19 آب 2022 م الموافق لـ 21 محرم 1444 هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

لا جَبر وَلا تَفويض



لا جَبر وَلا تَفويض *

ان مسألة الجبر والتفويض لهي من أهم المسائل النظرية وأقدم المعتقدات التي وقعت محلاً لمعركة الآراء وضلت لشدة غموضها العقول والأفكار، وهي من أهم الأسباب لتشعب المذاهب وتعدد الفرق، والموجب لتكفير أمة اختها رغم الروابط الدينية التي تربطها من جهة أخرى، وقد ملأت جانباً عظيماً من كتب التأليف والتصنيف، ونالت حظاً وافراً من البحث والتدريس والجدل عند الفلاسفة والسالكين مسلكهم قبل الإسلام وبعده، فمن رجع إلى كتب الحكمة والكلام والاخلاق، وأصول الفقه يجد الأشعري المعتنق لعقيدة الجبر والمعتزلي الذي يدين بالتفويض قد أتى بالكثير من المقدمات الضرورية والنظرية التي تتألف منها البراهين القطعية بزعم المستدل، والاقيسة العقلية، والأدلة السمعية من الكتاب والسنة، ثم يكر بعد ذلك على طريقة العرف وسيرة العقلاء فيضرب الأمثال من معاملة الموالي مع عبيدهم ويؤولها حسب ما يوافق مطلوبه، هذا، وهو يحسب أنه قد أحسن صنعاً بتمحيص الحق والاهتداء بنوره، ودحض الباطل والخروج من ظلمته، وكشف الأسرار الغامضة الدقيقة بالطرق الصحيحة، والأدلة التي لم يهتد إليها أهل العقول والانظار.

والحقيقة أن ما استند إليه كل من الطائفتين لو توجهت نحوه العقول وأعطته حق الإمعان والتأمل لجعلته هباء وحكمت عليه أنه تطويل بلا طائل، وأنه أدل دليل على ارتباك المستدل وخطئه حيث عد الشبهة دليلاً، والعليل صحيحاً، وجزم ان الهدف الذي يرمي إليه والغاية التي يحاول اثباتها ان هي الا صحة عقيدته التي غرست بذرها في نفسه يد الوراثة، وتأصلت جذورها في أعماق قلبه بتكرار النظر وطول الممارسة لما سطر (الكرام) الكاتبون من أسلافه، وزينها له اساتذته وشيوخه ببركة تلقينهم اياه، وتقليده اياهم، وتشعبت فروعها بمعاشرة قومه، والفة صحبه الذين يقدسون هذه العقيدة، ويرونها أصلاً من أصول دينهم الذي يوجب عليهم رعايتها والتعبد بها، ويتحتم على كل واحد منهم ان يصحح عقيدته بكل طريق ولو كان فاسداً في نفس الأمر والواقع، ويبطل ما ينافيها ولو كان حقاً، فبينما هو يورد الأدلة ويكر على حجة خصمه فيعارضها بالمثل أو يطعن في صغرى قياسه أو كبراه يستشهد بالاخبار النبوية (الراد على أهل هذه الطريقة كالشاهر سيفه في سبيل اللّه، وأهلها مجوس هذه الأمة)، إلى غير ذلك.
ونظراً لضيق المقام أعرضنا عن ذكر كلماتهم وبيان مواضع الخلل فيها، على الاخص استدلالهم بالنصوص السمعية فإن المسألة عقلية وليس للسمع أقل مساس فيها، فلا يصح التمسك بظواهر الكتاب والسنة في مثلها إثباتاً أو نفياً، فإن المتعين أولاً النظر إلى حكم العقل وتشخيصه عما عداه على نحوٍ لا يقع فيه الاشتباه والريب، ثم النظر إلى اللفظ الثابت عن الحكيم، فإن كان موافقاً بظاهره لحكم العقل كان مقرراً له، والا وجب تأويله بما يوافق العقل، كما هو المعروف من دين الإسلام وضروراته، ومن هنا نعرف محل الخطأ في قول القائلين ان الأحكام العقلية ساقطة عن الاعتبار، ان المتعين حصر المدارك، والأدلة بالسمع فقط مستدلين على ذلك بحكم العقل بصحة الجبر والتفويض معاً، مع أن تنافيهما من البديهيات، فمن حكمه بصحة الأمور المتضادة يستكشف سقوطه عن الاعتبار وعدم جواز الاعتماد عليه.

والحق أن أرباب هذه العقيدة هم الساقطون عن الاعتبار لا العقل الذي يكون الإنسان به إنساناً يمتاز عن سائر الحيوانات، فإن الحكم بعدم اجتماع المتنافيين اللذين لا جامع بينهما، ولا وحدة تربطهما من المعلومات البديهية، والمرتكزات الفطرية، وبعد أن كان الجبر والتفويض متعاندين ذاتاً فكيف يمكن صدور الحكم من العقل بصحتهما معاً، وجزمه بتحقيق كل منهما، وهل هو إلا نظير القطع بالوجود والعدم في محل واحد، وهذا أمر لا مرية فيه، وإنما الكلام في أن الجبر والتفويض، هل هما ضدان لا ثالث لهما بمعنى أن الواقع لا يخلو من احدهما، فكما امتنع العقل عن الحكم بصحتهما كذلك لا يحكم ببطلان كل منهما، بل لا محيص عن الأخذ بأحدهما وطرح الآخر، إما الجبر وإما التفويض نظير الحركة والسكون، فإن ارتفاعهما عن الجسم محال كاجتماعهما، أو أن هناك واسطة في البين فلا مانع من قبل العقل بثبوت أمر ثالث، وإنما المستحيل في نظره هو الحكم بصحة الجبر والتفويض معاً لا يبطلانهما، كما هو الحال في السواد والبياض، فانهما لا يشغلان معاً حيزاً واحداً في آن واحد، ولكن لا بأس بارتفاعهما وكون المحل مشغولاً بلون ثالث، وهذه الناحية هي التي تهمنا أكثر من جهة تتعلق بهذا الموضوع.

فنقول: ان أئمة الهدى عليهم السلام قد كشفوا لنا عن وجه الحق واهتدينا بكلامهم إلى الحقيقة التي يستصوبها العقل، وهو حاكم بفساد الجبر والتفويض بالمعنى الذي نذكره لهاتين اللفظتين، وصحة أمر بين الأمرين. أما الجبر الذي ينفيه العقل فهو حمل العبد على الفعل والترك بالقسر والغلبة على وجه لا يكون للعبد قدرة التخليص ولا قوة الامتناع والتحصن فايجاد فعل العبد فيهم كايجاد الثمرة في الشجرة والجريان في الماء، ولازم هذا القول حذف لفظ الطاعة والعصيان والمشيئة، وكل كلمة تشعر بالاختيار أو يتوقف معناها عليه من جميع اللغات فإنه لا طاعة بإكراه ولا مشيئة مع إِلجاء، ومن ذهب هذا المذهب أراد أن يثبت للّه تعالى القدرة فأثبت له الظلم والسفه والكذب (وليس اللّه بظلام للعبيد).

وأما التفويض الباطل فهو أن اللّه تعالى (أوجد العباد وأقدرهم على أعمالهم وفوض إليهم الاختيار فهم مستقلون بايجادها على وفق مشيئتهم وقدرتهم وليس للّه تعالى في أعمالهم صنع) وعلى هذا المسلك ينبغي أن يرضى اللّه تعالى بكل ما يفعله عبده ولا يؤاخذه بشيء مما يفعل، وقد حاول القائل به إِثبات العدل للّه فعزله عن سلسانه وشاركه في خلقه - يد اللّه مغلولة غلت ايديهم - وربما يكون لصحة هذا القول وجه، وهو أن العباد قد اجتمعت بأسرها وتجمهرت واتفقت يداً واحدة وتظاهرت على خالقها واظهرت التمرد والعصيان وطلبوا منه الاستقلال التام ففوض إليهم الأمر وأجراهم على مشيئتهم بعد أن عجز عن تطويعهم.

وإذا كان العقل حاكماً بفساد هذا الإفراط، وذاك التفريط تعين القول الفصل وهو صحة الأمر بين الأمرين، ولا نقصد منه أن فعل العبد مستند إلى قدرته وقدرة اللّه تعالى، وانهما قد تعاونا معاً على إيجاده، فإن ذلك ليس بأقل محذوراً من القول بالجبر، وهل يحسن العقاب من الباري تعالى على معصية كان هو أحد الفاعلين، وأقوى الشريكين، وإنما نعني بالأمر بين الأمرين أن اللّه تعالى أقدر الخلق على أعمالهم ومكنهم من أفعالهم، فهم يملكون الاستطاعة، لكن هو المملك، ثم أمرهم بالخير، ونهاهم عن الشر، ووعدهم بالثواب على الأول، والعقاب على الثاني، فإذا فعل العبد الخير والطاعة فيسند هذا الفعل إلى اللّه تعالى، لأن العبد فعله بالقدرة التي ملكها من خالقه، ولأنه قد رضي اللّه وأمره به، وينسب أيضاً إلى العبد لأنه قد اختار الخير مع قدرته على الشر. وأما إذا اختار فعل الشر وأتى به العبد فإنه وان فعله بالقدرة من اللّه تعالى إِلا أنه مع ذلك لا ينسب الشر إلى اللّه، بل هو مستند إلى العبد وحده وللّه الحجة عليه، حيث أنه لم يرض بفعل الشر، بل نهاه عنه، فالخير من اللّه تعالى لرضاه به وإقدار العبد عليه، حيث اقدره على الخير وللّه الحجة لو فعل العبد الشر، لعدم الرضى.

وإنما أعطاه القدرة على المعصية والشر مع عدم الرضى بهما حذراً من الالجاء، فإن المعصية إذا لم تكن مقدورة للعبد وكانت الطاعة تصدر منه رغماً عنه لما استحق مدحاً ولا ثواباً، فإن الفضل يظهر بالامتحان، فلا جبر على المعصية لأن اللّه كما اقدره عليها فقد أقدره على الطاعة وترك العصيان، ولا تفويض لأنه تعالى لم يترك الأمر إلى مشيئة العبد واختياره، حيث نهاه عن الشر وزجره عنه، هذا هو المقصود من الأمر بين الأمرين الذين عابوا الشيعة به وآخذوهم عليه، والذي يدلك على صوابه وأنه هو المتعين في نظر العقل دون سواه مضافاً إلى ما بيناه أن الإمام الرازي، وهو أحد الأقطاب المنتصرين لمذهب الجبر فإنه رغم ذكره مسألة الجبر في تفسيره ما يقرب عن عشرين مرة، وفي كل منها يقيم الأدلة والبراهين على صحة الجبر وبطلان غيره قد اعترف في أحد المقامات من حيث لا يشعر بفساد الجبر والتفويض. وصحة الأمر بين الأمرين، قال في المجلد الخامس صفحة 355 من تفسيره (إن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض، والقول بأن العبد مستقل بافعاله قدر محض، وهما مذمومان والعدل أن يقال: إِن العبد يفعل الفعل ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها اللّه فيه) وهذا كلام قريب مما تقوله الإمامية.


* - نشر في العرفان عدد آذار سنة 1937.

08-03-2016 عدد القراءات 1323



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا