين أن الروح تظهر من نشأة الطبيعة والبدن وتنهض أي أن هذا الموجود المادي الذي عبر مراحل وأطواراً يصل إلى مرحلة الروح، وهذه الطائفة من الآيات تؤيد كون الروح جسمانية الحدوث وروحانية البقاء. في سورة المؤمنون يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ* أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ 6.

أي ان الله تعالى بدل ذلك الموجود إلى شيء آخر، فقوله (ثم أنشأناه خلقاً آخر) أي ليس من سنخ السابقين، ليس من سنخ التحولات المادية وتطورات المادة وإلا لما قال: (خلقاً آخر) لو كان أمراً مادياً ولو كان قابلاً للشرح والتبيين، ولو كان في متناول العلوم التجريبية لما قال (ثم أنشأناه خلقاً آخر) أي أوجدنا شيئاً آخر﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ7.

في التفسير الترتيبي أشير ضمن البحث إلى ان الآية المباركة ( فتبارك الله أحسن الخالقين) هي من الآيات القرآنية المليئة بالمضمون، لأن الإنسان هو (أحسن المخلوقين)، فالله تعالى هو (أحسن الخالقين). بعد خلق هذه المجموعة قال الله سبحانه: إنه أحسن الخالقين. عندما نحلل نرى أن الإنسان له بدن مرّ بمراحل تطور مرت بها حيوانات أخرى، إي إذا كان الكلام هو عن النطفة والعلقة والمضغة والعظام و (فكسونا العظام لحماً) وتكون الجنين، فهذه المراحل موجودة لدى الحيوانات الأخرى أيضاً، في حين أن الله تعالى لم يقل بشأنها (فتبارك الله أحسن الخالقين).وإذا فالكلام هو عن الروح، فالملائكة لديهم الروح في كمال العصمة والطهارة، ولكن لم يقل بعد خلق الملائكة (فتبارك الله أحسن الخالقين)، إذن كون الله تعالى أحسن الخالقين الذي يستلزم كون عمل الله لأحسن المخلوقين لا يتعلق ببدن الإنسان ولا يتعلق بروحه، لأن هذه التطورات البدنية في الإنسان موجودة لدى الحيوانات الأخرى أيضاً، والروح المجردة في الإنسان تتمتع الملائكة بها أيضاً. ما هو مهم هو أن يهبط ذلك الموجود المجرد بدون تجافي وينسجم معه هذا الموجود المادي ويصبح الاثنان معجوناً واحداً باسم (الإنسان). وهذا الإنسان بتمتعه بالعقل والعلم وتعرضه لهذه العقبات وقطاع الطريق الكثيرين التي تنشأ من نشأة (التراب) و (الطين) و (حمأ مسنون) و (طين لازب) و (صلصال كالفخار ) يعبر هذه العقبات الصعاب ويصبح معلم الملائكة، هذا الإنسان هو أحسن المخلوقين ويعمل عملاً لا يستطيعه أي مخلوق، لذا يقول الله تعالى بعد خلق مثل هذا المخلوق: (فتبارك الله أحسن الخالقين).

طبعاً الناس الذين لديهم إخلاد إلى الأرض مع امتلاك هذه الثروات الثمينة، ﴿أولئك كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ 8. والله تعالى لم يمدح نفسه بوصفه (أحسن الخالقين) من أجل خلق أولئك، كما ان الذين لهم قلوب ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً9، لم يقل بشأن خلقهم (فتبارك الله أحسن الخالقين) بل أولئك الذين هم مصداق﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ 10 يتمتعون بهذه المزايا.
ان الآية المباركة من سورة المؤمنون تبين ان الروح نهضت من نشأة الطبيعة، لأن الله تعالى قال إنه أخرج هذا الإنسان وهذا الجنين إلى خلق آخر، وأعطاه صورة أخرى، وطبعاً كل تطور يتطلب محركاً، وكل حركة لها محرك، وليس ممكناً أن يكمل الشيء الناقص بشكل تلقائي، نفس الحركة هي كمال أول والهدف كمال ثانٍ، فلو أراد موجود ناقص أن يتحرك فانه يتطلب محركاً، وإذا أراد ان ينال هدفاً يتطلب مبدأ غائياً خاصاً يعطيه هذا الكمال.

حدوث الروح بعد خلق الجسم
في سورة آل عمران المباركة ورد شبيه لهذا التعبير، أي أن التعبير الموجود في سورة المؤمنون يتعلق حسب الظاهر بنسل آدم، ولكن في سورة آل عمران ورد شبيه هذا التعبير في مسألة آدم نفسه، أي ان آدم وابناءه متساوون في هذه الناحية، حيث تتكامل في البداية مراحل بناء أبدانهم، ثم تتبدل تلك المرحلة إلى مرحلة الروحانية. قال تعالى:


﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ 11.

الافراطيون والتفريطيون لديهم رأيان متضادان بشأن المسيح عليه السلام، وهذه الآية يمكن ان تكون جواباً عليهما رغم ان شأن نزولها هو الرد على الإفراطيين، الذين قالوا بالألوهية أو التثليث أو أنه ابن الله، وقد أجاب الله بالجدال الأحسن حيث ذكر تعالى ان العمل الذي قام به بشأن آدم لم يقم به في شأن عيسى لأن عيسى كانت له أم، ولكن آدم عليه السلام لم تكن له أم ولا أب. فلماذا لم يقولوا كلاماً فارغاً بشأن آدم عليه السلام، ولم يقولوا انه ابن الله، وقالوه بشأن المسيح؟ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ.

أي أن خلق آدم كان في مرحلتين، مرحلة تعود إلى التراب، ومرحلة إلى (كن فيكون)، المرحلة التي تعود إلى التراب يمكن ان تكون ذات زمان طويل المدة أو قصير المدة أما بعد التحول والتطور إلى مقام الروحانية التي هي مرحلة التجرد، عند ذلك ليس للزمان دور في ذلك فليست ذات زمان، وتسمى هذه المرحلة بـ (كن فيكون). قال تعالى: إنه خلق آدم من تراب، أي أن بناء بدنه شرع من التراب، ثم قال لآدم (كن فيكون) أي ان التعبير (كن فيكون) هو حين إفاضة الروح، هذا التعبير يفسره ما ورد في نهج البلاغة من ان كلام الله ليس حروفاً: يقول لمن أراد كونه، كن، فيكون، لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله 12 كلام الله فعل، لذا جميع العالم الذي هو عمل الله، هو كلمات إلهية، عندما يريد الله تعالى أن يأمر السحاب بالمطر يمطرها، لا ان يقول: أمطري، كلمة (كن فيكون)، هي عبارة عن (الايجاد والوجود).

على أساس هذا الكلام، فان الروح رغم انها حسب ظاهر الآيات من القسم الثاني، وأن لها سابقة مادية، ولكن في الدهليز الانتقالي من نشأة المادة إلى التجرد تبعد عنها العلامات المادية، وعندما لا تكون معها علامات مادية، عند ذلك لا مجال للكلام عن الذكورة والأنوثة، يمكن ان يكون البدن مذكراً أو مؤنثاً، من أجل الوصول إلى نصابه، ولكن عندما يصل في ظل الحركة الجوهرية إلى مقام الدخول إلى مرحلة الوجود الرفيعة ـ طبعاً بنحو التجلي وليس بنحو التجافي عند ذلك ليس الكلام عن الذكورة والأنوثة، رغم ان إدراك انخفاض الروح إلى عالم الطبيعة والانسجام مع الموجود الطبيعي من جهة وارتقاء هذه المجموعة إلى مقام (النفس) ليس أمراً سهلاً.

الحركة الجوهرية وعلاقة الروح بالبدن
إن مسألة الوجود وارتباط هذه الدرجات والحركة الجوهرية وان جوهر الذات يتحرك في مسير هذه الوجودات. يمكن أن يبيّن إلى حد ما مسألة جسمانية حدوث الروح وروحانية بقائها، حيث ورد في قسم من روايات المعاد أنه بنزول المطر يذهب البدن إلى الروح، وقد كان لدى بعض علماء الحكمة قاعدة خاصة في طرح مسألة المعاد الجسماني استناداً لذلك الحديث.

على أي حال بالنظر لأن للوجود درجات، وهذه الدرجات تكون بلا طفرة وبعض الدرجات مادية، وبعضها برزخية، وبعضها مجردة تامة، والحركة هي في متن هذا الوجود، أي في متن الوجود وليس الماهية، على هذا فالشيء الذي يريد الوصول من مرحلة المادة إلى مرحلة الروحانية والتجرد، يجب أن يسير في مسير الوجود بالتدقيق في هذا المعنى قد يمكن تعقل مسألة (ثم أنشأناه خلقاً آخر) بمقدار أسهل. في هذه الآية لم يقل تعالى إنه أعطاه شيئاً آخر، قال: إنه أبدله إلى شيء آخر. هذا التعبير في شأن آدم وكذلك في شأن نسل آدم في هذا التبديل الجديد، ليس الكلام على الذكورة والانوثة، لأنه إذا كان هذا الانتقال بنحو التجافي أو شبيهاً بالتبدلات الفسادية والمادية، لكان يمكن القول: بالنظر لأن هذا البدن خلق هكذا ثم أصبح بصورة مجردة، فان روح المرأة والرجل تختلف قطعاً، ولكن ليس الأمر هكذا، الكلام ليس عن حركة مادية وزمانية، كما أن الكلام ليس عن حركة كمية وكيفية، وان بدن (المرأة) يتحرك ويصل إلى مقام الروح. وبدن (الرجل) يتحرك ويصل إلى مقام الروح. ( الذكورة والأنوثة) في حركة، بل إن جوهر وجود هذا الشيء الذي لديه طريق في متن هذه الحركة، وجوهر الوجود ليس مذكراً ولا مؤنثاً، متحرك وجود هذا الشيء ليس مادته ولا صورته ولا أوصافه ولا مسائله الماهوية وأوصافه وعوارضه، وجوهر الشيء لا مذكر ولا مؤنث بناء على هذا لا يكون هناك فرق بين المرأة والرجل في مرحلة ثم انشأناه خلقاً آخر.

الروح، كل حقيقة الإنسان
إذا كانت مسألة الذكورة والأنوثة ذكرت جزء من الصنف في الكتب العقلية وليس فصلاً وربطوها بحريم المادة لا بحدود الصورة يمكن أيضاً ذكر شواهد قرآنية لذلك، حيث ان الروح اعتبرت مجردة في القرآن الكريم، وان الله تعالى يتوفى كل الروح عندما يموت الإنسان 13، وإذا فقد الإنسان البدن فإن كل حقيقته تبقى محفوظة، ونتيجة هذا الكلام هي أن البدن ليس عين الذات ولا جزء من الذات ولا من لوازم الذات، بل هو أداة الذات، ورغم ان الإنسان لديه بدن سواء في الدنيا أو في البرزخ أو في القيامة، ولكن البدن في كل هذه المراحل الثلاث هو أداة عمل. دليل هذا الكلام هو تحليل آيات الشهادة، قال تعالى في آيات الشهادة: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء 14.


هذا الحي هو الشهيد الذي وقع بدنه في ميدان القتال، وقوله تعالى بانه حي هل يعني أنه حي مع البدن؟ هل البدن هو كل الحقيقة أم جزء من الحقيقة أو من لوازم الحقيقة؟ إنه حي بدون البدن والبدن لم يكن أكثر من أداة عملية، فإذا لم يصبح مفيداً، يختار بدناً آخر، وعلى أي حال هو حي. وقال تعالى في آية أخرى: َ﴿لاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء15.

لأنهم أحياء بدون بدن، وفي الجواب على أولئك الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ 16.

قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمَْ 17.

إن روح الإنسان تشكل كل حقيقته بدلالة آيات الشهادة وأمثالها ولهذا السبب يقول إن الشهيد كالحي. أو بدلالة أمثال هذه الآية الشريفة: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 18.

وهنا الإنسان حيّ مع أنه فقد بدنه الطبيعي.

امتياز المرأة والرجل حسب العلل والعوامل الداخلية والخارجية
البرهان العقلي يقدم على ان امتياز شيئين مختلفين ومتمايزين هو إما حسب علل وعوامل خارجية أو طبق علل وعوامل داخلية. وإذا لم يكن هناك أي تمايز بين هذين الأمرين من حيث العلل الخارجية والعوامل الداخلية، فإن هذين الأمرين، يكونان صنفين من نوع واحد، أو فردين من صنف واحد، ولكن لا يكونان أبداً نوعين من جنس واحد، لأنهما في هذه الحالة يحصلان على اختلاف جوهري. إن المبدأ الفعلي والغائي للناس سواء النساء أو الرجال هو واحد، والدين الذي جاء لتربيتهم هو واحد لكلا الصنفين، والجزاء الذي هو نتيجة العمل، هو أصل واحد لكليهما هذا الأمر، أي نفي التمايز الخارجي، يقع موضع استشهاد المعصومين عليهم السلام في كثير من المسائل. فقد جاء في الرواية: إن الربّ واحد والأب واحد وإن الدين واحد 19.

أي ان العرق ليس عامل اختلاف، والقومية والزمان واللغة لا تهيىء أرضية امتياز، حيث يستشهد في هذه الرواية بتساوي العلل والعوامل الخارجية ويقول : بما أن الرب واحد ورجوع الجميع إلى مرجع واحد وجزاء الجميع هو في مقابل العمل فالأقوام والشعوب لا تختلف.

وأما في مسألة العلل والعوامل الداخلية فقد أشير أيضاً إلى أنه يمكن ان تكون هناك اختلافات ضئيلة بين المرأة والرجل ولكن في النهاية جبرت، وإذا كان هناك اختلاف بين المرأة والرجل في قسم من الأجهزة المخية، لكن هذا الاختلاف ليس دليلاً على أنهما مختلفان في جميع الفضائل. طبعاً لعله من اللازم لبعض الأوصاف النفسانية وجود مقدمات وأداة في مخ الرجل، ولنيل بعض الكمالات الإنسانية الأخرى من اللازم ان توجد أداة في جهاز مخ المرأة.

بناء على هذا إذا بحث شخص العلاقة بين جميع الفضائل النفسانية وذرات المادة واتضح له بشكل كامل أي قسم من تلك الأقسام المخية لازم للوصول إلى الفضيلة الفلانية، عند ذلك يستطيع أن يدّعي، أنه نظراً لوجود اختلاف بين جهاز مخ المرأة والرجل، ونيل الكمالات ليس متساويا فيهما، ففي النتيجة يكون مقام المرأة أقل من مقام الرجل، في حين أن إقامة هذا الدليل صعب، وهذا الادعاء بدون دليل ليس قابلاً للقبول.

طبعاً هناك نوع اختلاف في جهاز مخ المرأة، ولكن هل أن جميع الفضائل النفسانية والكمالات الروحية تتوزع على أساس هذه الاختلافات المخية، أم لا؟ هذا يلزمه فحص وتخصص آخر. قد يلزم لقسم آخر من الكمالات ذلك المقدار من الذرات التي لدى المرأة وليس الرجل، فإن نسبة قبول الموعظة لدى المرأة أعلى منها لدى الرجل وقطع طريق القلب أسهل لدى المرأة. وبناء على أنه ليس هناك اختلاف من حيث العلل والعوامل الداخلية أو ان الحكم بالاختلافات صعب، لا يمكن القول: إن للرجل فضيلة على المرأة.

طبعاً ان البحث هو حول الرجل في مقابل المرأة والمرأة في مقابل الرجل وليس المرأة في مقابل الزوج، وبعض الاختلاف والأوامر والآيات أيضاً من قبيل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء 20 أو ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ 21.

تتولى بيان مقام المرأة في مقابل الزوج. حيث نلاحظ أحياناً أن للمرأة افضلية على الرجل، مثل الأم بالنسبة إلى الابن الذي يجب عليه إطاعة أوامرها، وعقوقها معصية، وهذه المسائل الداخلية والعائلية لا تدخل بحساب ذلك البحث العام، لأن البحث العام هو بشأن المرأة في مقابل الرجل، والاختلافات النسبية والأحكام الخاصة تتعلق بداخل الأسرة، وأحياناً يكون للرجل فضيلة على المرأة أيضاً، وأحياناً لا يختلفان مثل الأخ والأخت.

إذا لم تختلف العلل والعوامل الخارجية في هذا المجال فليس هناك طريق لتمايز هذين الصنفين، هناك شواهد كما يستفاد من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام تقوم على أن بني إسحاق وبني إسماعيل متساوون، عندما دخل شخص على أمير المؤمنين عليه السلام وقال اعطني عطاء أكثر، فرفع الإمام طبق ما نقله صاحب الغارات 22 مقداراً من التراب من الأرض وقال بأن جميع الناس هم من التراب وليس في التراب تمايز واختلاف. ثم قال في قسم آخر بأن القرآن الكريم لم يفرق بين بني إسحاق وبني إسماعيل، لم يفرق القرآن بين الذين هم من أبناء إسحاق وولدوا من أم حرّة. وبين الذين هم أبناء إسماعيل وولدوا من أم أمة.

يتضح من هذه الآية ان العلل والعوامل الخارجية ليس لها دور فمن حيث العلل والعوامل الخارجية ليس هناك فرق بين المرأة والرجل والمهم ان يكون هناك اختلاف بينهما في العلل والعوامل الداخلية، واثبات ذلك صعب أيضاً.

على أي حال فان البحث يقع في محور الروح وليس الجسم والعوامل الخارجية، ومن هنا يتضح خطأ الذين أقاموا شواهد من أجل المساواة المادية بين المرأة والرجل، وكذلك الذين أرادوا أن يطرحوا المسائل في حد الإختلاف، فأولئك استعانوا بشواهد مادية أيضاً، في حين أن البحث ليس في محور المادة والبدن بل هو في محور الروح التي هي منزهة عن الذكورة والأنوثة، والروح سواء على أساس قاعدة الافلاطونيين أوعلى أساس قاعدة الأرسطوئيين أو على أساس الحكمة المتعالية فمن الواضح أن روح المرأة والرجل لا تختلف من هذه الناحية. طبعاً هناك بين الرجال أشخاص كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تصل امرأة إلى مقامه، وحتى أنوار أهل البيت أيضاً الذين هم نور واحد في ذلك العالم لم يصل شخص منهم إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس هذا لأن الرجل هو أعلى من المرأة، إذ لم يصل إلى هذا المقام حتى الأنبياء والمرسلون. ويجب الالتفات إلى أن هذا البحث هو بحث علمي محض وليس له أية ثمرة عملية، لأنه ليس هناك شخص يتوقع نيل هذا المقام الرفيع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. في مجتمع المرأة والرجل لا يمكن القول: إن الرجل لديه مقام لا تناله المرأة، هل يمكن القول: إن كمالاً من الكمالات النفسانية ممكن للرجال وليس ممكناً للنساء؟ إن ادعاء هذه المسائل ليس قابلاً للإثبات أبداً.

*جمال المرأة وجلالها، الشيخ جوادي آملي، دار الهادي، بيروت لبنان، ط1 1415هـ ـ1994م، ص247ـ271.


1-إلهيات الشّفاء، المقالة الخامسة، الفصل الرابع. وان بعض المطالب الواردة في المقالة العاشرة، الفصل الرابع، قابلة للتوجيه.
2- التحصيل، المقالة الرابعة، الفصل الرابع.
3-الذّاريات: 49.
4- ص: 71 ـ 72.
5- بحار الأنوار، ج 61، ص 132.
6- المؤمنون: 12 ـ 14.
7- المؤمنون: 14.
8- الأعراف: 179.
9- البقرة : 74.
10- ق: 37.
11- آل عمران: 59.
12- نهج البلاغة، الخطبة 186.
13- (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) سورة الزمر، الآية: 42.
14- آل عمران: 169.
15- البقرة : 154.
16- السجدة : 10.
17- السجدة : 11.
18- المؤمنون: 100.
19- معالم الحكومة، ص 404.
20- النساء: 34.
21- البقرة: 228.
22- الغارات، ج 1، ص 70.

18-11-2009 عدد القراءات 9098



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا