19 آب 2022 م الموافق لـ 21 محرم 1444 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: تهذيب النفس

الدنيا دار ابتلاء وامتحان



الدنيا ليست محلّاً للثواب والعقاب
إنّ هذا العالَم الدنيويّ لما فيه من النقص والقصور والضعف لا يكون دار كرامة ولا محلّاً لثواب الحقّ سبحانه ولا محلّاً لعذابه وعقابه، لأنّ دار كرامة الحقّ عزّ وجلّ عالَمٌ تكون نعمه خالصة وغير مشوبة بالنقم، وراحته غير مخلوطة بالشقاء والتعب، ومثل هذه النعم غير متوفّرة في هذا العالَم الدنيويّ، لأنّه دار التزاحم والصراع. وإنّ كلّ نعمة من نعم هذا العالَم هي دفع للآلام. ونستطيع أن نقول: إنّ لذّاته تبعث على الآلام لأنّ إثر كل لذّة شقاءً ونصباً وألماً.

بل إنّ مادّة هذا العالَم الدنيويّ تتمرّد على قبول الرحمة الخالصة والنعمة المحضة غير المشوبة بالمكاره. وهكذا العذاب والشقاء والآلام والتعب في هذا العالَم لا تكون خالصة، بل يكون كلّ ألم وتعب محفوفاً بنعمة أو نِعَم، فإنّ مادّة هذا العالَم تتمرّد على قبول العذاب الخالص المطلق.

إنّ دار عذاب الحقّ سبحانه ودار عقابه، دار فيها العذاب المحض والعقاب المحض، وإنّ آلامها وأسقامها لا تُضاهى بآلام وأسقام هذا العالَم الدنيوي، كأن يمسّ العذاب عضواً دون آخر، أو يكون عضو سالماً وفي راحة والآخر في تعب وشقاء.

وقد أُشير إلى بعض ما ذكرنا في الحديث الشريف عندما يقول: "... وذلك أنّ الله تعالى لم يجعل الدنيا ثواباً لمؤمن ولا عقوبة لكافر".

فعالَم الدنيا دار تكليف، ومزرعة الآخرة، وعالم الكسب. وعالم الآخرة دار جزاء ومكافأة وعقاب. إنّ الذين يتوقّعون من الحقّ سبحانه أن ينتقم في هذا العالَم من كلّ مرتكب معصية أو فاحشة أو جور أو اعتداء، بأنّ يضع عزّ وجلّ حدّاً له، فيقطع يده ويقلع العاصي من الوجود، هم غافلون عن أنّ مثل هذا العقاب خلاف النظم والسنّة الإلهية التي أقرّها الله سبحانه وتعالى.

إنّ هذه الدار دار امتحان وتفريق بين الشقيّ والسعيد، والمطيع والعاصي، وهي عالم ظهور الفعليات، وليست بدار تبيّن نتائج الأعمال والملكات. وإذا انتقم الحقّ المتعال من ظالم، لأمكننا القول إنّ عناية الحقّ عزّ وجلّ قد شملته.

وإذا ترك أهل الموبقات والظلم في ضلالهم وغيّهم، كان ذلك استدراجاً، كما يقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ1، ويقول عزّ اسمه أيضاً: " ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ"2.

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "إذا أحدث العبد ذنباً جُدّد له نعمة فيدع الاستغفار فهو الاستدراج"3.

بماذا يمتحن الله عباده؟
إنّ النفوس البشرية منذ ظهورها وتعلّقها بالأجساد، وهبوطها إلى عالَم الدنيا، تكون على نحو القوّة4 تجاه جميع العلوم والمعارف والملكات5 الحسنة والسيّئة، بل تجاه جميع الإدراكات.

ثم تتدرّج بعناية الحقّ جلّ جلاله نحو الفعلية شيئاً فشيئاً، فتظهر أولاً الإدراكات الضعيفة الجزئية، مثل حاسّة اللمس والحواس الظاهرية الأخرى، الأخسّ فالأخسّ، ثم تظهر ثانياً الإدراكات الباطنية بالتدريج أيضاً.

ولكنّ الملكات لا تزال موجودة بالقوّة، فإذا لم تتأثّر بعوامل تُفجّر فيها الطاقات الخيّرة وتُركت لوحدها، فستنتصر الخبائث وستتحقّق الملكات الفاسدة وستنعطف نحو القبائح والمساوئ، لأنّ الدواعي الداخلية الباطنية كالشهوة والغضب وغيرهما تسوق الإنسان إلى الفجور والتعدّي والظلم. وبعد انقياده لهما يتحوّل في فترة قصيرة إلى حيوان عجيب وشيطان غريب.

ولمّا كانت عناية الحقّ تعالى ورحمته قد وسعت بني البشر في الأزل، جعل لهم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربّي والمهذِّب، هما بمثابة جناحين يطير بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء إلى أوج العلم والمعرفة والكمال والجمال والسعادة، ويُحرّر نفسه من ضغط ضيق عالم الطبيعة إلى الفضاء الرحب الملكوتيّ الأعلى وهما:

1- المربِّي الباطنيّ المتجسّد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبيح.

2- المربِّي الخارجيّ المتمثّل في الأنبياء والأدلّاء لطرق السعادة والشقاء.

وكلٌّ منهما لا يؤدّي دوره بدون الآخر، إذ إنّ العقل البشريّ عاجز لوحده عن معرفة طرق السعادة والشقاء، واكتشاف الطريق إلى عالَم الغيب، ونشأة الآخرة. كما أنّ هداية الأنبياء وإرشادهم لا تكون مؤثّرة بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز.

فالحقّ تبارك وتعالى، منحنا هذين النوعين من الموجّه لكي نجعل الطاقات المكتنزة والاستعدادات الكامنة في النفوس تتحرّك من القوّة إلى الفعلية والظهور.

وقد وهبنا الحقّ تعالى هاتين النعمتين الكبيرتين امتحاناً لنا واختباراً، فبهما يتميّز أفراد بني الإنسان بعضهم من البعض الآخر، ويتمّ الفصل بين السعيد والشقي، والمطيع والعاصي، والكامل والناقص.

كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "والذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ ولتغربلنّ غربلة"6.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لا بدّ للناس من أن يُمحّصوا ويُميّزوا ويُغربلوا ويُستخرج في الغربال خلقٌ كثير"7.

ومن حديث آخر عنه عليه السلام: "إنّه ليس شيء فيه قبض8 أو بسط9 ممّا أمر الله أو نهى عنه إلا وفيه لله عزّ وجلّ ابتلاء وقضاء"10.

فكلّ عطاء وتوسعة أو منع وإمساك امتحان للإنسان، كما أنّ كلّ أمر ونهي وتكليف يكون امتحاناً أيضاً.

فإنّ بعث الرسل ونشر الكتب السماوية إنّما هو لغربلة الناس ولفصل الأشقياء عن السعداء والمطيعين عن المعاصي. فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة، هي فصل السعيد عن الشقيّ على صعيد الواقع الخارجيّ.

وتتمّ في هذا الامتحان والتمحيص حجّة الله على خلقه أيضاً، وتكون تعاسة وسعادة كلّ شخص عن حجّة وبيّنة، ولا يبقى لأحد مجال للاعتراض.

فمن سعى في طريق السعادة والحياة الأبدية، كان سعيه توفيقاً من الله وهداية له، لأنّه سبحانه قد وفّر له جميع أسباب هذا السبيل. ومن جدّ في طريق الشقاء ووجّه وجهه نحو الهلاك ومتابعة الهوى والشيطان مع توفّر كلّ طرق الهداية وأسباب السعادة، فقد اختار بنفسه الهلاك والتعاسة، رغم قيام الحجّة البالغة للحقّ تبارك وتعالى على خلاف ما ارتآه: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ11.

آراء حول بلاء الأنبياء
يقول المحدّث الكبير المجلسيّ عليه الرحمة: "في هذه الأحاديث (أي أحاديث ابتلاء الأنبياء) الواردة من طرق العامّة والخاصّة، دلالة واضحة على أنّ الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، في الأمراض الحسيّة والبلايا الجسمية كغيرهم بل هم أولى بها من الغير تعظيماً لأجرهم الذي يوجب التفاضل فيالدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتهم بل هو تثبيت لأمرهم وأنّهم بشر. إذ لو لم يُصبهم ما أصاب سائر البشر مع ما يظهر في أيديهم من خرق العادة، لقيل فيهم ما قالت النصارى في نبيّهم"12.

وقال المحقّق الطوسي، في كتاب التجريد في بحث ما يجب كونه في كلّ نبي: "وأن لا يكون فيه كلّ ما ينفر عنه الخلق"13.

وقال علّامة علماء الإسلام - رضوان الله عليهم - في شرح هذه الجملة: "وأن يكون منزّهاً عن الأمراض المنفّرة نحو الأنبة وسلس الريح والجذام والبرص لأنّ ذلك كلّه ممّا يُنفّر عنه فيكون نافياً للغرض من البعثة"14.

يقول الكاتب15: إنّ درجة النبوّة وإن كانت تابعة للكمالات النفسية والدرجات الروحانية، ولا علاقة لها بالجسم. وإنّ النقائص الجسمانية وأمراضها لا تُسيء إلى المقام الروحانيّ للأنبياء وإنّ الأمراض المنفّرة لا تُقلّل شيئاً من علوّ شأنهم وعظمة رتبتهم، إن لم تؤكّد كمالاتهم وتدعم درجاتهم، كما أُشير إليها.

ولكن ما ألمح إليه المحقّقان16 لا يخلو من وجه، لأنّ عوام الناس لا يُفرّقون بين المقامات - الجسمانية والروحية - ويحسبون أنّ النقص الجسمانيّ نتيجة النقص الروحيّ أو ملازم له. ويعتبرون أنّ من عناية الحقّ سبحانه أن لا يُصيب الأنبياء أصحاب الشريعة والمبعوثين بالرسالة، بأمراض تُسبّب نفرة الطباع واستيحاش الناس.

فعدم ابتلائهم لا يكون نتيجة أنّ هذه المصائب والبلايا تحطّ من مقام النبوّة، بل لأجل فائدة هي إكمال التبليغ والإرشاد. وعليه لا مانع من ابتلاء بعض الأنبياء الذين لم يحظوا بالشريعة، وابتلاء الأولياء الكبار والمؤمنين بمثل هذه المحن. كما كان النبيّ أيوب والمؤمن حبيب النجّار مبتلين.

بلاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
يظهر في نهاية الحديث الشريف: ".. ومن سَخُف دينه وضعف عقله، قل بلاؤه"17، أنّ البلايا تكون جسمانية أو روحانية، فالأشخاص الضعاف في عقولهم وإدراكهم في أمان من المعاناة الروحية والانزعاجات العقلية، على خلاف من يتمتّع بالعقل الكامل والإدراك الحذق، حيث تزداد معاناته ومصائبه.

ومن المحتمل أن يعود إلى هذا المعنى كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت"18.

لأنّ كلّ من يُدرك جلال الربّ وعظمته أكثر، ويقف على المقام المقدّس للحقّ جلّ وعلا بشكل أعمق، يتألّم ويتعذّب من جرّاء عصيان العباد وهتكهم للحرمة أكثر. وأيضاً كلّ من كانت رحمته وعنايته وشفقته على عباد الله أكثر، تأذّى من اعوجاج العباد وشقائهم أكثر. وقطعاً كان خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله وسلم في كلّ المقامات والمنازل الكمالية، أكمل من جميع النبيّين والأولياء وبني الإنسان فتكون محنه وآلامه أعمق.

* كتاب جهاد النفس في ضوء فكر الإمام الخميني، نشر دار المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة القلم، الآيتان 44 - 45.
2- سورة آل عمران، الآية 178.
3- الطبرسي، مجمع البيان، ج5، ص 340.
4- القوة: القابلية والاستعداد.
5- الملكات: الحالات الراسخة في النفس.
6- نهج البلاغة، خطبة الإمام علي عليه السلام، خطبة 16، الشيخ صبحي الصالح.
7- الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص 375.
8- القبض: الإمساك والمنع.
9- البسط: النشر والعطاء.
10- الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص 152.
11- سورة البقرة، الآية 286.
12- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ح64، ص250.
13- المحقّق الطوسي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص218، المقصد الرابع في وجوب العصمة.
14- م.ن.
15- أي الإمام الخميني قدس سره.
16- المحقّقان أي المحقق الطوسي، وعلامة علماء الإسلام؛ أي العلّامة الحليّ.
17- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 259.
18- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 39، ص 56.

30-06-2017 عدد القراءات 5474



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا