6 تموز 2022 م الموافق لـ 06 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: النظام والمجتمع

نقد النظام القضائي الغربي



لاريب ان العبارات البراقة التي يصف بها مناصرو الفكرة الرأسمالية، النظام القضائي الغربي وخصوصاً الامريكي ويوسمونه بالعدالة والنزاهة والقوة في الحكم بين المتخاصمين واحقاق الحق، ما هي الا عبارات يراد منها ايهام الناس بتكامل ذلك النظام القضائي حقيقة وواقعاً، وخداعهم بان قضاءً عظيماً كالقضاء الامريكي لابد وان يكون وليد حضارة عظيمة، كالحضارة الرأسمالية الغربية.

ولكن نظرة منصفة سريعة تبين لنا ان ذلك النظام القضائي بعيد عن التكامل والعدالة المزعومة. ولتوضيح القصد من قولنا هذا لابد من تبيين المؤخذات التي نؤاخذها على النظام القضائي الغربي وخصوصاً الامريكي في الموارد الآتية:

اولاً: يمنح النظام القضائي الغربي النائب العام صلاحية اختيار وانتقاء الجرائم التي يرى في ملاحقتها مصلحة اجتماعية 1. بمعنى ان للنائب العام سلطة اهمال جرائم معينة بحجة ان كشفها للرأي العام، وملاحقة المجرمين المتورطين في وقائعها ليس من المصلحة الاجتماعية. وهذا شرخ

خطير في العدالة القضائية. فاذا كان ادعاء النظام القضائي بان الانتقاء يرشح الجرائم الخطيرة ويوصلها الى اروقة المحاكم، فمن الذي يعين ودون مصلحة شخصية حدود الجرائم الخطيرة عن غيرها ؟ واذا كان النظام القضائي لا يستطيع معالجة جميع الجرائم، فاين العدالة في التمييز بين ضحايا الجرائم الصغيرة وضحايا الجرائم الكبيرة بدعوى ان النائب العام هو اعرف بالمصلحة الاجتماعية من غيره ؟ وهل هناك جرائم صالحة للمحاكمة واخرى غير صالحة ؟ أليس الانحراف اصلاً من الاصول الاجرامية التي تستحق عقوبة رادعة للجاني حتى يعيش المجتمع الانساني في امان وثقة بأن الحق سوف يرد حتماً فيما اذا اغتصب ؟

ثانياً: ان منصب النائب العام في النظام الرأسمالي الذي يمثل الدولة في الاعتقال، والاستجواب، والمحاكمة، واصدار العقوبة يشغل من قبل فرد يعينه رئيس الجهاز التنفيذي على مستوى المحاكم الفيدرالية، او يشغل عن طريق الانتخاب من قبل الناخبين على مستوى المحاكم المحلية 2. وليس هناك من سبب يدعو النظام الغربي الى تعيين ضابط من ضباط المحكمة وهو النائب العام على المستوى الفيدرالي، وانتخابه على المستوى المحلي، الا تثبيت سلطة الطبقة الرأسمالية الحاكمة، وذلك بمنح السلطة الفيدرالية قوة قضائية اعظم من قوة السلطة المحلية، والا لو كان المقياس العدالة القضائية فلماذا لا يتم انتخاب النائب العام الفيدرالي ايضاً كما تم انتخاب النائب العام المحلي ؟


ثالثاً: ويقف محامي الدفاع في القضية الجنائية الخطيرة موقفاً متناقضاً 3. ففي حالة تمثيله المتهم في العملية القضائية، فانه ينظر اولاً الى مساندة النظام القضائي حتى لو اوقعت تلك المساندة ضرراً على موكله. واذا كان المتهم جانياً في الواقع فكيف يحق له مساندة ذلك المتهم، والدفاع عن قضيته ضد المجني عليه ؟ أليس هذا مناقضاً لمفهوم العدالة الجنائية ؟ واذا كان محامي الدفاع يعلم علم اليقين ان الشاهد الواقف الى جانب الجاني يشهد شهادة كاذبة، فهل يحق لمحامي الدفاع ان يجد في اقناع المحكمة بتصديق تلك الشهادة ؟ بمعنى ان محامي الدفاع لو كان يعلم يقيناً ان موكله ارتكب الجريمة المتهم بها، ولكن وقائع الحادث والشهود لا تنهض بمرافعة عادلة، فهل من العدالة ان يقوم محامي الدفاع بالدفاع عن الجاني، وانقاذ رقبته من سيف العدالة ؟

رابعاً: اقناع محامي الدفاع للمتهم، بشتى الوسائل النفسية على الاقرار بالذنب. وهذه المساومة التي يحاول النائب العام بالتعاون مع محامي الدفاع ايقاع المتهم في شراكها قبل اجراء المحاكمة، تتناقض مع ابسط مفاهيم العدالة القانونية، وتعتبر من اكبر المظالم التي تدين النظام القضائي الرأسمالي في الولايات المتحدة 4. فيعتبر اقرار المتهم بالذنب حتى لو كان

المتهم بريئاً انتصاراً لمحامي الدفاع في اروقة المحكمة. بل ان الاقرار بالذنب غالباً ما يصمم وينظم من قبل محامي الدفاع، بحيث يكون مناسباً لمتطلبات النائب العام ومتناسباً مع المصلحة الاجتماعية ! ولاجل ذلك يستخدم محامي الدفاع شتى الاساليب النفسية لا نتزاع الاقرار بالذنب من المتهم، مستعملا الاساليب العاطفية السايكولوجية لكسر صمود المتهم، الى ان يضمن امضاءه على لائحة الاقرار بالذنب عن طريق الايحاء بان العقوبة ستخفف الى ادنى قدر يسمح به القانون. واذا كان المتهم جانياً في الواقع، وكانت الافادات والشهادات تثبت قيامه بارتكاب الجناية، فما معنى تخفيف عقوبته مقابل اقراره بالذنب. أليس هذا ظلماً واجحافاً بحق الضحية ؟ واذا كان المتهم بريئاً في واقع الامر، ولكن الافادات والشهادات لا تثبت براءته ولا تجريمه، أليس من الظلم اقناعه او اكراهه بالاقرار بالذنب مقابل تخفيف العقوبة الصادرة بحقه ؟ واذا كان المتهم البريء يقبل المساومة على الاقرار بالذنب لانه يخشى صرامة العقوبة الصادرة بحقه فيما اذا جرت المحاكمة أليس هذا شرخاً في عدالة النظام الرأسمالي ؟ واذا كان المفترض في محامي الدفاع نزاهته وتفانية في الدفاع عن موكله، فكيف يفسر النظام القضائي الرأسمالي لهث ذلك المحامي وراء اقناع موكله بالاقرار بالذنب بريئاً كان او جانياً أليس هذا مناقضاً لادعاءات النظام بأحقية المتهم في التمثيل القانوني العادل ؟ بل ما معنى التمثيل القانوني اذا كان لايصب في مصلحة المتهم البريء ؟ وما معنى التمثيل القانوني اذا كان يصب في مصلحة الجاني ضد المجني عليه ؟

خامساً: ان النظام القضائي الرأسمالي في الولايات المتحدة لا يطلب من القاضي ان يكون حقوقياً او قانونياً او حتى حاملاً لاية شهادة جامعية 5، لان الذي يقوم بتحضير مستلزمات القضية الجنائية هو النائب العام مستعيناً بجهاز الشرطة والاستخبارات. اما الذي يحكم في القضية الجنائية فهم اعضاء هيئة المحلفين بالاجماع. وما على الحاكم الا قراءة الحكم الصادر بصورة شفهية. بمعنى ان الحاكم او القاضي الرأسمالي هو مجرد اداري يشرف على سير المحاكمة الجنائية وصياغة ألفاظ الحكم، ولا يستطيع بحضور هيئة المحلفين ان ينشئ حكماً ضد المتهم، بل له فقط تحديد العقوبة او تعليقها. والاصل في النظام القضائي الغربي ان المحكمة جهاز اداري يفصل بين الخصومات على اساس النظر الشخصي لأعضاء هيئة المحلفين، او النظر الشخصي للحاكم 6 دون الاخذ بنظر الاعتبار درجة علمية هؤلاء الافراد بالقضايا القانونية والادارية. وهذه هفوة خطيرة اخرى في عدالة النظام القضائي الرأسمالي في الولايات المتحدة.

سادساً: ان الكفالة المالية التي اقرها الدستور الامريكي في التعديل الثامن، انما جاءت للتأكيد على ضمان اطلاق سراح المتهمين من افراد الطبقة الغنية لحين ورود موعد المحاكمة 7. اما افراد الطبقة الفقيرة، فليس لهم من يكفلهم، لان اقرانهم وذويهم لا يملكون المال الكافي لدفع الكفالة المالية،

فيبقى المتهمون في السجون فترة غير قصيرة، ينقطعون فيها عن الانتاج وإعاشة انفسهم وعوائلهم. والكفالة المالية اسلوب آخر من اساليب التمييز بين الفقراء والاغنياء، لان المال هنا يستثمر كخط احمر يفصل بين الحرية والانعتاق، والعبودية والتقييد. فالثري يخرج حراً مزاولاً عمله الانتاجي حتى يحين موعد المحاكمة، والفقير يخسر عمله وحريته حتى يحين وقت المحاكمة. واذا كان النظام القضائي الرأسمالي يزعم بعدالة نظامه، فاين هي العدالة بين الافراد في استخدام المال في كفالة المتهمين ؟

سابعاً
:
ان اختيار هيئة المحلفين من دفاتر الضريبة، دون النظر لعلمهم بالقضاء والحكم 8، لايزال محل نقد شديد. فكيف يستطيع اثنا عشر فرداً من عامة الناس الحكم على قضية جنائية تتعلق بالقتل او الغصب او السرقة ؟ بل كيف يجلس هؤلاء عملياً وقد يكون بعضهم لا يعرف القراءة ولا الكتابة مجلس القاضي في الحكم بين المتخاصمين، ويصدرون قراراتهم بتجريم المتهم او باعلان تبرئته ؟ اما الشروط التي تحدد انتقاء هؤلاء فهي لا تتعدى في الواقع الملكية الخاصة والقدرة العقلية العامة على الفهم الخارجي 9، وهل هذه الشروط العامة تنهض الى مقام القضاء الرفيع ؟ بل كيف يطمئن الفرد اذا اتهم وقدم الى المحاكمة بعدالة حكم هيئة المحلفين، التي يستند عليها القاضي في اصدار العقوبة بحق المتهم ؟ وبالتالي من يضمن

عدالة النظام القضائي بخصوص معاقبة الجاني وتعويض المجني عليه ؟

ثامناً: ان نظام العقوبات غير المحددة التي اقترحها اصلاحيو القرن الثامن عشر الميلادي امثال اينوخ ويانز و زبلون بروكوي وادعوا فيها ان عقوبة السجن ينبغي ان تصمم لمقابلة حاجة الجاني المرضية والنفسية والشخصية 10، بعيد كل البعد عن نظام العدالة القضائية. فكيف يستطيع قضاة النظام الرأسمالي تحقيق العدالة بين فردين ارتكبا نفس الجناية، ولكن احدهما عوقب بالسجن لمدة سنة واحدة، والآخر بالسجن لمدة عشر سنوات ؟ ومن الذي يحدد حاجة الجناة الشخصية للعقوبة ؟ ثم الا يعد اعطاء حق القضاء للطب النفساني ظلماً واجحافاً بالجاني والمجني عليه ؟ ثم الا يعد عدم معاقبة الجاني معاقبة صارمة اضعافاً لقوة النظام القضائي وقدرته على مكافحة الاجرام والانحراف ؟ اضف الى ذلك ان هذا النظام الاصلاحي المزعوم يسلب حق العقوبة من النظام القضائي، ويضعها بيد نظام آخر كالنظام الطبي النفساني، على افتراض ان علم النفس هو الذي يحدد حاجة الجاني للعقوبة، وهو اصلاح ينافي بالتأكيد كل معاني العدالة الاجتماعية والقضائية.

وفي الختام، فان اهتمامنا بدارسة ونقد الانظمة القضائية والاجتماعية الغربية ونحوها يعطينا فرصة عظيمة لاكتشاف النظرية القرآنية والاهتمام ببلورتها ومعرفة مواطن الكمال في بنائها العلوي. ولاشك ان النظرية الاجتماعية الاسلامية التي لاحظنا ملامحها في كتاب الله الخالد هي اكمل النظريات الاجتماعية وادقها على وجه الارض.

*النظرية الاجتماعية في القران الكريم، د:زهير الاعرجي، أمير_قم،ص272-278.


1- جوزيف سكوت و ترافيس هيرشي . قضايا مثيرة للجدل في الجريمة والعدالة. كاليفورنيا: سيك، 1988 م.
2- جارلس سلبرمان . العنف الجنائي والعدالة الجنائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1978 م.
3- جوزيف سكوت و ترافيس هيرشي . قضايا مثيرة للجدل في الجريمة والعدالة. كاليفورنيا: سيك، 1988 م.
4- جيمس كالفي و سوسان كو لمان . القوانين الامريكية والانظمة التشريعية. نيوجرسي: برنتس هول، 1989 م.
5- ابراهام بلوبرغ . العدالة الجنائية: القضايا والسخرية. نيويورك: فيوبوينت، 1979 م.
6- والترميرفي و هيرمان بريشت . المحاكم، القضاة، والسياسة: مقدمة في الاجراءات القضائية. نيويورك: راندوم هاوس، 1986 م.
7- ماكلين فليمنك . ثمن العدالة الواقعية التامة. نيويورك: الكتب الاساسية، 1974 م.
8- لويد واينرب . التنكر للعدالة: الاجراءات الجنائية في الولايات المتحدة. نيويورك: المطبعة الحرة، 1979 م.
9- جون جينثر . هيئة المحلفين في امريكا. واشنطن: حقائق على الملف، 1988 م.
10- بيتر كونراد و جوزيف شنايدر . الانحراف والتطبيب. سانت لويس: موزبي، 1980 م.

09-11-2009 عدد القراءات 9479



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا