9 آب 2022 م الموافق لـ 11 محرم 1444 هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

شُرُوطُ الإمَام



شُرُوطُ الإمَام

أثبتنا فيما تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله هو المصدر الأول للتشيع، ونتكلم في هذا الفصل عن شروط الإمام عند الشيعة، ومصدر هذه الشروط في الكتاب والسنّة، ونمهد لذلك بما يلي:
سبب تعدد الفرق:
في الغالب أن العقيدة أول ما تبدأ تكون في منتهى البساطة والسذاجة، بحيث لا يحتاج فهمها إلى تعمق ومقدمات نظرية، وبمرور الزمن تتصدى فئة من الأتباع لتفسيرها وشرحها بأقوال يضفون عليها ما للعقيدة من قداسة وحصانة، وينعتون من يخالفها بالكفر والجحود، تماماً كمن يخالف كتاب اللّه وسنة نبيه. وإليك المثال:

جاء الإسلام بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، وخاطب بها البدوي في الصحراء كما خاطب بها أكبر العلماء، وأعمق المفكرين على السواء، ثم جاء الفلاسفة وعلماء الكلام يتناقشون فيما بينهم: هل اللّه جسم أو منزه عن الجسمية؟ وهل صفاته عين ذاته أو غيرها؟ وهل يفعل لغاية أو هو منزه عن الغايات؟ وهل يعلم الكليات والجزئيات أو الجزئيات فقط؟ وهل كلامه قديم أو حادث؟ وهل يُرى يوم القيامة؟ وهل الأنبياء معصومون؟ وإذا كانوا معصومين فهل هم معصومون قبل البعثة وبعدها، أو بعدها فقط؟ وهل الأشياء منقادة لارادتهم بحيث يتصرفون بها كيف يشاؤون؟ وهل لهم حق الشفاعة؟ وهل يجوز تأويل الوحي، أو يجب الأخذ بظاهره؟ وهل الخلافة تكون بالنص أو الانتخاب؟ وهل يعاد الإنسان غداً بالروح والجسم، أو بأحدهما؟ وهل الإنسان مسيّر أو مخيّر؟ وهل مرتكب الكبيرة مخلد في النار؟ وهل النفس من المجردات؟ وهل للأفلاك نفوس ناطقة متحركة بالإرادة، إلى غير ذلك. وهذه الخلافات هي المصدر لتعدد الفرق الإسلامية.

كل الأديان:

وقد وقعت هذه الخلافات وما شاكلها في كل الأديان، وتفرق أتباع كل دين شيعاً أو أحزاباً، فبنو إسرائيل اتخذوا من دون اللّه عجلاً له خوار، وموسى حي، وما أن انتقل إلى ربه، حتى افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترق المسيحيون بعد نبيهم إلى اثنتين وسبعين، كما جاء في الحديث1 وما زالوا مختلفين لا يتزاوجون ولا يتوارثون، ولا يجتمعون للصلاة وللعبادة في معبد واحد.

ولم تقف هذه الخلافات والمنازعات على أهل الأديان، فلقد اختلف العلماء فيما بينهم، وكذلك الأدباء والفلاسفة والسياسيون، وكل الناس يختلفون في الآراء والأفكار، وينقسمون إلى فئات وأحزاب، يعتنق كل حزب نظرية تباين النظرية التي يعتنقها الحزب الآخر، ثم ينقسم الحزب على نفسه، ويختلف أفراده في الشروح والتفاسير، والقيود والحدود ضمن الإطار الحزبي، والمبدأ العام الذي يؤمن به الجميع، فالاشتراكيون على ما بين جميعهم من قاسم مشترك لم يتفقوا على جميع النقاط، ويتحدوا من جميع الجهات، وكذلك الرأسماليون والفلاسفة المثاليون، والواقعيون والوجوديون... ذلك أن الاختلاف في القضايا النظرية أمر طبيعي، بل حتى المحسوسات أنكرها السفسطائيون، واخوانهم المثاليون.

بالمناسبة:

وبهذه المناسبة نشير إلى سذاجة الذين يدعون إلى توحيد الأقوال والآراء بين السنة والشيعة ذاهلين عن أن الاختلاف بالرأي ضرورة يفرضها واقع الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو سني أو شيعي. إن الذين يحاولون التوحيد بهذا المعنى يطلبون المحال. وكل ما يستطاع صنعه في هذا الباب هو أن نصلح ما أفسده الماضي البغيض، فنتخلص من مخلفاته وتعصباته التي جرّت على المسلمين الويلات والخصومات، وأن تكف كل طائفة عن تكفير الأخرى، والكيد لها، والافتراء عليها، وأن يفهم كل سني وشيعي أن الاختلاف في بعض المسائل كعدالة الصحابة، وتقديم زيد، وتأخير عمرو لا يستدعي الخصام والانتقام.

مرحلتان:

ونستخلص مما تقدم أن العقيدة أو النظرية تمر - غالباً - في مرحلتين: الأولى مرحلة تسليم الجميع بها دون خلاف ونزاع. الثانية مرحلة الخلافات وتعدد الفرق ضمن الإطار المبدئي. وقد مر التشيع بالمرحلتين، ابتدأت الأولى في عهد الرسول، واستمرت طوال عهد الخلفاء الثلاثة، وابتدأت الثانية باستشهاد الحسين عليه السلام، كما ستعلم، والقاسم المشترك الذي يشمل المرحلتين كلتيهما، ويدخل فيه جميع الفرق الشيعية الباقية منها والبائدة هو الإيمان بأن منصب الخلافة حق لعلي بنص النبي، مع العلم بأن المغالين ليسوا من الشيعة والتشيّع في شيء، لأن أساس التشيع هو الإسلام، ومن أعطى صفة الألوهية أو النبوة بعد محمد لإنسان، أي إنسان فهو ليس بمسلم، فضلاً عن أنه غير شيعي، وعليه فإن تقسيم الشيعة إلى فرق يجب أن يرتكز على الإيمان بهذا النص دون الارتقاء بعلي أو أحد أبنائه إلى مرتبة الألوهية أو النبوة، وبهذا يتبين خطأ الذين جعلوا شخص علي وأبنائه - على الإطلاق - أساساً لتقسيم الشيعة وتعددهم إلى فرق، دون أن يميزوا بين مقالة المغالين وغير المغالين.

فرق الشيعة:

أنهى بعض المؤلفين فرق الشيعة إلى ثلاثين، وآخر إلى ما يزيد عن هذا العدد بقليل أو كثير، زاعماً أن المغالين من الشيعة، وأن الثلاثة والأربعة يشكلون فرقة مستقلة، وثالث نسب الغلو والكفر لكل من تشيع لأهل البيت، ورابع خلط بين الفرق البائدة والباقية، وخامس لم يميز بين الشيعيين، والشيوعيين... إلى آخر هذه الجهالات والعمايات التي لاقينا منها أنواع المصاعب والمتاعب.

وألجأتنا إلى الكلام والخوض فيما يحسن السكوت والاغضاء عنه.

ونحن بعد أن فسرنا التشيع بأنه الإيمان بوجود النص من النبي على علي بالخلافة مع عدم المغالاة فيه، ولا في أحد أبنائه، وقلنا أن تقسيم فرق الشيعة وتعددها يجب أن يرتكز على هذا الأساس، بعد أن قلنا هذا ينحصر الخلاف بين فرقهم في عدد الأئمة وأعيانهم فقط، لا في أصل النص، ولا في نفي الغلو. ومن هذه الفرق:

الكيسانية:
وجدت هذه الفرقة بعد استشهاد الحسين في كربلاء، وبها يبتدئ تعدد فرق الشيعة، حيث قالت بإمامة علي والحسن والحسين، ثم محمد بن علي المعروف بابن الحنفية، وقال غيرها بإمامة علي بن الحسين، ونفت الإمامة عن ابن الحنفية، فحصل التعدد، ويزعم الكيسانية أن محمداً هذا هو المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنه حي لم يمت، ولا يموت، حتى يظهر الحق، وفي ذلك يقول الشاعر الكيساني كثير عزة:
الا ان الأئمة من قريش                 ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه                   هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر                  وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى            يقود الخيل يقدمها اللواء
يغيب فلا يرى منهم زمانا              برضوى عنده عسل وماء

وقال الشيخ المفيد المتوفى سنة 413هجري في كتاب "العيون والمحاسن": "ولا بقية للكيسانية جملة، وقد انقرضوا، حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد".

الناووسية:

وهم أصحاب عبد اللّه بن ناووس، قالوا بإمامة الستة: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق، وزعموا أن الصادق هو الإمام المنتظر، وأنه حي لا يموت، حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وقد بادت هذه الفرقة، ولا يوجد منها أحد.

الاسماعيلية:

قالوا بأئمة الستة المذكورين، وان السابع هو إسماعيل بن جعفر الصادق، وليس موسى الكاظم كما يقول غيرهم، وهم ثلاث فرق: الأولى قالت: إن الصادق مات قبل ولده اسماعيل. والثانية قالت: إن اسماعيل مات قبل أبيه الصادق، ولكنه قبل موته نص على ولده محمد بن اسماعيل، وهؤلاء هم القرامطة. الثالثة قالت: إن اسماعيل مات قبل أبيه، ولكن الذي نص على إمامة ولده محمد هو جده الصادق، لا أبيه اسماعيل. والاسماعيلية باقون إلى اليوم، وأكثرهم في باكستان، وقليل منهم في الحجاز وسورية واليمن والهند وأفريقيا، ويقارب عدد الجميع المليون كما قيل، ولا يدخل فيهم أتباع "آغا خان".

الفطحية:

قال هؤلاء: إن الإمامة لم تنتقل من الصادق إلى ولده اسماعيل، ولا إلى ولده موسى الكاظم، بل إلى ولده الأكبر، وهو عبد اللّه الأفطح، ولقب بالأفطح، لأنه أفطح الرأس، أي ذو رأس عريض، وهم من الفرق البائدة، ولا يوجد منهم أحد.

الواقفية:

وهم الذين قالوا بثمانية أئمة: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا، ووقفوا عنده، ولم يتجاوزوا إلى غيره، وزعموا أن الرضا هو المهدي المنتظر. وهم من الفرق البائدة.

الاثنا عشرية:

وهم القائلون بإمامة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين، ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري والمهدي المنتظر. وهم أكثر فرق الشيعة، ومنتشرون اليوم وقبل اليوم في شرق الأرض وغربها، وفيهم العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلمون والفلاسفة وأصحاب الحديث والتفسير، ويأتي التفصيل1.

الزيدية:

ليس لدي مصادر للزيدية، كي أرجع إليها، لذا اعتمدت في حديثي عنهم على مصادر السنّة، والاثني عشرية.

قال صاحب "المواقف" من السنّة ج 8 ص 391:

الزيدية ثلاث فرق:

الأولى:
الجارودية أصحاب أبي الجارود، قالوا بالنص على علي وصفاً لا تسمية، أي ان النبي لم يذكر علياً باسمه حين نص عليه، وإنما ذكره بصفاته، وقالوا: إن خلافة الثلاثة الأولى باطلة، وأن الإمامة بعد علي لولده الحسن، ثم للحسين، ثم هي شورى بين المسلمين على أن تكون في أولاد فاطمة.

الثانية: السليمانية أصحاب سليمان بن جرير، وانكر هؤلاء النص من الأصل وصفاً وتسمية، وقالوا: ان الإمامة شورى وان إمامة أبي بكر وعمر صحيحة، وإمامة عثمان باطلة.

الثالثة: البتيرية أصحاب بتير الثومي، قالوا بمقالة السليمانية، ولكنهم توقفوا في إمامة عثمان، فلم يقولوا بصحتها، ولا ببطلانها.

ثم قال شارح المواقف، الشريف الجرجاني2: هذي هي فرق الزيدية في زماننا، وأكثرهم مقلدون يرجعون في الأصول إلى الاعتزال، وفي الفروع إلى مذهب أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة.

وقال الخواجا نصير الدين الطوسي في كتاب "قواعد العقائد":

قال الزيدية بإمامة علي والحسن والحسين، ولم يقولوا بإمامة زين العابدين، لأنه لم يقم بالسيف، وقالوا بإمامة ولده زيد، لأنه ثار على الباطل، وهم لا يشترطون العصمة بالإمام، ويجوز عندهم قيام إمامين في بقعتين متباعدتين، وكل من جمع خمسة شروط فهو إمام1) أن يكون من ولد فاطمة بنت الرسول من غير فرق بين ولد الحسن وولد الحسين2) أن يكون عالماً بالشريعة 3) أن يكون زاهداً4) أن يكون شجاعاً5) أن يدعو إلى دين اللّه بالسيف. وأكثرهم يأخذ بفقه أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة.

وقال السيد محسن الأمين في "أعيان الشيعة" القسم الثاني من الجزء الأول ص 13 طبعة 1960:
قالت الزيدية: "إن الإمامة تكون بالاختيار، فمن اختير صار إماماً واجب الطاعة، ولا يشترط أن يكون معصوماً، ولا أفضل أهل زمانه، وإنما يشترط أن يكون من ولد فاطمة، وأن يكون شجاعاً عالماً يخرج بالسيف".

وبهذا يتبين معنا أن الزيدية ليسوا من فرق الشيعة في شيء، كما أنهم ليسوا من السنّة ولا من الخوارج، وأنهم طائفة مستقلة بين السنة والشيعة، ليسوا من السنة ولا من الخوارج، لأنهم حصروا الإمامة في ولد فاطمة، وليسوا من الشيعة، لأنهم لا يوجبون النص على الخليفة، هذا، إلى أنهم يأخذون بفقه أبي حنيفة، أو أن فقههم أقرب إلى الفقه الحنفي منه إلى الفقه الشيعي.

وقال السنّة: ان الزيدية أقرب إليهم من جميع فرق الإمامية، لأنهم يوجبون الإمامة بالانتخاب، لا بالنص، ولا يقولون بعصمة الإمام، ويجيزون تقديم الفاضل على الأفضل، ويأخذ أكثرهم بالفقه الحنفي.

وقال الشيعة: إن الزيدية أقرب إليهم من المغالين، لأنهم لا يؤلهون أحداً من الأئمة، وأيضاً أقرب إليهم من السنة، لأنهم يوجبون الإمامة في ولد فاطمة، وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن الزيدية ليسوا من السنة ولا من الشيعة، وإنما هم فرقة مستقلة بذاتها.

الغرض:

والغرض الأول من الإشارة إلى هذه الفرق أن نبين خطأ الذين نسبوا أهل الغلو وغيرهم كالزيدية إلى الشيعة، وأن نؤكد ونوضح أن الضابط الصحيح لتعدد فرق الشيعة وأقسامها ينحصر بالخلاف في عدد الأئمة قلة وكثرة، وفي تعيين أسمائهم وأشخاصهم بعد الاتفاق على أن الإمام يعين بالنص لا بالانتخاب، وأنه إنسان كسائر الناس لا يختلف عنهم في طبيعته، ولا في صفاته الملازمة للإنسان بما هو إنسان... أجل هناك شروط لا بد من توافرها في الإمام باتفاق المسلمين جميعاً، وإن اختلفوا فيما بينهم في نوعها وعددها، كما يظهر مما يلي:
الإمام من أهل البيت:
يشترط في الإمام شروط، أولها عند السنة أن يكون من بيوت قريش، لحديث "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" روى هذا الحديث البخاري في صحيحه ج 9 كتاب "الأحكام".

وقال الشيعة الاثنا عشرية: أن الإمامة خاصة بعلي وولديه الحسن والحسين، ثم لأولاد الحسين فقط. واستدلوا بما رواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 191 طبعة 1348 هجري: أن النبي قال: إن هذا الأمر لا ينقضي، حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، ومثله في صحيح البخاري ج 9 كتاب "الأحكام"، ولكنه ذكر لفظ "أمير" بدل "خليفة".

وعليه تكون فكرة الاثني عشرية إسلامية عامة للسنة والشيعة، ولا تختص بفريق دون فريق.

وقال العلامة الحلي في "شرح التجريد" ص 250 طبعة العرفان: ان المراد بال 12 هم أئمة الشيعة، حيث ثبت بالتواتر أن النبي قال للحسين: ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم.

وروى المحب الطبري الشافعي في كتاب "ذخائر العقبى" ص 136 طبعة 1356 هجري: ان النبي قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوماً واحداً لطول اللّه ذلك اليوم، حتى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه كاسمي. فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول اللّه؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين.

وإذا سأل سائل: لمادا حصر الاثنا عشرية الإمامة بعلي وبنيه، ثم في 12 لا يزيدون ولا ينقصون؟

الجواب:

أما حصر الإمامة بعلي وأولاده فلما قدمناه من أن السنة هم الذين حصروا
الأمامة بقريش فقط دون غيرهم، وقال الشيعة: ما دام الأمر كذلك، فبيت النبي هو أفضل بيوت قريش، ولولاه لم يكن لها هذا الشأن... بل لولا محمد وآله لم يكن للعرب تاريخ ولا ذكر. وفي القسم الثاني من الجزء الثاني من صحيح مسلم ص 54 طبعة سنة 1348 هجري "كتاب الفضائل" أن رسول اللّه قال: إن اللّه اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.

أما حصر الأئمة في 12 فسببه رواية البخاري ومسلم في صحيحيهما التي أشرنا اإليها.

العصمة:
العصمة قوة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ، بحيث لا يترك واجباً، ولا يفعل محرماً مع قدرته على الترك والفعل، وإلا لم يستحق مدحاً ولا ثواباً، أو قل: إن المعصوم قد بلغ من التقوى حداً لا تتغلب عليه الشهوات والأهواء، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطئ معها أبداً 3.

والشيعة الإمامية يشترطون العصمة بهذا المعنى في الإمام، تماماً كما هي شرط في النبي، قال الشيخ المفيد في كتاب "أوائل المقالات" باب "القول في عصمة الأئمة": إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الانام معصومون كعصمة الأنبياء لا تجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة... ولا سهو في شيء من الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم.

وقال العلامة الحلي في كتاب "نهج الحق": ذهب الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش، من الصغر إلى الموت عمداً وسهواً، لأنهم حفظة الشرع والقوامون به، حالهم في ذلك كحال الأنبياء، ولأن الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف للمظلوم من الظالم، ورفع الفساد، وحسم مادة الفتن، ولأن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي، ويحمل الناس على فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، ويقيم الحدود والفرائض. ويؤاخذ الفساق، ويعزر من يستحق التعزير، فلو جازت عليه المعصية، وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد، وافتقر إلى إمام آخر.

أما السبب الأول لقول الشيعة بالعصمة فهو قوله تعالى: "إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً - 33 الأحزاب". وقول الرسول الأعظم: "علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه كيفما دار" وقوله "إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وانهما لم يفترقا، حتى يردا عليّ الحوض". رواه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده. ومن دار معه الحق كيفما دار محال أن يخطئ. وأمْر الرسول بالتمسك بالعترة والكتاب يدل على عصمة العترة من الخطأ، تماماً كعصمة الكتاب، وقوله لن يفترقا، أي لا يخالف أحدهما الآخر.

وروى صاحب كنز العمال من السنة أن النبي قال: "من أحب أن يحيا حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتولَّ علياً وذريته من بعده، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة"4 .

واذا كان النبي هو الذي وصف أهل بيته بالعصمة فأي ذنب للشيعة إذا أطاعوا ربهم، وعملوا بسنّة نبيهم؟!.. لقد أقام المهوشون الدنيا وأقعدوها على الشيعة، لأنهم قالوا بالعصمة، ولو كانت لهم أدنى خبرة بسنة الرسول لقالوا بمقالة الشيعة، أو ألقوا المسؤولية على الرسول نفسه، إن كان هناك من مسؤولية. ثم إن قول الشيعة بعصمة الأئمة الأطهار من آل الرسول ليس بأعظم من قول السنة ان الصحابة كلهم عدول، وأن المذاهب الأربعة يجب اتباعها، وأن اجتهاد الحاكم، أي حاكم، واجتهاد الإمام الأعظم تحرم مخالفتهما، لأن صلاح الخلق في اتباع رأيهما. (المستصفى للغزالي ج 2 ص 355 طبعة بولاق، وأصول الفقه للخضري ص 218 الطبعة الثالثة).

ومهما يكن ، فإن الرجال تعرف بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال، كما قال الإمام يصف نفسه: ما وجد النبي صلى الله عليه وآله لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، وكنت اتبعه اتباع الفصيل اثر أمه. يرفع لي كل يوم نميراً من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به. وهذا معنى العصمة عند الشيعة لا كذب في قول، ولا زلة في فعل.

قال علي أمير المؤمنين. وقد أجمع الموافق والمخالف على أن الأئمة من أهل البيت كانوا على هدي جدهم الرسول صلى الله عليه وآله قولاً وعملاً، وأن الناس كانوا يلجأون إليهم في حل المشكلات والمعضلات، وكانوا يتقربون إلى اللّه سبحانه بتعظيمهم وتقديسهم، تماماً كما كانت الحال بالنسبة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله.

وختاماً نسأل الذين أنكروا على الشيعة القول بالعصمة: هل تنكرون أصل العصمة وفكرتها من الأساس، أو تنكرون عصمة الأئمة فقط؟.. والأول إنكار لعصمة الأنبياء التي اتفق عليها السنة والشيعة، والثاني إنكار لسنة الرسول الذي ساوى بين عترته وبين القرآن. هذا، إلى أن نصوص الشريعة جامدة لا حراك فيها، وإنما تحيا بتطبيقها والعمل بها، وإذا لم يكن القائم على الشريعة هو نفس الشريعة مجسمة في شخصه لم يتحقق الغرض المقصود. لذا قال الإمام: ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق.

العلم:

قال الشيعة الإمامية: "يجب ن يكون الإمام أفضل من جميع رعيته في صفات الكمال كلها من الفهم والرأي والعلم والحزم والكرم والشجاعة وحسن الخلق والعفة والزهد والعدل والتقوى والسياسة الشرعية ونحوها، وبكلمة يلزم أن يكون أطوع خلق اللّه للّه، وأكثرهم علماً وعملاً بالبر والخير"5 .

وفي هذه الشروط وشرط العصمة تتجلى روح الثورة على الباطل، وعلى كل من يتطفل على مناصب ليس بها بأهل. وقد يقال، أو يتوهم أن هذه الشروط جاءت كنتيجة لتنكيل الحكام بالشيعة وما لحقهم من الاضطهاد والتشريد، ولكن الأصل لهذه الشروط قول اللّه تعالى: "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمَّن لا يهدي إلا ن يهدى فما لكم كيف تحكمون" - 35 يونس.

وجاء في الحديث: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" وقال ابن عبد البر، من السنة في كتاب "الاستيعاب" الجزء الثالث المطبوع مع "الإصابة" ص 40 طبعة 1939: "قالت عائشة: إن علياً لأعلم الناس بالسنة، وقال ابن عباس: أُعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وايم اللّه لقد شاركهم في العشر العاشر، وقال ابن عبد البر أيضاً: ما كان أحد يقول: سلوني غير علي".

وروى المحب الطبري في كتاب "الذخائر" ص 17 أن النبي قال: "النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي... نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد".

وبالتالي، فقد تبين بالشواهد والأرقام أن كل شرط اعتبره الشيعة بالإمام يستند إلى ما ثبت من حديث الرسول، تماماً كما يستند إليه أصل التشيع.


1- من المسائل التي اختلف فيها المسيحيون مسألة هل للمسيح طبيعة واحدة أو طبيعتان؟ وادى هذا الاختلاف إلى اغراق الأرض بدماء الملايين.
2- اعتمدنا في ذكرهذه الفرق على الشيخ المفيد في كتاب "العيون والمحاسن" وقد انهاها هو إلى أربع عشرة فرقة.
3- توفي سنة 816هجري.
4- دلائل الصدق أول الجزء الثاني.
5- تلخيص الشافي للطوسي ص 320 ، ودلائل الصدق للمظفر ج 2 ص 17 .

08-03-2016 عدد القراءات 1328



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا