13 آب 2022 م الموافق لـ 15 محرم 1444 هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

دَليلُ العَقْل



دَليلُ العَقْل *

على المجتهد أن يستخرج أحكامه - قبل كل شيء - من أحد الأدلة الثلاثة : الكتاب، والسنة، والإجماع، فمع وجود واحد منها لا يبقى مجال لدليل العقل، وإذا فقدت جميعها لجأ الفقيه إلى الدليل الرابع.

وكان هذا الدليل في الصدر الأول "فكرة المصلحة"1 التي تختلف باختلاف الأنظار والآراء، فلم يكن الأصحاب يعرفون القياس، والبراءة، والاستصحاب، وما إلى ذلك من الأصول التي عرفت بعد عصر الصحابة، فكان الصحابي إذا عرضت له مسألة اجتهد برأيه على أساس المصلحة روح الإسلام غير مقيد بضابط خاص، أو قاعدة معينة، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها هذه الفتوى للخليفة الثاني عمر بن الخطاب :

روى مالك أن الضحاك بن قيس ساق خليجاً له، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى فقال له : تمنعني، وهو لك منفعة ! تسقي منه ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فأمر عمر محمداً أن يخلي سبيله، فقال محمد : لا. قال له عمر : لا تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك. فقال محمد : لا. فقال له عمر : واللّه ليمرن به ولو على بطنك2.

وبعد عصر الصحابة تركز الاجتهاد على أصول خاصة، وقواعد معينة، وقد اختلفت كلمة المذاهب الإسلامية في تعيين الدليل الرابع.

مذاهب السنة والدليل الرابع
قال الحنفية والمالكية : هو القياس، والاستحسان، والاستصلاح3.

وقال الشافعية : هو القياس فحسب، ولا يعتمد على الاستحسان والاستصلاح 4وقال الحنبلية هو القياس والاستصلاح5.

والقياس هو إِلحاق أمر غير منصوص عليه بآخر منصوص عليه، إِلحاقه به في الحكم الشرعي لاتحاد بينهما في العلّة6 مثلاً نص الشرع على أن الجدة لأم ترث، ولم ينص على الجدة لأب، فنورث الجدة لأب قياساً على الجدة لأم، لأن كلتيهما جدة، وهذا أشبه شيء بقياس المساواة، ومن أدلتهم على اعتبار القياس، قوله تعالى (واعتبروا يا أولي الأبصار)7 والشيعة الإمامية منعوا العمل بالقياس، ومن المأثور عنهم، والمشهور على ألسنتهم وفي كتبهم "ليس من مذهبنا القياس" واستثنوا من حرمة العمل بالقياس حالتين : العلة المنصوصة، مثل لا تشرب الخمر، لأنه مسكر، ومفهوم الأولوية، مثل لا تقل لهما أف، والحقيقة انهما ليسا من القياس في شيء، لأن النص في المثال الأول أثبت الحرمة لكل مسكر خمراً كان أو غيره، فالحكم لغير الخمر ثبت بالنص، لا بالقياس، وكذا في المثال الثاني، فإن النص أثبت الحرمة لكلي الاهانة الشاملة للشتم والضرب، وعُبِّر عن العام بأضعف أفراده، وهو التأفيف، للتنبيه على أهمية الطاعة والتأدب مع الوالدين.

أما الاستحسان فقد عرّفه أبو الحسن الكرخي من الأحناف أنه العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي العدول، وقال ابن العربي من المالكية أنه العمل بأقوى الدليلين8 وفسره بعضهم بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته9.

ولم تستطع هذه التعاريف، ولا غيرها أن تحدد لنا حقيقة الاستحسان، وتبين مراد القائلين به، فهي كما ترى لا نفهم منها معنى معيناً يتميز عن غيره، ويحملنا هذا على الظن أن القائلين بالاستحسان أنفسهم لم يفهموه فهماً صحيحاً يرتكز على أساس معقول.

والأمثلة التي ذكروها للاستحسان مختلفة أشد الاختلاف، فمنها ما تنطبق عليه قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" ومنها تنطبق عليه تقديم الأهم على المهم، ومنها ما يدخل في المصالح المرسلة، وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس للاستحسان ضابط معين، وأن اعتماد الفقيه عليه يؤدي إلى الفوضى في الأحكام، ولذا قال الشافعي : من استحسن فقد شرع، أي أحدث شرعاً من قبل نفسه10.

أما الاستصلاح أو المصالح المرسلة فهو أن يُستخرج الحكم من طبيعة المصلحة على شريطة عدم وجود النص، مثل إنشاء الدواوين، وإِقامة المحاكم للفضل بين الناس، وما إلى ذلك مما تستدعيه المصلحة11 ولم أَر في أقوال العاملين بالمصالح المرسلة وأمثلتهم ما يتنافى مع شيء من مذهب الشيعة الإمامية، لأنها في الحقيقة تطبيق للقواعد الكلية، والمبادئ الإسلامية عند فقدان النص.

الشيعة الإمامية والدليل الرابع

إِذا أراد الشيعة الإمامية أن يستخرجوا حكماً شرعياً لمسألة تعرض لهم بحثوا - قبل كل شيء - في نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء باذلين أقصى الجهد في الفحص والتنقيب، فاذا وجدوا نصاً خاصاً أو إجماعاً وقفوا عنده وعملوا وإذا لم يجدوا ذلك لجأوا إلى العمومات والقواعد الكلية التي وردت في نصوص الكتاب والسنة، أو قام عليها الإجماع، مثل أوفوا بالعقود، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤدي، والولد للفراش، والحدود تدرأ بالشبهات، وكل شرط جائز إلا ما حلل حراماً أو حرم حلالاً، وما إلى ذلك، فإذا جهلوا حكم معاملة وقعت بين اثنين، وانه هل يجب الوفاء بالعقد الذي اتفقا عليه أو لا يجب؟ حكموا بوجوب الوفاء تمسكاً بعموم أوفوا بالعقود، وإذا حامت الظنون حول مولود ولد من زوجة شرعية، حامت أنه ولد الزوج الشرعي أو غيره حكموا بأنه ابن شرعي للزوج عملاً بعموم الولد للفراش، وإذا ترددوا في جواز قتل مجرم، حقنوا دمه أخذاً بحديث الحدود تدرأ بالشبهات، وإذا تلف مال الغير في يد إنسان، حكموا عليه بدفع البدل من المثل أو القيمة حتى يقوم الدليل على العكس، وإذا اشترط إنسان على نفسه شرطاً محللاً، ألزموه به استناداً إلى حديث كل شرط جائز إلا ما يحلل حراماً أو يحرم حلالاً، ومتى أعوزهم الإجماع والنصوص الخاصة والعامة لجأوا إلى الدليل الرابع، وهو عندهم الاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، والتخيير، وهذه الأصول الأربعة تشترك جميعها بأنها وظيفة الجاهل بحكم الواقعة بسبب فقدان النص والإجماع، قالوا : إن المجتهد لو طبق عمله على مؤداها يكون معذوراً عند اللّه والناس غير مستحق للوم ولا عقاب أخطأ أم أصاب.

ومعنى الاستصحاب هو الأخذ بالحالة السابقة إلى أن يثبت العكس - مثلاً - استأجر زيد داراً من عمرو، وسكن فيها عشرات السنين حال حياة عمرو، ثم توفي عمرو، فطالب ورثته زيداً بالاجار، فقال : إني تملكت الدار من أبيكم، وسكنتها أمداً طويلاً في حياته دون أن أدفع له درهماً واحداً، لأنها انتقلت إلي بطريق مشروع، فهذ القول لا يسمع من زيد، وذلك عملاً بالاستصحاب، أي كنا نعلم أن زيداً وضع يده على الدار في بدء الأمر على سبيل الاجار، فنأخذ بالحالة الأولى لليد إلى أن تقوم البينة المعاكسة، فكما علمنا بالاجار السابق يجب أن نعلم بحدوث الملك اللاحق، لأن العلم لا يرفعه إلا العلم، والحجة لا تدفع إلا بالحجة، وهذا معنى قول الإمام الصادق عليه السلام "من كان على يقين ثم شك فلا ينقض اليقين بالشك ان اليقين لا ينقضه إلا اليقين".

أما أصل البراءة فمورده الشك بالتكليف مع عدم العلم بالحالة السابقة، كحضور الأفلام السينمائية، وتسجيل الأصوات، وما إلى ذلك من المواضيع التي وجدت بعد عصر التشريع، والتي ستوجد، فنحكم بإِباحتها استناداً إلى ما ثبت شرعاً من أن كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي، وعقلاً من أن العقاب بلا بيان قبيح.

أما الاحتياط فواجب مع العلم بوجود التكليف الملزم، واشتباه الشيء المكلف به مردداً بين أمرين أو أمور محصورة، كما لو علمنا أن شفاء المريض في شيء من شيئين، أحدهما ينفعه، والآخر لا يضره ولا ينفعه، ولم نستطع التمييز بين الاثنين، فيجب - والحالة هذه - الاحتياط بشربهما معاً، أو علمنا أن هناك أمرين، أحدهما يضره، والآخر لا يضره ولا ينفعه، وعليه يجب تركهما معاً، فالاحتياط يكون بالفعل كما يكون بالترك، ومستند الاحتياط حكم العقل بوجوب دفع الضرر والبعد عنه.

اما التخيير فواجب فيما إِذا تردد فعل بين أن يكون إِما واجباً لا يجوز تركه، وإِما محرماً لا يجوز فعله، كما لو علمنا أن إنساناً حلف على شيء، ولكن لم يتذكر أنه حلف على فعله يوم الجمعة مثلاً أو على تركه، فيختار - والحالة هذه - الفعل أو الترك، أو فيما إذا كان هناك واجبان متساويان في الأهمية، ولا يستطيع المكلف الإتيان بهما معاً، فيختار حينئذ فعل أحدهما وترك الآخر، أو فيما إذا علم المكلف بوجوب أحد شيئين، وحرمة الآخر، وعجز عن التمييز بين الواجب والمحرم، فيختار أيضاً فعل أيهما شاء وترك الآخر، لأنه إن تركهما معاً يقع في المخالفة القطعية بترك الواجب، وإن فعلهما معاً يقع فيها بفعل المحرم، وإن فعل أحدهما دون الآخر يحتمل أن الذي أتى به هو الواجب، وبذلك يحصل الفرار من المخالفة القطعية إلى الموافقة الاحتمالية12 ومعنى المخالفة القطعية أن يعلم الإنسان أنه خالف الحق والواقع يقيناً، خالفه بتركه الواجب، أو بفعله المحرم، ومعنى الموافقة الاحتمالية أن يحصل له هذا العلم.

وقد أخذت مذاهب السنة بالاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير في كثير من الموارد كما أخذت الشيعة بالاستصلاح والعلة المنصوصة ومفهوم الموافقة، ولكن أركان الدليل الرابع وأقسامه الرئيسية عند أولئك هي القياس والاستحسان والاستصلاح، وعند هؤلاء الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير.

نكتفي بهذه الإشارة إلى أقوال المذاهب تاركين التفصيل في بيان الشروط والأقسام، والمقارنة، لأن المقام لا يتسع للمزيد، فقد وضع علماء الأصول من السنة والشيعة في هذا الدليل كتباً ضخمة مستقلة، على أن غرضنا ينحصر هنا في التعريف بالدليل الرابع فحسب، لنثبت أنه من أبرز مظاهر الاجتهاد، ولهذا سمي بالدليل الاجتهادي.

وقد وجد علماء الشيعة فيه ميداناً فسيحاً لاجتهادهم، فأحدث المتأخرون قواعد فقهية جديدة، وعدلوا كثيراً من القواعد القديمة، فنفوا أحكاماً أثبتها المتقدمون، وأثبتوا أحكاماً لم يعرفها أحد ممن سبقهم، قلّموا وطعَّموا جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات فمن القواعد التي اكتشفوها من عهد قريب : قاعدة مجهول التاريخ13 والأصل المثبت وقاعدة اليقين، والشبهة المصداقية14، وما إلى ذلك مما يصدق عليه بحق أنه فقه جديد بالقياس إلى فقه المتقدمين، وهذا كتاب رسائل الشيخ الأنصاري، وكفاية الخراساني، وتقريرات النائيني دليل على هذه الحقيقة.

والخلاصة أن الاجتهاد يكون مع وجود الأدلة الأربعة، فمع نصوص القرآن يكون في الفهم والاستنباط، ومع السنة يكون في سند الحديث، وفهم ألفاظه، ويكون في الإجماع في إِمكان تحققه، وفي عدم الأخذ به إذا علم سببه، وإذا حصل في عصر أو عصرين، أما الدليل الرابع فكما قدمنا من أبرز مظاهر الاجتهاد، حيث لا نص ولا إِجماع.

على هذا الأساس، أساس الاجتهاد في فهم الأدلة الأربعة، والعمل بمقتضاها نستخرج أحكاماً شرعية تتلاءم مع طبيعة الحياة، ولا تتنافى مع شيء من نصوص الكتاب والسنة، وإِجماع الأمة ودليل العقل، وبهذا المقياس نقيس جملة من الأحكام الموجودة في كتب الفقه، فننفي منها ما تأباه الضرورة، ولا يدل عليه دليل شرعي، ونقر ما أقرته الحاجة والشريعة الإسلامية.


* - نشر في العرفان عدد نيسان 1952.
1- كتاب المدخل إلى علم أصول الفقه ص 83 للدكتور الدواليبي.
2-  المدخل إلى علم أصول الفقه ص 259 للدكتور الدواليبي.
3- المرجع السابق ص 323 - 326.
4- نفس المرجع ص 332.
5- نفس المرجع ص 336.
6- نفس المرجع ص 279.
7- شرح جمع الجوامع لابن السبكي المطبوع مع حاشية البناني ج 2 ص 215 وفلسفة التشريع للأستاذ المحمصاني 122 طبعة ثانية.
8- المدخل إلى علم أصول الفقه ص 271 - 272 للاستاذ الدواليبي.
9- شرح جمع الجوامع لابن السبكي المطبوع مع حاشية البناني ص 224.
10- نفس المرجع والصفحة.
11- المدخل إلى علوم أصول الفقه ص 273 - 277 وما بعدها للأستاذ الدواليبي.
12- رسائل الأنصاري المطلب الثالث من باب الشك في المكلف به.
13- قاعدة مجهول التاريخ نشرت مفصلة بجميع أقسامها وأحكامها في النشرة القضائية لوزارة العدلية اللبنانية عدد آب سنة 1951.
14- الأصل المثبت، وقاعدة اليقين، والشبهة المصداقية نشرت مفصلة في مجلة رسالة الإسلام المصرية بعنوان أصول الفقه بين القديم والجديد عدد رمضان 1369 هجري.

08-03-2016 عدد القراءات 1496



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا