4 تموز 2022 م الموافق لـ 04 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: المشاكل الزوجية

انخفاض نسبة الزواج



مأساة اجتماعية كُبرى

يعتبر قلّة الإقبال على الزواج وعدم رغبة الشباب بالحياة الزوجية، والجنوح نحو حياة العزوبة - بل يتعذّر حتى تسميتها بالحياة - مأساة حقيقية بالنسبة للبشرية، التي أخذت تهدد بجديّة حياة الإنسان في القرن الحديث، ولا تقتصر مأساة قلّة الزواج على كونها تدفع باتجاه انقراض الجيل، فالبشرية لا تواجه الآن مشكلة قلّة التعداد السكاني، بل بالعكس حيث أنّ ازدياد وتنامي عدد الأفراد يشكل قلقاً لأغلب البلدان (طبعاً نقصد البلدان غير الصناعية، لأنّ عملية تحديد النسل في البلدان الصناعية قائمة على قدم و ساق).

والخطير في الأمر هو انّ الأفراد العزّاب متأخّرون عن الركب في شعورهم بالمسؤولية الإجتماعية، فهم لا يشعرون بأية رابطة بينهم وبين المجتمع، فهم يعيشون حياة هامشية لا وزن لها، وهم أشبه شيء بكرات صغيرة تسبح في هذا الفضاء الواسع، أية هزّة بسيطة تعرض لهم قد تجعلهم يهجرون وطنهم ويحلّقوا الى وطن آخر، فليس لهم من حنين الى ماء أو تراب، بل قد يودعون حياتهم إلى غير رجعة في بعض الأحيان إذا شعروا بالتذمّر والامتعاظ.

وهذا ما يلمس بوضوح من خلال إحصاءات الإنتحار التي تُشير إلى وقوعها بين العزّاب أكثر مما عليه بين المتزوّجين، هروب الأدمغة في أوساط العزّاب هي الاُخرى تشاهد بوضوح، إلى جانب كون أغلب المجرمين من العزّاب أو أولئك الذين يعيشون الحياة الشبيهة بالعزوبة. وفي الحقيقة أنّ الحياة الزوجية تخرج الانسان من دائرة أنانيته واتخاذه ما يشاء من قرارات بشأن نفسه ومستقبله، كما أنّ شعوره بالمسؤولية تجاه مجتمعه الصغير «الاُسرة» يحول دونه ودون ارتكاب أي خطأ أو جريمة، في حين ينطوي عدم الشعور بالمسؤولية وفقدان الارتباط الإجتماعي على عواقب وخيمة، يتمثّل أبرزها في عدم تجنيد الفرد لكافة طاقاته والاستفادة من جميع إمكاناته من أجل النهوض بحياته والعمل على تطويرها. ولا غرو فليس هنالك من حاجة لمزيد من الإمكانات لادارة شؤون حياة فردية. ولذلك ترى حياة العزّاب تتصف بالجمود والكسل وعدم الاكتراث للحصول على مقومات العيش الى جانب عدم رعايتها والحفاظ عليها، ولهذا أيضاً تجد أغلب الأفراد العزّاب يعجزون عن ادارة شؤون حياتهم الشخصية، فيبدون طُفيليين يعيشون عالة على المجتمع، وما أن يبدأوا حياتهم الزوجية حتى يتحولوا الى أفراد ذوي عزم وارادة، جديّين ونشطين يفيضون ارادة وقوّة وحيوية وهذه هي معجزة الشعور بالمسؤولية، ولعلّ الرواية التي ربطت الرزق بالزواج أرادت أن تُشير الى هذا المعنى، ومن هنا يمكن تشبيه العزّاب بالرحّالة من البدو الذين ينتقلون من مكان إلى آخر، بحثاً عن الماء والكلاء، دون أن يعيروا الأرض التي يحلون فيها أدنى اهتمام من بناء أو إعمار، وأما على الصعيد الأخلاقي فإنّ الفرد الأعزب لا يصبح إنساناً كاملا قط، وذلك لأنّ أغلب المثل من قبيل الوفاء والعفو والسخاء والعاطفة والمحبة والفِداء ومعرفة الحق، إنّما هي مفاهيم أخلاقية اجتماعية لا يمكن تحققها إلاّ في البيئة الاُسريّة والحياة الزوجية المشتركة ووجود الأولاد، ولذلك فالفرد الأعزب بعيداً كلّ البعد عن معرفة هذه المفاهيم فضلا عن التعامل بها.

صحيح ان مسؤولية الحياة الزوجية المشتركة تضع الانسان أمام سيل جارف من المشاكل، ولكن هل يتكامل الإنسان دون مواجهة مثل هذه المشاكل؟!

أمّا مسألة تلبية الإحتياجات الطبيعية الجسمية والروحية، وردود الفعل النفسية غير المرضية الناشئة من عدم تلبية هذه الاحتياجات الواقعية والمسلمة، فهي قضية اُخرى ينبغي بحثها بصورة مستقلّة.

وعلى ضوء هذه الحقائق التي تأبى الإنكار، لا نرى أنفسنا مغالين إذا نعتنا الجنوح نحو العزوبة وقلّة الإقبال على الزواج بالمأساة الإجتماعية الكبرى.

وهنا يبرز هذا السؤال : ما الذي ينبغي القيام به بالنسبة للشباب حيال هذه الوظيفة الإجتماعية الطبيعية، مع وجود هذه المطبات والصعاب التي تستنزف طاقة الشباب؟ هل يستطيع الفرد أن يقوم بهذه الوظيفة الخطيرة والمقدسة بوقتها، رغم المشاكل التي أفرزتها الحياة المكننة وهذا البون الفكري بين الآباء والاُمّهات والشباب، إلى جانب الوضع الراهن للدراسة وما يتمخّض عنه من صِعاب، وهذه المعضلة المتمثّلة باختيار العمل، وانعدام الثقة بين الأفراد؟ هذه هي المشاكل التي ينبغي الخوض فيها بغية حلها، والا بات من المستحيل حل هذه المعضلة الإجتماعية.

أمّا المسألة التي يجب ألاّ نغفلها ونهتم بها فهي مسألة الوضع المضطرب للزواج في عصرنا الراهن، الوضع الذي خلقه المجتمع وخلقناه نحن بأنفسنا، نحن أنفسنا الذين أسسّنا هذا البِناء الأجوف وأصبحنا أسرى العادات والتقاليد العمياء، وإلاّ فلم يصدر إلينا هذا الأمر من الخارج، انه وليد مجتمعنا وبناءاً على هذا فإذا عقدنا العزم واتخذنا القرار الصحيح فإننا سنتمكّن من قلب هذا الوضع رأساً على عقب، علينا أن نطرح مشروعنا الجديد; المشروع القائم على أساس الحقائق والمفاهيم الواقعية للحياة، لا على أساس الحقائق والمفاهيم الواقعية، لا على أساس الأوهام والخيالات والتقاليد والعادات الفاسدة.

وليعلم الجميع أنّ هذا المشروع لا يتضمّن المحال، ولا يجعلنا نحتاج الى المعجزة.

23-03-2016 عدد القراءات 1535



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا