7 تموز 2022 م الموافق لـ 07 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: أبحاث في المجتمع

الأجر والمكافأة الاجتماعية



لاشك ان مشروعية وجواز الاجارة شرعاً وعرفاً لا يحتاج الى مزيد بيان، باعتبار ان البشرية ـ وعلى مر العصور ـ أكدت على ضرورة دفع العوض أو الأجر مقابل العمل الذي يقوم به الفرد، أو المنفعة التي يملكها. وقد امضى الشارع ذلك العرف بقوله تعالى في آية الرضاع: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ1، وقوله في آية المتعة: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً2. وجاء في الآية 32 من سورة الزخرف: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا3. حيث ورد في تفسيرها أن معنى التسخير هو أن يستسخر الناس بعضهم البعض الآخرة لقاء أجر معين. بمعنى "أن الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة ان في ذلك تسخيراً من بعض العباد لبعض، بإحواجهم إليهم يستخدم بعضهم بعضاً، فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم"4.

والسؤال المطروح اليوم على الساحة الفكرية الاجتماعية هو هل أن اختلاف أجور العمل والمكافأة الاجتماعية بين الأفراد يؤدي إلى ترسيخ فكرة العدالة الاجتماعية، أم يؤدي إلى انعدامها؟

فأجابت النظرية الغربية المسماة بـ (المدرسة التوفيقية) ـ وهي المدرسة التي لا ترى مبرراً للصراع الاجتماعي تحت ظل النظام الرأسمالي القائم اليوم، وروادها علماء اجتماع امثال (اميلي ديركايهم)، (هربرت سپنسر)، و(تالكوت بارسنس) وغيرهم ـ بان انعدام العدالة الاجتماعية ضمن إطار اختلاف أجور العمل والمكافأة لها نواحٍ ايجابية نافعة للنظام الاجتماعي5، لأن اختلاف ادوار الأفراد على ضوء المهارة الشخصية والإبداع يخدم أهداف النظام الاجتماعي والمجتمع بكافة أفراده. وطالما كانت هذه الأدوار تتطلب جهداً جسدياً وفكرياً متبايناً، فقد تباين الأفراد في استلام المكافآت الاجتماعية. ولأن الطبيب أكثر نفعاً في المجتمع من العامل غير الماهر، كان المفترض مكافأة الطبيب مكافأة تفوق مكافأته لذلك العامل غير الماهر. وهذا التزيع غير المتكافئ للثروة والمكافآت الاجتماعية ضروري ـ حسب رأي هذه المدرسة ـ في ثبات واستقرار النظام الاجتماعي ، لأن المال، والمكافأة الاجتماعية، هما اللذان يجذبان الأفراد نحو انجاز الأعمال التي تتطلب جهداً أشد من بقية الأدوار الاجتماعية الأخرى. وعلى ضوء ذلك، فان انعدام العدالة الاجتماعية نتيجة واقعية لثبات واستقرار النظام الاجتماعي. ولكن هذه المدرسة جوبهت بنقد شديد من قبل مفكري المدارس الاجتماعية الأخرى، لأنها بررت ـ بشكل صارخ ـ التفاوت الواسع في نظام الأجور والمكافآت الاجتماعية في النظام الرأسمالي.

فالمدرسة التوفيقية أهملت تماماً ضوابط العدالة الاجتماعية، أي ضمان الحد الأدنى للأجور التي تضمن معيشة كريمة لكل العاملين في المجتمع على اختلاف اختصاصاتهم المهنية ودرجة نفعهم الاجتماعي. ولاشك أن انعدام العدالة الاجتماعية لا يؤدي إلى ثبات واستقرار النظام الاجتماعي، بل يؤدي إلى اختلال الموازين الأساسية في إشباع حاجات الأفراد وتمتعهم بالثروات الاجتماعية.

أما النظرية الإسلامية فقد نادت بالعدالة الاجتماعية، لا من باب عدالة الأجر والمكافأة الاجتماعية التي أمضاها الشارع فحسب، بل من باب عدالة توزيع الثروة الاجتماعية. فزيادة الثروة في المجتمع، لم تكن بالضرورة عاملاً من عوامل نشر الظلم والحرمان الاجتماعي، كما ترى المدرسة الغربية التلفيقية التي وعدت بانتخاب محاسن المدرستين التوفيقية والماركسية6، لأن العدالة الاجتماعية ترتبط في الأصل بنظام يساهم في توزيع عادل للثروة، ولا ترتبط بالزيادة المالية نفسها. وهناك شواهد تاريخية عديدة تؤكد صدق هذا الرأي، كما ورد في كتب التاريخ عن رجوع الصدقات إلى بيت المال في صدر الإسلام، لأن الثروة المالية انتشرت عن طريق التوزيع بين عدد كبير من الأفراد ولم تتكدس بأيدي جماعة محدودة العدد. وليس غريباً أن نرى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يأبى إلا أن يرجع الأموال التي منحها الخليفة الثالث لأقربائه وخاصته، قائلاً بشأن ذلك: (والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق)7. أضف إلى ذلك، فان الوازع الأخلاقي الذي يتحسس لآلام المعذبين والمستضعفين يجعل التنافس الاقتصادي عملية يقوم بها الافراد من أجل التكامل الاجتماعي، لا مجرد تكديس المال.

*النظرية الاجتماعية في القران الكريم، د:زهير الاعرجي، أمير_قم،ص19-22.


1- الطلاق:6.
2- النساء:24.
3- الزخرف:32.
4- مجمع البيان ج 9 ص 61.
5- (كنكسلي ديفيز) و(ولبرت مور). "بعض مبادئ انعدام العدالة الاجتماعية". مقالة علمية في (المجلة النقدية الأمريكية لعلم الاجتماعي)، عدد 10، 1945 م. ص 242 ـ 249.
6- (جيرهارد لينسكي)، السلطة والامتيازات: نظرية في انعدام العدالة الاجتماعية. نيويورك: ماكرو ـ هيل، 1966 م.
7- نهج البلاغة ـ باب فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان. خطبة 15.

09-11-2009 عدد القراءات 10383



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا