19 آب 2022 م الموافق لـ 21 محرم 1444 هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

انشعابُ الشيعة



ا- انشعابُ بعض الفِرق وانقراضها.
٢- الزيديّة.
٣- الإسماعيليّة وانشعاباتها.
٤- النزاريّة، والمُستعلية، والدروزيّة، والمُقنّعة.
٥- الشيعة الاثنا عشريّة، واختلافها مع الزيديّة والإسماعيليّة.
٦- موجز عنٌ تاريخ الشيعة الاثني عشريّة.

١- انشعابُ بعض الفِرَق وانقراضها

يشتمل كلّ مذهب على مسائل وأمور تُعتبر الأُسس الأوّليّة لذلك المذهب، وهناك مسائل ثانويّة، واختلافُ أهل المذاهب في كيفيّة المسائل الأصليّة والرئيسيّة ونوعيّتها مع الاحتفاظ بالأصول المشتركة بينها، يسمّى انشعاباً.

توجد الانشعابات في جميع الأديان، وخاصّة في الأديان السماويّة: اليهوديّة، والمسيحيّة، والمجوسيّة، والإسلام، ويظهر الانشعاب في مذاهبها أيضاً، والمذهب الشيعي لم يطرأ عليه، ولم يظهر فيه أيّ انشعاب في زمن أئمّته الثلاثة: (الإمام علي، والحسن، والحسين عليهم السلام)، ولكن بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، اعترفَ أكثريّة الشيعة بإمامة علي بن الحسين عليه السلام السجّاد، وذهبَ الأقلّيّة منهم والذين عُرفوا بالكيسانيّة، إلى الاعتقاد بإمامة محمّد بن الحنفيّة إماماً رابعاً لهم، وهو المهدي الموعود عندهم، ويعتقدون أنّه قد غابَ في جبل رضوى وسيظهر يوماً.

وبعد وفاة الإمام السجّاد عليه السلام اعتقدَ أكثريّة الشيعة بإمامة ابنه محمّد الباقر عليه السلام، وذهبَ الأقلّيّة منهم إلى التمسّك بمذهب زيد الشهيد، وهو الولد الآخر للإمام السجّاد عليه السلام، واشتهروا بالزيديّة.

وبعد وفاة محمّد الباقر عليه السلام آمنَ شيعته بولَده الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وبعد وفاته ذهبَ الأكثريّة إلى أنّ الإمام السابع هو ولَده الإمام موسى الكاظم عليه السلام، واعتقدَ فريق أنّ إسماعيل ابن الإمام الأكبر هو الإمام السابع، والذي وافاه الأجل في زمن أبيه الصادق، وانفصلَ هؤلاء عن الأكثريّة الشيعيّة، وعُرفوا بالإسماعيليّة، وذهبَ البعض إلى إمامة عبد الله الأفطح ابنه الآخر، وذهبَ الآخرون إلى إمامة محمّد وتوقّف بعض في إمامته، واعتبروه آخر الأئمّة.

وبعد استشهاد الإمام موسى الكاظم عليه السلام، ذهبَ الأكثريّة إلى إمامة ابنه الرضا عليه السلام، إماماً ثامناً، وتوقّف جماعة في إمامة الإمام السابع، واشتهروا بالواقفيّة.

ولم يظهر انشعاب بعد الإمام الثامن وحتّى الإمام الثاني عشر، وهو عند الأكثريّة المهدي الموعود، وإذا ما كانت هناك حوادث أو وقائع، فإنّها لم تكن سوى أيّام معدودة ولم يَحدث انشعاب، وعلى فرض حدوث انشعاب لم يدُم كثيراً، وانتهى إلى الانصهار، كما حدثَ بعد وفاة الإمام العاشر، إذ ادّعى ولَده جعفر الإمامة وتَبعهُ جَمعٌ، إلاّ أنّهم تفرّقوا وتشتّتوا بعد فترة قصيرة، ولم يُتابع جعفر دعوته هذه، وهناك اختلاف في الآراء بين رجال الشيعة في المسائل العلميّة والكلاميّة والفقهيّة، إذ لا يمكن اعتبارها انشعاباً في المذهب.

انقرَضت الفِرَق المذكورة التي انشعبت وظهرت أمام الأكثريّة الشيعيّة في زمن قصير، عدا الفِرقة (الزيديّة) و(الإسماعيليّة) اللتان استقامتا، ولا يزال مُعتنقو هذين المذهبين يعيشون في مناطق مختلفة من العالَم: كاليمن، والهند، ولبنان، ومناطق أخرى، فعلى هذا نكتفي بذكر هاتين الطائفتين مع الأكثريّة الشيعيّة وهم الاثنا عشريّة.

٢- الزيديّة

تُعتبر (الزيديّة) من تابعي زيد الشهيد ابن الإمام السجّاد عليه السلام.

ثارَ زيد سنة ١٢١ للهجرة بوجه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وبايعهُ جماعة، وقُتل في حربٍ وقعت في مدينة الكوفة، بينه وبين مؤيّدي الخليفة.

يُعدّ زيد لدى أصحابه الإمام الخامس من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، واستخلفهُ بعده ابنه (يحيى بن زيد) الذي ثارَ على الخليفة الأموي (الوليد بن يزيد)، وجاء بعده (محمد بن عبد الله) و(إبراهيم بن عبد الله)، اللذان قاما وثارا على الخليفة العبّاسي (المنصور الدوانيقي) وقُتلا، فهؤلاء هم من أئمّة الزيديّة.

ومنذ ذلك الوقت كانت أمور (الزيديّة) غير منتظمة، حتّى ظهور (ناصر الأطروش) وهو من نَسل أخي زيد في خراسان، وعلى أثر المطاردات التي قامت بها الدولة آنذاك، اضطرّ أن يفرّ إلى مازندران، ولم يكن أهالي هذه المنطقة قد اعتنقوا الإسلام، وبعد دعوةٍ دامت ثلاث عشرة سنة، استطاع أن يُدخل جَمعاً كثيراً في الإسلام، فاعتنقوا مذهب (الزيديّة)، واستطاع بعدها وبمساعدة هؤلاء أن يسيطر على ناحية طبرستان وصارَ فيهم إماماً وقائداً، واستخلفهُ من بعده أولاده يَسوسون الناس في تلك الديار.

وتعتقد (الزيديّة) أنّ كلّ: فاطمي، عالم، زاهد، شجاع، سخي، يثور لإحقاق الحق، يستطيع أن يكون إماماً.

كانت الزيديّة في الابتداء مثل: زيد، تَعتبر الخليفتين الأوّلَين (أبا بكر وعمر) من الأئمّة، ولكن بعدها أسقطَ جماعة منهم اسم هذين الخليفتين من أسماء أئمّتهم، وابتدأوا بالإمام علي عليه السلام.

وحسب ما يقال إنّ الزيديّة تتّبع المعتزلة في الإسلام، وتوافِق فقه أبي حنيفة في الفروع، وهناك اختلاف يسير بينهم في بعض المسائل.

٣- الإسماعيليّةُ وانشعاباتها

الباطنيّة: كان للإمام السادس للشيعة ولد يُدعى (إسماعيل) وهو أكبر وِلده، توفيَ في زمن أبيه، وشهدَ الأب وفاة ابنه، وطلبَ الشهادة من حاكم المدينة أيضاً على وفاة وَلَده، إلاّ أنّ هناك فريقاً يعتقد بعدم وفاة إسماعيل، وأنّه اختار الغيبة، وسوف يظهر ثانية وهو المهدي الموعود.

ويتّضح أنّ إشهاد الإمام السادس على وفاة وَلَده كان على علمٍ وعَمد، وذلك خوفاً من المنصور الخليفة العبّاسي، واعتقدَ جماعة أنّ الإمامة الحقّة هي لإسماعيل، ومع موته انتقلت إلى محمّد، واعتقدَ الآخرون أنّ إسماعيل وإن أدركهُ الموت في زمن أبيه، إلاّ أنّه إمام، ومحمّد بن إسماعيل ومَن جاء بعده من هذه السُلالة أئمّة أيضاً.

انقرضَ الفريقان الأوّلان بعد زمنٍ وجيز، وبقيت الفرقة الثالثة حتّى وقتنا الحاضر، وقد انشعبت انشعابات عدّة.

لدى (الإسماعيليّة) فلسفة تشبه فلسفة عَبَدَة النجوم، وفيها شيء من التصوّف الهندي، ويذهبون إلى أنّ المعارف والأحكام الإسلاميّة، لها ظاهر وباطن، فلكلّ ظاهر باطن ولكلّ تنزيل تأويل، وتعتقد أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، وحُجّة الله على نوعين: ناطق، وصامت، فالناطق: هو النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، والصامت: هو الوليّ أو الإمام، وهو وصيّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلى أيّة حال، فإنّ الحُجّة هي المظهر الكامل للربوبيّة.

أساس الحجّة عندهم يدور دائماً على العدد (٧)، بهذا الترتيب: أنّ كلّ نبي عندما يُبعث يختصّ بالنبوّة (الشريعة) والولاية، ويأتي بعده سبعة أوصياء، لكلّ منهم الوصاية، ويُعتبر جميعهم في نفس المنزلة والشأن، سوى الوصي السابع الذي يختصّ بالنبوّة أيضاً، ويتّصف بثلاثة مناصب: النبوّة، والوصاية، والولاية، وبعده سبعة أوصياء، وللسابع منهم ثلاثة مناصب، وهكذا.

فهم يقولون: إنّ آدم عليه السلام بُعث بالنبوّة والولاية، وكان له سبعة أوصياء، وسابعهم نوح النبي، وكان يختصّ بالنبوّة والوصاية والولاية، والنبي إبراهيم هو الوصي السابع لنوح، والنبي موسى سابع الأوصياء لإبراهيم، والنبي عيسى سابع الأوصياء لموسى، ومحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم سابع الأوصياء لعيسى، ومحمّد بن إسماعيل الوصي السابع لمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، بهذا الترتيب:
محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلي، والحسين، وعلي بن الحسين، والسجّاد، ومحمّد الباقر، وجعفر الصادق، وإسماعيل، ومحمّد بن إسماعيل (الإمام الثاني الحسن بن علي، لا يعدّونه من الأئمّة)، وبعد محمّد بن إسماعيل سبعة من نَسله وولده، أسماؤهم مخفيّة مستورة، وبعدهم سبعة من مُلوك الفاطميين لمصر، أوّلهم عبيد الله المهدي مؤسِّس حكومة الفاطميين بمصر.

تعتقد الإسماعيليّة: بأنّ هناك اثنى عشر نقيباً موجودين دائماً على الأرض، فضلاً عن وجود حُجّة الله، فهم حواريو الحجّة وخاصّته، ولكنّ لبعضٍ منهم وهم (الدروزيّة) الباطنيّة، تَعتبر وتَعدّ ستة من الأئمّة نُقباء، والستّة الآخرين من غيرهم.

ظهرَ شخص مجهول الهويّة سنة ٢٧٨ هجري في مدينة الكوفة (قَبل ظهور عبيد الله المهدي بسنوات)، وكان خوزستاني الأصل، وكان يقضي نهاره صائماً، وليلهُ قائماً عابداً، ويسدّ رَمقه من كسبه وعمله، كان يدعو لمذهب (الإسماعيليّة)، فاستطاع أن يكسب جماعة، ليكونوا له أنصاراً وأعواناً، فانتَخبَ منهم اثني عشر شخصاً على أنّهم النُقباء، ثُمّ خرجَ من الكوفة متّجهاً إلى الشام، وما عُرفَ عنه شيء.

استخلفَ هذا الرجل المجهول في العراق، رجلاً كان يُدعى أحمد ويُعرف بـ (القرمط)، فبثّ تعاليم الباطنيّة، وكما يشير المؤرِّخون بأنّه ابتدعَ صلاة جديدة، بدلاً من الصلوات الخَمس في الإسلام، وألغى غُسل الجنابة، وأباحَ شُرب الخمر، وظهرَ في نفس العصر، زُعماء آخرون يدعونَ إلى الباطنيّة جَلبوا جماعة من الناس حولهم.

فكان هؤلاء يتعرّضون لأنفس وأموال مَن لا يَعتنق مذهب الباطنيّة، واستمرّوا في حركتهم هذه في: العراق، والبحرين، واليمن، والشام، قَتلوا الأبرياء، ونهبوا الأموال، وسلبوا قوافل الحَجيج، سفكوا دماء الآلاف منهم، ونهبوا أمتعتهم وراحلتهم.

استولى (أبو طاهر القرمطي) أحد زعماء الباطنيّة على البصرة سنة ٣٢١ هجري، فَقتلَ الناس، ونهبَ الأموال، ثُمّ اتّجه إلى مكّة مع جَمعٍ من الباطنيّة سنة ٣١٧ هجري، وبعد صراعٍ مع أفراد الشرطة دخلَ مكّة، فقتل أهلها والحِجّاج الواردين إليها، فسالت الدماء في بيت الله الحرام والكعبة، وقسّم ستار الكعبة بين أنصاره، وقلعَ باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود من مكانه، ونقلهُ إلى اليمن وبقيَ هناك عند القرامطة مدّة اثنين وعشرين عاماً.

على أثر هذه الأعمال، أبدى عامّة المسلمين تذمرّهم وتنفرّهم من الباطنيّة، واعتبروهم خارجين عن دين الإسلام، حتّى (عبيد الله المهدي) أحد ملوك الفاطميين - الذي كان قد ظهرَ في أفريقيا، وادّعى لنفسه المهدويّة، وأنّه المهدي الموعود، وإمام الإسماعيليّة - قد تبرّى أيضاً من القرامطة آنذاك.

وحسب ما يقرّه المؤرِّخون أنّ المعيار الديني للباطنيّة هو: تأويل الأحكام الظاهرة للإسلام إلى مراحل باطنيّة صوفيّة، ويعتبرون ظاهر الشريعة خاصّاً للأمّيين من الناس، الذين لم يتدرّجوا طريق الكمال، ومع هذا كلّه، فقد كانت تصدر قوانين وأحكام معيّنة من أئمّتهم وزعمائهم بين حينٍ وآخر.

٤- النزاريّة، والمُستعلية، والدروزيّة، والمُقنّعة

ظهرَ (عبيد الله المهدي) سنة ٢٩٦ للهجرة في أفريقيا، وادّعى الإمامة على طريقة الإسماعيليّة، وأسّس الدولة الفاطميّة، واختارَ خلفاؤه مصر دار خلافتهم، فَحكمَ سبعة منهم على التوالي حكومة وإمامة طبق مذهب(الإسماعيليّة)، دون أن يحدث انشعاب أو انقسام.

وبعد الخليفة السابع وهو (المستنصر بالله، سعد بن علي)، تنازعَ ولداه (نزار) و (المستعلي) على الخلافة والإمامة، وبعد صراع وحروب دامية، كانت الغَلبة للمستعلي، فألقى القبض على أخيه نزار، وسَجَنه وبقيَ في السجن حتّى توفيَ فيه.

وعلى أثر هذه المنازعة، انقسمَ أتباع الفاطميين إلى قسمين: نزاريّة، ومُستعلية.

النزاريّة: هم من أتباع الحسن بن الصبّاح، وكان من المقرّبين للمستنصر، وبعد المستنصر أُخرِج من مصر بأمرٍ من المستعلي، لدفاعه وحمايته عن نزار، فجاء إلى إيران وبعد فترة ظهر في قلعة الموت من نواحي قزوين، فاستولى على هذه القلعة وقلاع أخرى مجاورة، فصار سلطاناً عليها، ودعا إلى نزار في البداية.

وبعد وفاة (حسن) سنة ٥١٨ هجري، جاء (بزرك أميد رودباري)، وبعده ابنه (كيّا محمد) حَكَما على طريقة (الحسن الصبّاح)، وجاء بعده ابنه (علي) رابع ملوك قلعة الموت، فغيّر طريقة الحسن الصبّاح وكانت نزاريّة، وانتمى إلى الباطنيّة.

فتح هولاكو خان بعد حَملته على إيران قلاع الإسماعيليّة وقَتلَ جميع الإسماعيليين، وهدّم قلاعهم.

وبعد سنة ١٢٥٥ هجري، ثارَ آقا خان المحلاّتي - وكان من النزاريّة - على محمّد شاه القاجار، وفشلَ في نهضته التي قام بها في مدينة كرمان وهربَ إلى بمبئي، فنشرَ الدعوة الباطنيّة النزاريّة بإمامته وزعامته هناك، ولا تزال دعوتهم باقية حتّى الآن، وتُدعى النزاريّة الآن بالـ (آقا خانيّة).

المُستعلية: استقرّت الإمامة لأتباع المُستعلي الفاطمي في خلفاء الفاطميين بمصر، حتّى انقرضت سنة ٥٥٧ هجري، وظهرت بعد فترة فرقة (البُهْرَة) في الهند على الطريقة نفسها، ولا تزال موجودة.

الدروزيّة: الطائفة الدروزيّة التي تقطن الآن في جبال (دروز) في الشام، كانت في بداية الأمر تابعة للخلفاء الفاطميين، حتّى أيّام الخليفة السادس الفاطمي، دَعت إلى (نشتجين الدروزي) والتحقت بالباطنيّة.

تقف الدروزيّة عند الخليفة (الحاكم بالله) ويعتقد آخرون أنّه قُتل، إلاّ أنّها تدّعي أنّه غابَ عن الأنظار، وعرجَ إلى السماء، وسوف يعود مرّة ثانية بين الناس.

المُقَنَّعة: كانت من أتباع (عطاء المروي) المعروف بالمُقنّع في بادئ الأمر، وحسب ما يذكره المؤرِّخون أنّه كان من أتباع أبي مسلم الخراساني، وبعد وفاة أبي مسلم، ادّعى أنّ روح أبي مسلم قد حلّت فيه، وادّعى النبوّة بعد ذلك، وبعدها ادّعى الإلوهيّة، وحوصِر سنة ١٦٢ في قلعة كيش من بلاد ما وراء النهر، وعندما تيقّن بمحاصرتهِ وقَتلهِ، أشعلَ ناراً، ودَخل فيها مع عدّة من أصحابه واحترق، اختار أصحاب عطاء بعد زمنٍ مذهب الإسماعيليّة والتَحقوا بالفرقة الباطنيّة.

٥- الشيعةُ الاثنا عشريّة، واختلافها مع الزيديّة والإسماعيليّة

إنّ الأقلّيّة الشيعيّة التي مرّ ذكرها تنشعب عن الأكثريّة الشيعيّة الإماميّة، وتسمّى بالاثني عشريّة أيضاً، وكما ذكرنا آنفاً كان بداية نشوئهم هو: الاعتراض والانتقاد لمسألتين أساسيّتين من المسائل الإسلاميّة، عِلماً بأنّهم لم يُعارضوا القوانين التي كانت وفقاً لتعاليم الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بين المسلمين، والمسألتان هما: (الحكومة الإسلاميّة، والمرجعيّة العلميّة)، وتعتقد الشيعة بأنّ تلك المسألتين من حقّ أهل البيت خاصّة.

تؤمن الشيعة الاثنا عشريّة أنّ الخلافة الإسلاميّة - بما فيها من ولاية باطنيّة وقيادة معنويّة وهما جزءان لا ينفكّان عنها - من حقّ علي وأولاده (عليهم السلام)، وبموجب تصريح النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم وسائر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، أنّهم اثنا عشر إماماً، وتؤمن أيضاً أنّ التعاليم الظاهريّة للقرآن والتي تُعتبر من أحكام الشريعة، تشتمل على الحياة المعنويّة الكاملة ولها أصالتها واعتبارها، ولا يعتريها أيّ نسخ حتّى قيام الساعة، ويجب أن تؤخذ هذه الأحكام والقوانين عن طريق أهل البيت لا غير، ومن هنا يتّضح:
أنّ الاختلاف الأصلي بين الشيعة الإماميّة والشيعة الزيديّة هو: أنّ الشيعة الزيديّة غالباً لا تَحصر الإمامة في أهل البيت، ولا تَقتصر في عدد الأئمّة على الاثني عشر، ولا تتّبع فقه أهل البيت، على خلاف الشيعة الإماميّة.

والفارقُ الأساسي بين الشيعة الإماميّة والشيعة الإسماعيليّة هو: أنّ الإسماعيليّة تعتقد بأنّ الإمامة تدور على (سبع) ولم تُختم النبوّة في محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا تمتنع من تغيير أو تبديل أحكام الشريعة، وحتّى ارتفاع أصل التكليف، خاصّة على قول الباطنيّة، على خلاف مذهب الشيعة الإماميّة الذي يعتقد بخاتميّة النبوّة في محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنّه خاتم الأنبياء وله اثنا عشر وصيّاً، وتَعتبر ظاهر الشريعة غير قابل للنسخ، ويُثبتون للقرآن ظاهراً وباطناً.

أمّا طائفتا: الشيخيّة، والكريمخانيّة، واللتان ظهرتا في القرنين الأخيرين بين الشيعة الإماميّة، فلم نعدّهما انشعاب، لأنّ اختلافهما معاً يدور حول توجيه وتفسير بعض المسائل النظريّة، وليس في إثبات أو نفي أصل المسائل.

وكذا فرقة (علي اللهيّة) بالنسبة للشيعة الإماميّة، ويسمّون بـ(الغُلاة) أيضاً، فهم مثل الباطنيّة للشيعة الإسماعيليّة، يعتقدون بالباطن فقط، وبما أنّهم يفتقرون إلى منطق دقيق، فلم نعدّهم في حساب الشيعة.

٦- موجزٌ عن تاريخ الشيعة الاثني عشريّة

كما أشرنا في الفصول المتقدّمة: أنّ أكثريّة الشيعة هم الاثنا عشريّة، وهم أصحاب علي وأنصاره، الذين رَفعوا راية المعارَضة والانتقاد في موضوع الخلافة والمرجعيّة العلميّة بعد وفاة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وذلك لإحياء حقوق أهل البيت، وبهذا انفصلوا عن أكثريّة الناس.

كانت الشيعة مضطهدة في زمن الخلفاء الراشدين (سنة ١١ - ٣٥ هجري)، ولم تكن لهم صيانة أو حماية لأنفسهم وأموالهم طوال حكومة بني أُميّة وخلافتهم (٤٠ - ١٣٢ هجري)، وكلّما ازدادَ عليهم الضغط والاضطهاد، كانوا أشدّ عَزماً في إرادتهم، وأكثر رسوخاً في عقيدتهم، وكانوا يستفيدون من مظلوميّتهم في سبيل عقيدتهم وتقدّمها ونشرها.

ففي الفترة ما بين الدولتين الأمويّة والعبّاسيّة، حيث تسلّم خلفاء بني العبّاس الحُكم، كانت فترة ضُعف وانهيار، استطاع الشيعة أن يتنفّسوا الصعداء، وذلك في أواسط القرن الثاني للهجرة، ولكن سرعان ما عاد التضييق والاضطهاد عليهم، وازدادَ شيئاً فشيئاً حتّى أواخر القرن الثالث الهجري.

وفي أوائل القرن الرابع الهجري، استعادَ الشيعة قدرتهم بمجيء سلاطين آل بويه، وكانوا من الشيعة، وحَصلت على حريّة فكريّة، وشَرعت بنضالها، واستمرّت حتّى نهاية القرن الخامس الهجري.

وفي أوائل القرن السادس الهجري، الذي يقترن مع حَملة المغول، وعلى أثر المشاكل العامّة، وكذا استمرار الحروب الصليبيّة، فالحكومات الإسلاميّة رفعت الاضطهاد والضغوط عن الشيعة، وخاصّة بعد اعتناق بعض سلاطين المغول في إيران دين الإسلام، وساهمت حكومة سلاطين مرعش في مازندران في قدرة الشيعة وتوسّعها، ممّا جَعلَ الشيعة يتمتّعون بكثرة عددهم في كلّ بُقعة من بِقاع الممالك الإسلاميّة وخاصّةً في إيران، حيث كان الملايين من الشيعة، واستمرّت الحالة هذه حتّى أواخر القرن التاسع الهجري.

وفي بداية القرن العاشر الهجري، إثرَ ظهور الدولة الصفويّة في إيران المتّسعة الأرجاء آنذاك، اعتُرِف رسميّاً بمذهب الشيعة، ولا يزال حتّى الآن أواخر القرن الرابع عشر الهجري يُعتبر مذهباً رسميّاً للبلاد، وفضلاً عن هذا كلّه، فإنّ عشرات الملايين من الشيعة تعيش حالياً في جميع بقاع العالَم.

08-03-2016 عدد القراءات 1249



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا