4 تموز 2022 م الموافق لـ 04 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

 

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

التشيّع في ثَلاث مَراحِل



قدمنا في الصفحات السابقة أن قول النبي صلى الله عليه وآله: "من كنت مولاه فعلي مولاه" هو السبب الأول لقول من قال بأحقية علي بالخلافة، وأن قوله "علي مع الحق والحق مع علي" سبب للقول بعصمته، وأن قوله "يخرج المهدي ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً" سبب للقول بالمهدي المنتظر، حيث لا يسع المسلم بما هو مسلم أن يتجاهل أقوال نبيه الكريم التي رواها الثقات، وأثبتها أصحاب الصحاح في صحاحهم.

ولكن هذه الأحاديث، وما إليها لا تؤتي ثماره، ولا تعمل عملها بدون دعاة وحماة يبينونها للناس، ويعملون على بثها ونشرها. فمن هم الذين دعوا إلى التشيع؟ وما هي الأساليب التي استعملوها لبثه ونشره؟

والجواب عن هذا السؤال يستوعب كتاباً ضخم، لأن رواد التشيع والذابين عنه لا يبلغهم الإحصاء، ولكن نستطيع أن نقسم الدعوة إلى التشيع باعتبار الأدلة التي كان يعتمدها الدعاة إلى ثلاثة أدوار: ويبدأ الدور الأول بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله ، وينتهي بانتهاء العصر الأموي. ويبدأ الثاني بعهد الإمام الصادق، أي بأول العهد العباسي. ويمتد إلى عصر الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هجري، وينتهي هذا الدور بالعلامة الحلي (ت 726هجري) الذي وضع أجوبة الشبهات ونقضها بشتى أنواعها في وضعها النهائي، ولم يدع فيها زيادة لمن جاء بعده، ونذكر من كل دور أفراداً - على سبيل المثال لا الحصر - كان لهم الأثر البالغ في بث التشيع ونشره.

الدور الأول:

إن انتشار الإسلام وامتداده إلى شرق الأرض وغربها لا يستند إلى الفتوحات الإسلامية، وقوة المسلمين فحسب1 وإنما يستند أولاً وقبل كل شيء إلى مبادئه الإنسانية، وشريعته السهلة السمحة، ولولاها لم يكتب له النجاح والبقاء، حتى اليوم، وإلى آخر يوم، وكذلك مبدأ التشيع فإنه مدين في نجاحه واستمراره إلى كتاب اللّه وسنة الرسول، لا إلى هيئة من الهيئات، أو فرد من الأفراد، فمن دعا إليه تسلح بكتاب اللّه وسنة نبيه، ومن اعتنقه اعتنقه طاعة للّه ورسوله. ومن هنا اعتمد دعاة التشيع أول ما اعتمدوا على ما جاء في كتاب اللّه سبحانه بحق علي خاصة، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - 55 المائدة" وغيرها من الآيات التي بحق علي خاصة، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - 55 المائدة" وغيرها من الآيات التي ذكرناها في كتاب "علي والقرآن"، واعتمدوا على ما نزل في أهل البيت عامة، كآية التطهير، وآية المودة، وآية المباهلة، وعلى الأحاديث النبوية، كحديث الغدير، وحديث المنزلة، وحديث مدينة العلم، وحديث المؤاخاة، وما إليه وإذا تعدوا الآيات والأحاديث فإلى فضائل الإمام، كزهده، وعلمه، وشجاعته، وسبقه إلى الإسلام، وجهاده، وتصلبه في جانب اللّه.

وكانت مظاهر التشيع في هذا الدور غاية في الوضوح، غاية في البساطة، فلا عيد غدير، ولا شهادة أن علياً ولي اللّه في الأذان، لا شيء سوى الإيمان بأن الخلافة بعد الرسول حق إلهي لعلي بن أبي طالب، وكان أول من أعلن هذا الحق ودعا إليه السيدة فاطمة أم الحسنين أعلنته في خطبتها الأولى بالمسجد الجامع، وفي خطبتها الثانية ببيتها على نساء المهاجرين والأنصار، وقد أبنا ذلك في كتاب مع "بطلة" كربلاء وقلنا: إن الغاية الأولى من كلتا الخطبتين أن تعلن للأجيال حق بعلها في خلافة أبيه، وإن المطالبة بفدك كانت وسيلة لهذه الغاية.

أجل، منذ اليوم الأول لفاجعة كربلاء، والشيعة يتوافدون إلى زيارة قبر الحسين، ويقيمون المآتم الحسينية، وإن لم تكن على الشكل الذي عليه الآن، وأول من زار الضريح المقدس الصحابي المعروف جابر بن عبد اللّه الأنصاري، مع جماعة من الشيعة، وأول من رثاه أبو باهل الجمحي، قال كرد علي في الجزء السادس من كتاب "خطط الشام" ص 256 طبعة 1928:

"تجتمع الشيعة في أيام عاشوراء، فتقيم المآتم على الحسين بن علي شهيد كربلاء عليه السلام، وعهدهم بذلك بعيد يتصل بعصر الفاجعة، وأول من رثاه أبو باهل الجمحي بقصيدة يقول فيها:
تبيت النشاوى من أمية نوماً       وبالطف قتلى ما ينام حميمها

والظاهر من سيرة ديك الجن الحمصي في كتاب "الأغاني" أن هذه الاجتماعات للمآتم كانت معروفة في زمانه. ثم أن بني بويه أيام دولتهم عنوا بها مزيد العناية، ولا تزال إلى اليوم تقام في جميع أقطار الشيعة، وليست هي من الفروض، كما يتوهم، بل يستحبونه، لأنها تصدر عن ولاء ومحبة. وقد تطرف بعض العجم، فأبدعوا فيها بدعاً يمقتها اللّه والناس، من ضرب أنفسهم بالمدى، وإسالة الدماء على أثوابهم، وعمل ما يسمونه الشبيه، وقد مقته العلماء من الشيعة، ولم تذعن لهم به العامة في كثير من البلدان التي استحكمت فيها هذه العادة".

ومن الدعاة الأول للتشيع جميع بني هاشم، وعلى رأسهم العباس عم الرسول، وكثير من الأصحاب، وقد ذكرنا أسماءهم فيما سبق، وكان أشهرهم وأكثرهم حماساً أربعة: سلمان، وأبو ذر، وعمار، والمقداد، فقد أولوا الدعاء لعلي اهتماماً بالغ، وعناية خاصة، ونظروا إلى خلافته كركن من أركان الإسلام، وشرط لقوة المسلمين واجتماع شملهم، وتوحيد كلمتهم، ولم يشكوا لحظة في أن انصرافها عن علي إلى غيره مخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنة، ومعصية اللّه ورسوله.

سلمان الفارسي:

وكان سلمان من رؤوس أصحاب رسول اللّه، وأثنى عليه النبي بأحاديث رواها السنة والشيعة، منها "سلمان منا أهل البيت" وقد نظم هذا الحديث أبو فراس الهمداني بقوله:
كانت مودة سلمان لهم رحما     ولم تكن بين نوح وابنه رحم

وهو الذي أشار على النبي بحفر الخندق في وقعة الأحزاب، وكان أميراً على زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين في المدائن، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضه، ويجعل البعض الآخر غطاء. وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وإذا خرج عطاؤه، وهو خمسة آلاف، فرقه بكامله، وقال حين توفي الرسول: "أيها الناس قدموا من هو أقرب إلى رسول اللّه، وأعلم بكتاب اللّه، وسنة نبيه، ومن قدمه النبي في حياته، وأوصاكم به عند وفاته. ألا إن لكم منايا تتبعها بلاي، وإن عند علي بن أبي طالب علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب". توفي سلمان بالمدائن سنة 36 هجري. وكتبت له ترجمة مطولة في كتاب "مع علماء النجف".

أبو ذر:

أبو ذر الصحابي الجليل الذي قال فيه النبي: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ويدخل الجنة وحده" وكان رابع المسلمين أو خامسهم، وقد نفي وشرد ونكل به، لإيمانه وإخلاصه، وقال حين بويع أبو بكر: "يا معشر قريش: تركتم قرابة رسول اللّه، واللّه ليرتد جماعة من العرب، ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، واللّه لقد صارت لمن غلب، ولتطمحن إليها عين من ليس من أهله، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة. إن علياً هو الصديق الأكبر، وهو الفاروق بعد رسول اللّه يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب الدين، والمال يعسوب الظلمة". مات أبو ذر طريداً منفياً سنة 32 هجري. وتكلمت عنه مطولاً في كتاب "مع علماء النجف".

عمار بن ياسر:

من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين: إلى الحبشة والمدينة، وصلى القبلتين، وشهد بدراً وأحد، وبيعة الرضوان، وجميع المشاهد مع رسول اللّه، وأسلم عمار وأخوه عبد اللّه، وأبوه ياسر، وأمه سمية حين كان المسلمون مستضعفين في مكة، فكانت قريش تأخذ ياسراً وزوجته سمية، وولديهما عماراً وعبد اللّه، وتلبسهم أدراع الحديد، وتلقيهم في الشمس، حتى يبلغ منهم الجهد كل مبلغ، وربطت قريش سمية بين بعيرين، وطعنها أبو جهل في قلبه، فقتله، وهي تأبى إلا الإسلام، وقتلوا زوجها ياسر، فكانا أول شهيدين في الإسلام.

وجاءت في مدح عمار أحاديث كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وآله عمار جلدة بين عيني، ومنها: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار، ومنها: كم ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على اللّه لأبر قسمه، منهم عمار، إلى غير ذلك، وقال يوم البيعة لأبي بكر: "يا معشر قريش ويا معشر المسلمين إن أهل بيت نبيكم أولى به - أي بالنبي - وأحق بأثره، وأقوم بأمور الدين، وأحفظ لملته، وأنصح لأمته، فردوا الحق إلى أهله قبل أن يضرب حبلكم، ويضعف أمركم، ويظهر شتاتكم، وتعظم الفتنة بكم، ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم، وعلي أقرب إلى نبيكم، وهو من بينكم وليكم بعهد اللّه ورسوله".

وحضر عمار مع الإمام حرب الجمل وصفين، وفيها استشهد وكانت سنة 37 هجري، ومن أقواله يوم صفين:
سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي       سيروا فخير الناس أتباع علي
هذا أوان طاب سل المشرقي            وقودنا الخيل وهز السمهري


المقداد:

كان من السابقين إلى الإسلام، وحضر بدراً مع رسول اللّه، وسائر المشاهد، وحين شاور النبي صلى الله عليه وآله أصحابه في وقعة بدر قال له المقداد: لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" بل نقول: "لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضى وشوك الهراس لخضناه معك". وقال الإمام الصادق: لم يتغير المقداد منذ قبض رسول اللّه، حتى فارق الدنيا طرفة عين. وقال لعلي يوم السقيفة: إن أمرتني لأضربن بسيفي، وإن أمرتني كففت. فقال له: أكفف.

وقال يوم بويع عثمان: "وا عجباً من قريش، واستئثارهم هذا الأمر من أهل البيت معدن الفضيلة، ونجوم الأرض، ونور البلاد، وأن منهم رجلاً - أي علياً - ما رأيت بعد رسول اللّه أولى بالحق ولا أقضى بالعدل والأمر بالمعروف منه". مات في خلافة عثمان بن عفان،وحضر جنازته، وأثنى عليه، فأنشد الزبير:
لا ألفينك بعد الموت تندبني     وفي حياتي ما زودتني زادا

فقال عثمان: يا زبير تقول هذا؟! أتراني أحب أن يموت مثل هذا من أصحاب رسول اللّه، وهو علي ساخط؟!

ومن رؤوس الدعاة في هذا الدور حجر بن عدي، وميثم التمار، وكميل بن زياد، وعمر بن الحمق، ورشيد الهجري، وجويرية بن مسعد العبدي، وجمعيهم قتلوا على التشيع، ومنهم أيضاً سليمان بن صرد الخزاعي الذي استشهد في ثورته على قتلة الإمام سيد الشهداء، ومنهم مالك الأشتر، ومحمد بن أبي بكر، وقيس بن سعد، والمسيب بن نجية، وغيرهم كثير، وقد ازدادوا وكثروا بعد وقعة الطف.

وبديهة أن قوة الدعوة وضعفها يدوران على الظروف والمناسبات، ومن هنا كانت الدعوة بطيئة جداً في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر، وسريعة في عهد الخليفة الثالث، لأن سيرة عثمان أعانت على نجاح الدعوة إلى التشيع، ومكنت لها في النفوس، ومضى التشيع قدماً في خلافة الإمام علي، وفي حكم معاوية، ولم تعقه المذابح والفظائع عن التقدم، بل على العكس زادته قوة وانتشاراً بخاصة حادثة كربلاء، قال الدكتور طه حسين في كتاب "علي وبنوه": "عظم أمر الشيعة في الأعوام الأخيرة من حكم معاوية، وانتشرت دعوتهم أي انتشار في شرق البلاد الإسلامية، وفي جنوب بلاد العرب، ومات معاوية حين مات، وكثير من الناس، وعامة أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني أمية، وحب أهل البيت لأنفسهم ديناً".

وقال المستشرق فلهوزن يصف جيش التوابين الذي تجمع للأخذ بثارات الحسين، قال: "وكانوا مدفوعين بدافع الضمير الديني لا العواطف"2 .

ويظهر من كلام السيد محسن الأمين أن الشيعة في هذا الدور كان يطلق عليهم اسم الشيعة، واسم العلويين مع، ثم اختفى اسم العلويين في عهد العباسيين، وبقى اسم الشيعة، قال في القسم الأول من الجزء الأول ص 12 سنة 1960:  "وعن كتاب الزينة تأليف أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفى سنة 205 هجري. أن لفظ الشيعة على عهد رسول اللّه كان لقب أربعة من الصحابة: سلمان الفارسي، وأبي ذر، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر "1هجري" ثم بعد مقتل عثمان وقيام معاوية وأتباعه في وجه علي، وإظهار الطلب بدم عثمان، واستمالته عدداً عظيماً إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية، وهم من يوالون عثمان، ويبرؤون من علي. وصار أتباع علي يعرفون بالعلوية، مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم، واستمر ذلك مدة ملك بني أمية، وفي دولة بني العباس نسخ اسم العلوية والعثمانية، وصار في المسلمين اسم الشيعة، واسم السنة إلى يومنا هذا".

وبالتالي فإن دعاة التشيع الذين عملوا وناضلوا لبثه ونشره في هذا الدور اعتمدوا أول ما اعتمدوا على عظمة الإمام، وفضائله، وعلى ما نزل في مدحه والثناء عليه من الآيات القرآنية، وما ثبت من الأحاديث النبوية، وكانت خصائص الإمام وسجاياه والميزات التي يتمتع بها أداة فعالة لانتشار المذهب، فلقد مهدت الطريق للمبشرين، وفتحت الباب واسعاً أمامهم ولم يكونوا بحاجة الى الكذب ووضع الأخبار والأحاديث على لسان النبي صلى الله عليه وآله ، كما فعل غيرهم حين أراد أن يقاتل كل فضيلة ثبتت لعلي بفضيلة مفتعلة لأبي بكر وعمر وعثمان. كقول من قال: إن حديث "أنا مدينة العلم وعلي بابها" لا يعرفه على التمام إلا من كان في صدر الإسلام، لأن النبي قال: "أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسه، وعمر حيطانه، وعثمان سقفه، وعلي بابها"3.

المختار:

ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي في هذا الدور، لأنه ولد في السنة الأولى من هجرة النبي صلى الله عليه وآله، وكان فطناً ذكياً. قتل أبوه في إحدى المعارك، وهو ابن ثلاثة عشر عام، فانضم إلى عمه سعد بن مسعود، وكان عمه هذا من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب، وحضر معه وقعة الجمل وصفين، وولاه الإمام على المدائن.

ولا يحدثنا التاريخ بشيء عن حياة المختار في خلافة الإمام، ولا في عهد معاوية بن أبي سفيان، سوى ما قيل: إن معاوية حين ولى المغيرة بن شعبة على الكوفة تركها المختار، حتى أتى المدينة المنورة. وحين هلك معاوية، وقام ولده يزيد كان المختار في الكوفة، ولما دخلها مسلم بن عقيل سفيراً للحسين نزل في بيت المختار، واختلفت الشيعة إليه في هذا البيت، فقبض ابن زياد على المختار، وضرب وجهه بالسوط، حتى أدماه، وأصاب عينه فقشره، ثم ألقي به في السجن، وبقي فيه، حتى انتهت كارثة كربلاء، فاستشفع به صهره زوج أخته عبد اللّه بن عمر عند يزيد، فأطلق سراحه، وترك الكوفة متوجهاً إلى الحجاز.

وبعد أن هلك يزيد، ودعا ابن الزبير إلى نفسه بايعه المختار، مع علمه بأنه عثماني العقيدة. وعاد المختار بعد هذه البيعة إلى الكوفة. "وجعل يظهر البكاء على الطالبيين وشيعتهم، والحنين والجزع، ويحث على أخذ الثأر لهم، والمطالبة بدمائهم، فمالت إليه الشيعة، وسار إلى قصر الإمارة، وأخرج الوالي ابن مطيع، وغلب على الكوفة، وابتنى لنفسه دار، واتخذ بستاناً أنفق عليه أموالاً عظيمة، أخرجها من بيت المال. وكتب إلى ابن الزبير أن يحسب له بما أنفقه من بيت المال، فأبى ابن الزبير، فخلع المختار طاعته، وجحد بيعته.

وكتب كتاباً إلى علي بن الحسين يريده على أن يبايع له، ويقول بإمامته، ويظهر دعوته، وأنفذ إليه مالاً كثير، فأبى علي أن يقبل ذلك، أو يجيبه على كتابه، وسبه على رؤوس الملأ في مسجد رسول اللّه، وأظهر كذبه وفجوره، ودخوله على الناس بإظهار الميل إلى أبي طالب، ولما يئس المختار منه كتب إلى محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك، فأشار عليه علي بن الحسين أن لا يجيبه إلى شيء. (المسعودي ج 3 ص 83 سنة 1948).

وبعد أن استقل المختار بالكوفة أخذ يطارد قتلة الحسين، ويقتلهم الواحد تلو الآخر تلبية لرغبات الشيعة الذين صمموا على الأخذ بالثأر، والانتقام من كل من اشترك في موقعة كربلاء، بخاصة الأشراف، والرؤوس الكبار، وقد هرب جماعة من هؤلاء إلى البصرة خوفاً من نقمة الجماهير، منهم شبث بن ربعي، ومحمد بن الأشعث، أما عمر بن سعد فبقي بالكوفة بأمان من المختار.

وفي سنة 66 هجري أرسل عبد الملك بن مروان جيشاً للاستيلاء على العراق بقيادة عبيد اللّه بن زياد، فأرسل له المختار جيشاً بقيادة إبراهيم بن الأشتر، فالتقيا بالموصل، فدارت الدائرة على جيش الأمويين، وقتل ابن زياد، والحصين بن نمير، وجماعة من أشراف أهل الشام، فقويت شوكة المختار في الكوفة، واشتد أمره، وفي مستهل سنة 67 أنفذ عبد اللّه بن الزبير أخاه مصعباً والياً على البصرة، فحرضه أشراف الكوفة الذين هربوا من المختار على حربه وانتزاع الكوفة منه، فأجابهم، وكان أصحاب المختار قد انقسموا على أنفسهم، وأصبحوا فئتين متباغضتين عرباً وموالي، فأوقع بهم مصعب شر إيقاع، وقتل المختار، "وكان من جملة من أدركه الإحصاء ممن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل، كل هؤلاء طالبون بدم الحسين، وقتلة أعدائه. وتتبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها". (المسعودي ج 3 ص 107).

وبعد مقتل المختار كثرت عليه الأقاويل، وحيكت حوله الأساطير، ونسب إليه ادعاء النبوة ونزول الوحي، وأنه كان يطلق الحمامات البيض حين تقوم المعركة بينه وبين خصومه يوهم أنصاره أنها ملائكة أرسلها اللّه لنصرته، وأنه ابتدع القول بالبداء، إلى غير ذلك. ونحن نستبعد هذه النسب، ونظنها من وضع الأمويين والزبيريين الذين جرت بينهم وبين المختار حروب طاحنة، قال المستشرق فلهوزن في كتاب "الخوارج والشيعة" ص 234 سنة 1958: "لما مني المختار بالهزيمة أدبرت عنه الدني، وراحت الروايات تطلق سهامها على ذكراه بعد مقتله، في البدء كانت تذمه دون تشوه صورته، ولكنها راحت بعد ذلك في مرحلة متأخرة تنعته بنعوت أملاها الحقد، وهذه النعوت نفسها هي تسود الصورة التي كونتها عنه الأجيال التالية". وقال الأهواني في كتاب "في عالم الفلسفة" ص 78: "إن كثيراً مما نسب إلى المختار موضوع للتشنيع عليه".

واختلف علماء الإمامية في أمر المختار، فمنهم من لم يثق بدينه وإخلاصه، لأن الإمام السجاد ذمه وتبرأ منه، ومنهم من مدحه وأثنى عليه - وهم الأكثر الأشهر - لأن اللّه سبحانه استجاب دعوة الإمام، وقتل قتلة الحسين على يده، ومنهم من توقف، ولم يحكم عليه بشيء.

وقبل أن أكتب هذه الكلمات راجعت سيرته فيما لدي من المصادر، وبقيت معه ثلاثة أيام بلياليه، وانتهى بي البحث إلى الميل إلى أن الرجل كان من طلاب الحكم، وعشاق الإمارات، وأنه بايع ابن الزبير طمعاً أن يوليه الكوفة، ولما يئس منه انتقض عليه، وحين اجتمع حوله الناس أخذ البيعة لنفسه، أما طلبه لثأر الحسين عليه السلام فكان لمجرد الدعاية، لأن الجماهير كانت تريد ذلك، ولولاها لسكت وأحجم، وعلى الأقل لم يفعل ما فعل، بدليل أنه أعطى الأمان لعمر بن سعد بطل المأساة في كربلاء، ولم يبطش به - فيما أعتقد - إلا بضغط الجماهير، ومضايقتهم له، فقد تجاوز الحماس للأخذ بالثأر كل حد، والتهبت المشاعر حقداً وغيظاً على قتلة الحسين، حتى أن النسوة كانت توشي بأزواجهن الذين اشتركوا في مأساة كربلاء، ولم يستطع المختار كبح الجماح، حتى ولو حاول ذلك، هذ، إلى أنه كان في أشد الحاجة إلى مؤازرتهم ومناصرتهم بعد أن أحاطت به قوى الزبيريين والأمويين من كل جانب. إذن لم يستطع المختار إلا أن يفعل ما فعل. والذي طالب بدم الحسين حق، وبدافع من دينه وإخلاصه هو سليمان بن صرد الخزاعي ومن كان معه، ولذا انضم إليه كثير من القراء وأهل المعرفة، أما الغوغاء فكانت مع المختار.

ورغم ذلك كله فإني أقول مع العلامة المجلسي صاحب البحار: "إنه - أي المختار - وإن لم يكن كاملاً في الإيمان واليقين، ولا مأذوناً فيما فعله صريحاً من أئمة الدين، لكن كما جرى على يده الخيرات الكثيرة، وشفى بها صدور قوم مؤمنين كانت عاقبة أمره إلى النجاة".

وكفاه شفيعاً قول الإمام السجاد حين رأى رأس ابن سعد: "الحمد للّه الذي أدرك لي ثأري من أعدائي، وجزى اللّه المختار خيراً". وقول الإمام الصادق: "ما امتشطت فينا هاشمية، ولا اختضبت، حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين".

وصدق اللّه العظيم "﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - 15 التوبة".

والخلاصة أنه بعد وفاة النبي اجتمع الأنصار في سقيفتهم يتداولون فيما بينهم. لتكون الخلافة فيهم ولهم دون قريش، فقصدهم أبو بكر وعمر وأَبو عبيدة الجراح، وتمكنوا من صرف الخلافة عن الأنصار إلى أبي بكر. وكان بنو هاشم في شغل بمصيبتهم وتجهيز الرسول، وعارض قوم من الأصحاب العارفين لحق علي، وأصروا على أن تكون الخلافة له، ولكن القوة كانت ضدهم، فكفوا عن المعارضة وأمسكوا وأظهروا التسليم، ولكنهم بثوا الدعوة لعلي بين الناس، ونقلوا إلى الأجيال ما سمعوه من نص النبي على علي. فالدعوة إلى التشيع في هذا القرن كانت بسيطة ساذجة، تماماً كالدعوة الإسلامية في هذا العهد لا فلسفية فيه، ولا شيء سوى حجج القرآن والسنة النبوية التي قبلها المسلمون الأولون، وآمنوا بها بدون جدال وتعليل وتأويل، ولا تعمق في الشروح والتفاصيل، ولم يكن في هذا الدور فقه يعرف بفقه الشيعة، وآخر يعرف بفقه السنة ولذا لم يظهر أي فرق بين الشيعة وغيرهم إلا في مسألة الخلافة، وإمارة المؤمنين، وكان الشيعة في هذا الدور يعرفون بالتقوى والزهد، ومناهضة الظلم والظالمين، ومن هنا لاقوا من حكام الجور ألواناً من التقتيل والتنكيل.

الدور الثاني:

يبدأ الدور الثاني بعصر الإمام جعفر الصادق، ونعني به آخر الدولة الأموية، حيث دب فيها الضعف، وأول دولة العباسيين، حيث تنفس الشيعة الصعداء، بعد الأيام السود التي عاشوها مع الأمويين، وأصبحوا على شيء من الحرية والأمن على أرواحهم وأموالهم، وأتيح لأئمة أهل البيت أن ينشروا تعاليمهم في هذه الفرصة والفرجة. فرواها الألوف. وتقبلها الملايين إلى أن قام المنصور، فوضع في طريقها العراقيل، وعاد الأمر أشد وأسوأ مما كان في عهد الأمويين إبان قوتهم وعظمتهم.

ازدحم الرواة والعلماء - في هذه الفترة - حول الإمام الصادق، وقصده الناس من كل قطر ينهلون من معينه، ويأخذون عنه شتى العلوم والمعارف، قال السيد محسن الأمين في ترجمته "أعيان الشيعة" ج 4: "ولد الإمام الصادق سنة 80 هجري، وتوفي سنة 148، فمدة حياته 68 سنة، أدرك فيها هشام بن عبد الملك إلى آخر دولة بني أمية، وأدرك من دولة بني العباس السفاح وعشر سنين من ملك المنصور.

ومن مميزات هذا العصر انتشار العلوم الإسلامية فيه من التفسير والفقه والحديث وعلم الكلام والجدل والأنساب، والشعر والأدب والكتابة والتاريخ والنجوم وغيرها.

وكان الإمام الصادق أشهر أهل زمانه علماً وفضل، قال مالك بن أنس إمام المذهب المالكي:
ما رأت عين ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد علماً وعبادة وورع، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، جم الفوائد.

وقال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة، وقد سئل عن أفقه من رأى، فقال: جعفر بن محمد.

وقال ابن أبي ليلى: ما كنت تاركاً قولاً قلته، أو قضاء قضيته لقول أحد إلا رجلاً واحد، هو جعفر بن محمد.

ولم يقل أحد سلوني قبل أن تفقدوني إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وحفيده جعفر بن محمد.

وروى الجنابذي في معالم العترة الطاهرة عن صالح بن الأسود: سمعت جعفر الصادق يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي، فكان يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول اللّه.

وقد انتشر عنه من العلوم الجمة ما بهر العقول، ولم ينقل العلماء عن أحد ما نقل عنه، ولا لقي أحد، ونقل عنه من الأخبار ما نقل عنه، فقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلاف الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل، ذكرهم الحافظ بن عقدة الزيدي في كتاب رجاله، وذكر مصنفاتهم فضلاً عن غيرهم، واستدرك ابن الغضائري على ابن عقدة، فزاد عليهم.

وروى عنه راوٍ واحد، وهو إبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث، وقال الحسن بن علي ألوشا: "أدركت في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد، وبرز بتعليمه من الفقهاء والأفاضل جم غفير".

وقال الشيخ محمد الحسين المظفر في كتاب "تاريخ الشيعة": "أحسن أيام مرت على الشيعة هي الفترة التي امتزجت من أخريات دولة بني مروان، وأوليات دولة بني العباس، في اشتغال الأمويين بقتل بعضهم البعض، وفي انتقاض البلاد عليهم، وفي اشتغال بني العباس بالحروب مع المروانيين تارة، واستتباب الأمن أخرى. فانتهز الشيعة هذه الفرصة للارتواء من مناهل علم الإمام الصادق، فشدوا الرحال إليه، لأخذ أحكام الدين والمعارف عنه.

ولقد روي عنه في كل علم وفن، كما تشهد به كتب الشيعة، ولم تقتصر الرواية عنه على الشيعة فحسب، بل روت عنه سائر الفرق، كما تفصح بذلك كتب الحديث والرجال، وقد أحصى ابن عقدة والشيخ الطوسي، والمحقق في المعتبر وغيرهم من روى عنه من الشيعة وغيرهم، فكانوا أربعة آلاف.

وصارت الشيعة في غضون هذه الفترة تنشر الحديث، وتجهر بولاء أهل البيت، وربا عددهم في مختلف الجهات. ولما قامت دعائم السلطان للمنصور ضيق على الإمام الصادق، وأراد أن يقطع الأصل ليكون به جفاف الفرع".

لقد وافق عصر الإمام الصادق حركة فكرية بلغت الغاية في نشاطها وانتشاره، وظهرت مقالات غريبة، وتيارات أجنبية عن الإسلام تفشت بين المسلمين، بخاصة بين شبابهم، بالنظر لاتساع رقعة الإسلام، وكثرة الفتوحات التي فتحها العرب، واندماجهم بالأمم العديدة المتباينة في ثقافاتها وأديانها. فكان الملحدون يلقون الشبهات، والمرجئة يساندون حكام الجور، والمغالون يدعون مع اللّه إلهاً آخر، والخوارج يكفرون المسلمين، والمتصوفة يضللون ويراؤون، والمحدثون يضعون الأحاديث على رسول اللّه، والمؤمنون يريدون إيماناً واعي، فكان الشغل الشاغل لقادة الدين أن يدفعوا عنه، ويثبتوا صحة العقيدة، ويفندوا مزاعم المبطلين، ويزيفوا أقوالهم.

وكانت مدرسة الإمام الصادق أول من شعر بهذا الخطر، وأسبق من عمل لدرئه ومناهضته، فأخذت على نفسها الذب عن الحق وأهله، وحملت لواء الشريعة الإسلامية أصولها وفروعه، وقصدت لكل مهاجم ومناعد، وأعلنت حرباً لا هوادة معها على الغلاة4، وناضلت ضد المعتزلة والمتصوفة والمرجئة والخوارج والأشاعرة، وصححت لعلماء الكلام الذين حاولوا إثبات الدين كثيراً مما وقعوا فيه من الأخطاء، وجرت بين هؤلاء من جهة، وبين الإمام الصادق وتلاميذه من جهة مناظرات ومجادلات كان الفوز والنصر فيها لمدرسة الإمام، فأثبت بالبرهان أن أقوالهم تبتعد عن الحق بمقدار صدودها عن الإسلام وتعاليمه5. لذا اتجهت الأنظار إلى المعلم الأكبر، وتشيع له المفكرون، وحفظوا أقواله، ودونوه، واعتبروها الفصل بين الحق والباطل، وبين الأصيل والدخيل، تماماً كأقوال جده الرسول صلى الله عليه وآله .

وكان من نتيجة هذه الفترة، ومرافقتها لتلك الحركات الفكرية أن عرف المذهب صافياً على حقيقته في العقائد والتفسير، والأخلاق والفقه وأصوله، وأخذ التشيع معناه ومجراه في إطاره العلمي أصولاً وفروعاً. وقد كان المذهب في أشد الحاجة إلى هذا المتنفَّس والمنطلَق الذي صادف وجود الإمام، إذ لو أمكنت الفرصة ولم يوجد الإمام، أو وجد ولم تكن الفرصة ممكنة، أو تحقق الأمران ولم تكن تلك الحركات الفكرية لم يكن لنا هذا التراث الضخم في شتى العلوم الإسلامية، خصوصاً الفقه، بل لم يكن هذا التقارب بين الشيعة والسنة في أصول الدين ومبادئ التشريع. فالفضل في استقلال المذهب وتركيزه، كما هو الآن يعود للإمام الصادق بعد أن أسعفته الظروف، ومهدت له السبيل، ومن هنا أطلق على الشيعة لفظ الجعفريين، وعلى فقههم الفقه الجعفري.

نحن نؤمن وندين بأن كل إمام من الأئمة الاثني عشر عنده علم الكتاب وسنة الرسول بكاملهم، وأنه أعلم أهل زمانه على الإطلاق، ولكن العلم ليس بالسبب الكافي لبثه ونشره ما لم تواكبه عوامل أخرى، وقد ساعد الإمام الصادق على بث علومه ومعارفه العامل الحضاري من جهة، وفترة انتقال الحكم من الأمويين إلى العباسيين من جهة ثانية، ووجود رواة ثقات كثيرين يؤمنون بالصادق، ويحسنون الأخذ عنه من جهة ثالثة، حتى ذهب بعض علماء الإمامية إلى القول بتوثيق الأربعة آلاف راوٍ بدون استثناء. وقد يكون هناك عوامل أخرى خفيت علينا إلى جانب هذه العوامل التي استبانت لنا.

وعلي أية حال، فإن هذه الأسباب مجتمعة لم تتوفر لأحد من الأئمة غير الإمام الصادق، فقد كان للإمام علي حواريون وأصحاب خلص، كميثم التمار، وكميل بن زياد، وحجر بن عدي، ومحمد بن أبي بكر وغيرهم، ولكنه مني في خلافته بالحروب والفتن الداخلية، ولما انتقل إلى جوار ربه عمل معاوية على طمس آثاره، وقتل رجاله، والقضاء على كل ما يمت إليه بسبب، أما عهد الحسنين والإمام السجاد فهو عهد معاوية وولده يزيد، وزياد وابنه عبيد اللّه، وعبد الملك وشيطانه الحجاج، عهد مذابح الشيعة ومجازرهم، واستشهاد أئمتهم، عهد سم الحسن، ومذبحة مرج عذراء، ومأساة كربلاء، ووقعة الحرة، وما إليها.

أما الإمام الباقر فهو المؤسس الأول لمدرسة ولده الصادق، فقد كان له أصحاب وتلاميذ من كبار التابعين وأعيان الفقهاء والمحدثين يتحلقون حوله للدرس في مسجد جدة الرسول، ولكن اللّه سبحانه قد اختاره إليه قبل أن تبلغ هذه المدرسة الغاية في النمو والاذهار، فقبض في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن 57 سنة، فخلفه ولده الإمام الصادق، وتوالت على مدرسته خطوظ وتوفيقات شتى، حيث ربا عدد تلاميذها على ما كانوا أيام أبيه، وأصبح الذين يفدون إليها، ويهتدون بهديها يعدون بالألوف.

وبعد الإمام الصادق عادت الظروف إلى قسوتها، والحوادث إلى شدتها على الأئمة وشيعتهم، ولكن المذهب كان قد انتشر في كل قطر، وعرفت معالمه، وتركزت أسسه، وحفظ ودوّن، وعمل الناس به منذ أيام الصادق، حتى اليوم، وإلى آخر يوم.

وبالتالي، فإن مذهب أهل البيت تبلور واتخذ صورته واضحة جلية، وثبتت أركانه ودعائمه في عهد الإمام الصادق، وأصبح للشيعة فقههم المستقل، وعلماؤهم ورواتهم المعروفون، وآراؤهم الخاصة بالتوحيد والعدل وعصمة الأنبياء وشفاعتهم، وبالجبر والاختيار، وما إلى ذلك. وتميز مذهب التشيع عن بقية المذاهب تميزاً تاماً كما تميز مذهب المعتزلة عن مذهب الأشاعرة. أما أقوال بقية الأئمة الأطهار منذ الإمام الكاظم إلى نهاية الغيبة الصغرى فهي إما تأكيد لأقوال الصادق، وإما متممة لبعض أصول المذهب أو فروعه، أما رجالات الشيعة في عهد الإمام الصادق وبعده فكان همهم واهتمامهم حفظ تعاليمه، وتدوينها والدفاع عنها.

الدور الثالث:

ظهر مما قدمنا أن دعاة التشيع ورواده في الدور الأول اهتموا قبل كل شيء بالدعوة إلى الولاء لأهل البيت، والإيمان بأنهم أحق الناس جميعاً في خلافة النبي وميراثه في الحكم والسلطان، وان الدعاة اعتمدوا على نصوص الكتاب والسنة، ولم يتجاوزوا حرفيتها وهكذا كان الإسلام في الصدر الأول يستمد من الكتاب والسنة، وأخلاق الرسول الأعظم، والتشيع منذ يومه الأول إلى آخر يوم يسير مع الإسلام جنباً إلى جنب.

أما الدور الثاني، وهو دور الحضارة والحركة الفكرية فقد ظهر فيه مذهب التشيع، وتميز عن غيره أصولاً وفروعاً، وأصبح للشيعة فقههم المستقل وآراءهم الواضحة في كل ما يتصل بالعقيدة من قريب أو بعيد6 .

أما الدور الثالث فهو دور الدفاع ورد العاديات، ويبتدئ بالشيخ المفيد وتلميذه الشريف المرتضى، وينتهي بالعلامة الحلي، وليس من شك أن الأئمة الأطهار، وأصحابهم كهشام بن الحكم وغيره قد ذبوا ودافعوا ولكن قصدهم الأول كان إلى تحديد المذهب، وإطهاره على حقيقته، وتمييزه عن غيره، يدعمه بالحجج والبراهين.

ويجب أن نكون على علم اليقين بأن هذا التقسيم لا يمس التشيع في حقيقته وجوهره، لأنه هو هو في جميع المراحل والأدوار لا تبديل فيه ولا تعديل، وإنما هو - أي التقسيم - باعتبار خصائص العصر الذي مر به التشيع، وعناية الدعاة والرواد بهذه الخصائص، تماماً كما هو الشأن بالقياس إلى موقف علماء الفرق السلامية من التيارات الأجنبية، والعلوم الدخيلة حينذاك.

لقد سبق الشيخ المفيد علماء أعلام كان لهم أحسن الأثر في خدمة المذهب، كالكليني صاحب الكافي، والصدوق صاحب من لا يحضره الفقيه، ولكن هذين العظيمين ومن إليهما كانوا امتداداً لرواة الحديث عن الأئمة الأطهار، ووعاة لأخبارهم وآثارهم يحفظونها من الضياع، أما الشيخ المفيد فكان المدافع الأكبر عن هذه الأخبار والآثار.

لقد تكاثرت في عصر المفيد المدارس وحلقات الدرس، وبلغ علم الكلام والجدل الغاية، ونبغ عدد كبير من العلماء والمتكلمين، وكان من أبرز خصائصهم المناقشات والمناظرات حول قضايا الدين والمذهب، وكانت المنافسة حامية وعلى أشدها بين مذهب الأشاعرة، ومذهب الاعتزال، وقد وضع علماء كل طائفة كتباً في الطعن والرد على مذهب الأخرى، ولكنهم تظاهروا جميعاً على الشيعة والتشيع، غير أن الشيخ المفيد كان لهم بالمرصاد.

فكان يجيب عن شبهاتهم وطعونهم بنظر دقيق، وبصر ثاقب، واستخراج عجيب، ثم يورد عليهم ما لم يستطيعوا معه إلا الإذعان والتسليم. كان يشرح عقيدة التشيع، ويدعمها بالدليل القاطع، ويرد عنها شبهات الخصوم، ثم يكر على عقيدتهم ومبادئهم ينقدها ويفندها، وينثر الفلسفة في شرحه وتأييده وتفنيده. وكان له فضل السبق إلى الاعتماد على منطق العقل والتفكير الحر، فقبل الشيخ المفيد كان المؤمنون لا يتجاوزون حرفية النصوص إلى العقل، وبعده أصبح العقل حليفاً للنصوص الدينية، وأساساً للعقيدة، وإذا قال أغسطين: "آمن كي تتعقل" فقد قال الشيخ المفيد: "تعقل كي تؤمن".

قال الشيخ عبد اللّه نعمة، وهو يترجم له في كتاب "فلاسفة الشيعة": "كانت الشيعة القوة الثالثة بين مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة. وقد تزعم هذه القوة في هذا العهد أبو عبد اللّه المفيد، وكان عليه، وهو دماغ الشيعة المفكر أن يشترك في هذا الصراع العنيف، ويجالد على عدة جبهات، ويناظر أهل كل عقيدة، كما يقول ابن كثير الشامي. ونعرف حيوية المفيد في تفكيره وآرائه حين نأخذ باعتبارنا تأثير طبيعة العصر الذي عاش فيه يوم كانت الأخبار والأحاديث هي السند الوحيد لعلماء الشيعة فيما كتبوه حول عقائدهم ومذاهبهم. دون محاكمة أو تمحيص. أما المفيد فقد كان يحاكم ويفكر بحرية وتجرد".

وقال السيد الأمين في الجزء السادس والأربعين من كتاب "الأعيان": "قال اليافعي في تاريخه مرآة الجنان: عالم الشيعة وصاحب التآليف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد البارع في الكلام والفقه والجدل، كان يناظر كل عقيدة بالجلال والعظمة. وقال ابن النديم في الفهرست: ابن المعلم أبو عبد اللّه دقيق الفطنة ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً".

وقال صاحب "روضات الجنات":
"نقل عن ابن كثير أنه قال: كان المفيد شيخ الروافض محامياً عنهم، متعصباً في حقهم. وكان يحضر مجلسه خلق كثير من العلماء من جميع الطوائف والملل. ولما بلغ نعيه إلى الشيخ أبي القاسم الخفاف المعروف بابن النقيب فرح بموته كثيراً، وأمر بتزيين داره، وجلس فيها للتهنئة، وقال: الآن طاب لي الموت".

نقلنا هذه الجملة، لأنها أبلغ صورة، وأصدق شاهد على عظمة المفيد التي تضاءل أمامها العلماء وتصاغروا، حتى شعروا بأنهم ليسوا بشيء يذكر ما دام المفيد حياً.

أما قول ابن كثير بأنه كان متعصباً فهو التعصب بالذات، لأن من يؤمن بالحق، ويجادل بالعقل والكتاب المبين، ويستقي أقواله من أصدق مصدر، وأنقى معين لا يكون متعصباً ولا متحيزاً، بل مؤمناً مخلصاً، إن المتعصب هو الذي يكابر، ويجادل بالباطل، ويبخس الناس أشياءهم بالكذب والافتراء.

إن الذين جاءوا بعد العلامة، ودافعوا عن المذهب كما دافع، السيد الأمين، وكاشف الغطاء، وشرف الدين، والشيوخ المظفرون7، إن هؤلاء وغيرهم لهم أكبر الفضل على جهودهم وإخلاصهم، ولولاهم لطمع فينا السفهاء، وآمن المغفلون والبسطاء بافتراءات صاحب المنار، وخليفته محب الدين الخطيب، وأحمد أمين، وموسى جار الله، ومن إليهم، ولكن علماءنا المتأخرين - زمناً - على عظمتهم ، وتمكنهم من العلوم ومعرفة الحق بدليله لم يزيدوا شيئاً عن أقوال المفيد والمرتضى والطوسي والعلامة ... ذلك أن الاعتراض واحد لم يتغير منذ زمان وزمان، فجوابه أيضاً واحد، تماماً كجواب من أنكر اللّه سبحانه بالأمس، ومن أنكره اليوم.

ولو تجاوزنا أقوال أولئك العظماء لتجاوزنا الحق والواقع، لأن الحق لا يتغير، فهو هو في كل زمان ومكان، وكذلك دليله ومدركه. إن هذه الكتب والنشرات التي تصدر - اليوم - تباعاً في سب الشيعة وتكفيرهم لهي أكثر ضرراً، وأعظم خطراً من تلك الشبهات والافتراءات التي قيلت على الشيعة والتشيع في عهد المفيد والعلامة. فإذا لم تتصد الأقلام الواعية لإبطالها، وفضح أربابها لجعلنا من لا علم له في عداد المشركين، وطليعة المغالين.

ودفعاً لكل التباس نختم هذا الفصل بالتأكيد مرة أخرى أن تقسيم التشيع إلى أدوار ثلاثة لا يمس كنهه وحقيقته، وإنما هو باعتبار الأساليب والوسائل التي اعتمدها الدعاة والحماة من الاستناد إلى النصوص والفضائل، ثم إلى حيث المذهب ونشره بحرية تامة، وتدوينه أصولاً وفروعاً، ثم النقاش والمناظرة مع المذاهب الأخرى.


1- لم تكن الغاية من تلك الفتوحات التبشير بالإسلام، والدعوة إلى اللّه - فيما نعتقد - وإنما كانت من أجل سيطرة المسلمين، وامتداد سلطانهم وايجاد أرض يعيشون فيها أغنى من أرضهم، وتربة أخصب من تربتهم. ولكن عظمة الإسلام بشرت بنفسها لنفسها في جميع أدوار التاريخ، بخاصة في هذا العصر الذي ينهش المسلمون بعضهم بعض، وبصورة أخص حكامهم الذين أعانوا قوى الشر والعدوان عليهم وعلى دينهم وبلادهم، ولولا ما في الإسلام من قوة ومناعة لكان المنتمون إليه من أقوى عوامل القضاء عليه.
2- كتاب "الخوارج والشيعة" ص 189 طبعة سنة 1958 .
3- اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي ج 1 ص 336 .
4
- ولا أجافي الصواب إذا قلت : إن الإمام الصادق قرب مسافة الخلف بين السنة والشيعة في محاربته الغلاة، وإبطال الكثير من أقوال المعتزلة.
5- تجد الكثير من هذه المناظرات في كتاب "الاحتجاج" للطبرسي، والبحار للمجلسي وسائر كتب المناقب والفضائل.
6- قال الشيخ مصطفى عبد الرازق أحد شيوخ الأزهر في كتاب " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية" ص 302 طبعة 1959 : "إن النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة من سائر المسلمين".
7- هم الاخوة والأقطاب الثلاثة: الشيخ محمد الحسن صاحب "دلائل الصدق" والشيخ محمد الحسين صاحب "تاريخ الشيعة" والشيخ محمد الرضا صاحب "السقيفة".

08-03-2016 عدد القراءات 1258



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا