26 أيار 2022 م الموافق لـ 24 شوال 1443 هـ
En FR

 

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

آل البَيْت





تعريف:

أهل البيت في اللغة سكانه، وآل الرجل أهله، ولا يُستعمل لفظ "آل" إلا في أهل رجل له مكانة.

وقد جاء ذكر أهل البيت في آيتين من القرآن، الأولى الآية 73 من سورة "هود": "رحمة اللّه وبركاته عليكم أهل البيت"، والثانية الآية 33 من سورة "الأحزاب": ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. واتفق المفسرون أن المراد بالآية الأولى أهل بيت إبراهيم الخليل، وبالآية الثانية أهل بيت محمد بن عبد اللّه، وتبعاً للقرآن استعمل المسلمون لفظ أهل البيت وآل البيت في أهل بيت محمد خاصة، واشتهر هذا الاستعمال حتى صار اللفظ علماً لهم، بحيث لا يفهم منه غيرهم إلا بالقرينة، كما اشتهر لفظ المدينة بيثرب مدينة الرسول.

اختلف المسلمون في عدد أزواج النبي، فمن قائل: أنهن ثماني عشرة امرأة، ومنهم من قال: إنهن إحدى عشرة، وعلى أي الأحوال فقد أقام مع النساء سبعاً وثلاثين سنة، رُزق خلالها بنين وبنات ماتوا كلهم في حياته، ولم يبق منهم سوى ابنته فاطمة. وقد اتفقت كلمة المسلمين على أن علي بن أبي طالب، وفاطمة، والحسن، والحسين من آل البيت في الصميم، وأن شجرة النسب النبوي تنحصر فروعها في أبناء فاطمة، لأن النبي لم يُعقب إلا من وُلدها.

منزلة آل البيت عند المسلمين

إذا أردنا أن نعرف منزلة آل البيت عند المسلمين، والباعث على تكوين الفرق الإسلامية، وإيمانها بآل البيت فعلينا أن نلاحظ منزلة محمد عند المسلمين، وسيرته مع آل بيته، وأن نلاحظ، مع ذلك، أخلاق آل البيت أنفسهم، وما أصابهم من المحن في سبيل تمسكهم بما يرونه الحق والعدل. وكل ما يرونه حقاً فهو الحق.

إن حقيقة الإسلام هي الشهادة للّه بالوحدانية ولمحمد بالرسالة: "لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه". فمن أقرّ للّه بالوحدانية، وجحد رسالة محمد، أو نسب صفات الخالق إلى غير اللّه، أو صفات النبوّة إلى غير محمد ممن كان في عصره، أو جحد آية من القرآن، أو سنّة ثابتة بالضرورة من سنن النبي، فلا يصحّ عده من المسلمين، لأنه لا يحمل الطابع الأساسي للإسلام. فالمسلم إذن من آمن باللّه، وبمحمد، وقرن طاعته بطاعته، وبهذا نطقت الآية 6 من سورة "الأحزاب": "أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول"، والآية 62 من سورة "التوبة": ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ والآية 65 من سورة "النساء":  ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ . والآية 2 من سورة "النجم": "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" وما إلى ذلك من عشرات الآيات.

سيرة النبي مع آل بيته
:
نقل أصحاب السير والمناقب من السنّة والشيعة صوراً كثيرة لعطف النبي على آل بيته وحبّه لهم، نكتفي بالإشارة إلى بعضها:
كان النبي إذا سافر، فآخر بيت يخرج منه بيت فاطمة وإذا رجع من سفره فأول بيت يدخله بيتها. يجلس ويضع الحسن على فخذه الأيمن، والحسين على فخذه الأيسر، يقبّل هذا مرة وذاك أخرى، ويجلس علياً وفاطمة بين يديه. وجاء في الحديث أنه دخل مرة بيت فاطمة ودعاها ودعا علياً، والحسن، والحسين، ولفّ عليه وعليهم كساء وتلا الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. والمسلمون يسمّون هذا الحديث بحديث الكساء، ويطلقون لفظ "أصحاب الكساء" على محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين. وقال لهم مرة: "أنا سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم". وما إلى ذلك من الأحاديث المشهورة عند جميع الفرق الإسلامية. وقد أوصى النبي أمته بآل بيته، وواصاهم بالقرآن، ففي الحديث: "إني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب اللّه، فيه الهدى والنور... ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي". وفي الآية 22 من سورة "الشورى": ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى. والمراد بالقربى قرابة النبي. ولذا أولاهم المسلمون على اختلاف فرقهم قسطاً كبيراً من الرعاية والتبجيل، وكان لهم عند أبي بكر من التعظيم والإكبار ما لم يكن لأحد غيرهم. وكان عمر بن الخطاب يؤثرهم على جميع المسلمين، فرض لأبناء البدريين من العطاء ألفين ألفين في السنة إلا حسناً وحسيناً فرض لكل واحد منهما خمسة آلاف. وقد ملأ أصحاب التاريخ والتراجم كتبهم بفضائل أهل البيت ومناقبهم. فأهل السنّة يقدّسون علياً والأئمة من ذرّيته، ولكنهم لا يعترفون بأنهم أحقّ وأولى بالخلافة من غيرهم، كما تعتقد الشيعة.

أخلاق أهل البيت:

كان عليّ صلباً في الحق لا تأخذه فيه لومة لائم. ولم يكن الحقّ في مفهومه ما كان امتداداً لذاته وسلطانه. فقد تساهل في حقوقه الخاصة حتى استغلّ أعداؤه هذا التساهل. عفا عن مروان بن الحكم بعد أن ظفر به في وقعة الجمل، وعن عمرو بن العاص حين تمكن منه يوم صفين، وسقى أهل الشام من الماء، بعد أن منعوه منه، حتى كاد يهلك جنده عطشاً. وإنما كان الحق في مفهومه أن لا يستأثر إنسان على إنسان بشيء كائناً من كان. جاءته امرأتان ذات يوم تشكوان فقرهما، فأعطاهما. ولكنّ إحداهما سألته أن يفضلها على صاحبتها، لأنها عربية، وصاحبتها من الموالي. فأخذ قبضة من تراب، ونظر فيه، وقال: لا أعلم أن اللّه فضَّل أحداً من الناس على أحد إلا بالطاعة والتقوى. وطلب أخوه عقيل، وهو ابن أمه وأبيه، شيئاً من بيت المال، فمنعه. وأرادت ابنته أم كلثوم أن تتزيّن يوم العيد بعقد من بيت المال، على أن تردّه عاريةً مضمونة، حين كان أبوها خليفة، فغضب. وطلب طلحة والزبير الوظيفة على أن يناصراه، والا عارضا وأثارا عليه حرباً شعواء، فأبى، ولما أشير عليه أن يخادعهما ويخادع معاوية حتى يستقيم له الأمر، فقال: لا أداهن في ديني، ولا اعطي الدنية في أمري. وأبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة إيثاراً للخصاص التي يسكنها الفقراء.. وكان يلبس المرقّع حتى استحيا من راقعه، كما قال، وكان راقعه ولده الحسن. ويأكل الخبز الشعير تطحنه امرأته بيدها مواساة للكادحين والمعوزين. وأثنى عليه رجل من أصحابه، فأجابه بقوله: إن من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظنّ بهم حبّ الفخر، ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحبّ الإطراء واستماع الثناء... فلا تكلموني بما تُكلم به الجبابرة.

وكان منكراً لذاته متوجهاً بكل تفكيره إلى خير الجماعة، لا يبالي بغضب الخاصة إذا رضيت العامة، ويقول: إن سخط الخاصة يُغتفر مع رضى العامّة. لذا افتتنت به الجماهير في عصره وبعد عصره، وبوّأته أعلى مكان، لأنه العنوان الكامل لآمالها وأمانيها. ومنهم من رفعه إلى مكان الآلهة، كما فعل الغلاة، وبحقّ قال له النبيّ: يا علي إن اللّه قد زيّنك بأحبّ زينة لديه، وهب لك حبّ المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً.

لقد بالغ عليّ في تمسّكه بالحقّ، وحاسب عليه نفسه وعمَّاله، حتى أغضب الكثير منهم، وبعضهم تركه وهرب إلى عدوّه معاوية، وأصبح عوناً له بعد أن كان حرباً عليه.

آمن علي باللّه وبالإنسان. وقد ورث عنه الأئمة من ولده هذا الإيمان وساروا بسيرته، وتخلّقوا بأخلاقه، فكل واحد منهم وافر العلم، محبّ  للخير والسلم، عزوف عن الشرّ والحرب، صارم في الحق. وإنما ظهر بعض هذه الصفات في شخص أحدهم أكثر من الآخرين تبعاً للظروف ومقتضيات الأحوال. ظهر في الحسن بن علي حبه للسلم وكرهه للحرب، لأن عصره كان عصر الفتن والقلاقل، بايعه أهل العراق بعد وفاة أبيه بالخلافة، وكان جيشه يتألف من أربعين ألفاً. ولما رأى أن معاوية مصرّ على الحرب، تنازل له عن الخلافة مؤثراً حقن الدماء وصالح الإسلام على كل شيء.. وظهرت صلابة الحسين في الحق، وضحَّى بنفسه وأهله وأصحابه، لأن يزيد بن معاوية لم يترك مجالاً للمهادنة. وظهرت آثار علوم الإمام محمد الباقر وولده الإمام جعفر الصادق، لأن العلم في عصرهما كثر طلابه والراغبون فيه، وقد أفسح لهما المجال للتدريس وبثّ العلوم.

محن آل البيت:

تحدّث أصحاب التاريخ والسير عن محن آل البيت وأطالوا الحديث، ووضع الشيعة فيها كتباً مستقلّة سموا الكثير منها بأسماء تدل عليها، كاسم مثير الأحزان، ونفس المهموم، والدمعة الساكبة، ولواعج الأشجان، ورياض المصائب، واللهوف، ومقاتل الطالبيين، وما إلى ذلك. وتكاد تتفق كلمة الباحثين القدامى والمتأخرين على أن الأمويين إنما نكلوا بآل البيت أخذاً بثارات بدر واُحد، لأن محمداً وعلياً قتلا في هاتين الحربين شيوخ الأمويين وساداتهم. ويستشهدون على ذلك بما تمثل به يزيد بن معاوية، عندما قتل الحسين، ووضع رأسه بين يديه:
ليت أشياخي ببدر شهدوا      جزع الخزرج من وقع الأسلْ
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً،        ثم قالوا: يا يزيد، لا تشلْ


وليس ببعيد أن يتذكر يزيد الحفائظ والحروب القديمة بين محمد، جدّ الحسين، وجدّه أبي سفيان، وبين علي أبي الحسين وأبيه معاوية، وأن ينطق بكلمة التشفّي والحقد. ولكن الباعث الأول على الفجيعة هو نظام الجور، وعهد الأب للابن بالخلافة، وجعلها حقاً موروثاً. والبحث في محن آل البيت واسع المجال متشعّب الأطراف.

فقد ظهرت آثار هذه المحن في العقيدة، والسياسة، والأدب، والتقاليد، وما زالت تفعل فعلها إلى اليوم. ولم يتح لمحن آل البيت، فيما أعلم، من درسها درساً موضوعيّاً، ولا يمكن شرحها وبيان أسبابها ونتائجها في مقامنا هذا. وعلى أي الأحوال، فإن محن آل البيت ومحن الناس جميعاً ابتدأت منذ تغيّر نظام الحكم عند المسلمين.

كان الحكم في عهد الرسول الأعظم يقوم على مبدأ أن كل شيء للّه، فالمال مال اللّه، والجند جند اللّه، ومعنى هذا أن الناس جميعاً متساوون في الحقوق، لأن اللّه للجميع وبعده بأمد قصير تغير هذا النظام، وأصبح كل شيء للحاكم.

فالمال مال الحاكم، والجند جند الحاكم، والناس كلهم عبيد الحاكم. قال معاوية بن أبي سفيان: "الأرض للّه، وأنا خليفة اللّه. فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبالفضل مني". وعلى هذا المبدأ، وهب مصر لعمرو بن العاص مكافأةً له على جهاده وبلائه ضد الإمام علي. وكان جند يزيد في وقعة الحرة يجبرون الناس على أن يبايعوا يزيداً، على أنهم عبيد قنّ له، وينقشون أكف المبايعين علامة الاسترقاق، ومن أبى عن هذه البيعة ضربت عنقه.

من هذا النظام وحده تولدت محن آل البيتوغير آل البيت، وإن كان نصيبهم منها أكبر وأفظع.

ولا بد من التساؤل: لماذا ذعر الناس لمحن آل البيت وتحدّثوا فيها وأطالوا الحديث أكثر من غيرها؟ ويمكننا الجواب بأن محنهم كانت أقسى المحن جميعاً، وبأنها في نظر المسلمين هي محن الإسلام نفسه. فقد أوصى الرسول وبالغ في الوصاية بأهل بيته، وواساهم بكتاب اللّه، وشّبههم بسفينة نوح، واعتبر التعدي عليهم تعدياً عليه بالذات، وهذا السبب يرجع إلى الدين، ولا شيء يوازي احترام العقيدة الدينية وتقديسها عند المسلمين وبخاصة في ذاك العهد.

وهناك أسباب سياسية لتوالي المحن على آل البيت من الحكام، وإذاعتها بين الجماهير أكثر من غيرها. لما يئس المسلمون من إصلاح الحاكم تمنوا أن يدبر شؤونهم إمام عادل ناصح للّه ورسوله، وفي آل البيت خير من توافرت فيه هذه الصفات، بل كان في المسلمين حزب قوي منتشر في أقطار الأرض يدين بالتشيع لهم، ويرى أن الخلافة حق خصه اللّه بعلي وبنيه. وقد أعلن الشيعة هذا المبدأ في أشعارهم، واتخذوه أساساً لتعاليمهم، وعملوا على بثه في الجهر والخفاء، ولم يتركوا فرصة تمرّ إلا عدّدوا مناقب آل البيت ومثالب من غصبهم هذا الحق. فرأى الحكام في آل البيت وشيعتّهم خطراً كبيراً على سلامة الدولة وأمنها أكثر من غيرهم فخصّوهم بالقسط الأوفر من المحن، ونكّلوا بهم بقسوة تفوق كل قسوة. وقد رأى الناس في هذه المحن مورداً خصباً للتشهير بالحاكم وإثارة الجماهير، ولا شيء كالخطوب والمآسي تستدعي عطف الناس، وتثير إشفاقهم ورحمتهم، وكلنا يعرف كيف استغلّ معاوية قميص عثمان لتأليب أهل الشام على عليّ. فالشيعة أذاعوا تلك المحن وبكوا واستبكوا الناس وفاء لأئمتّهم، ولبثّ
الدعوة لهم ونشر مبادئهم. وأذاعها كل ناقم ومعارض للأنظمة السياسية تبريراً لنقمته ومعارضته، ودعماً لأقواله وحجته تظلّم الشعب لآل البيت، وفي الوقت نفسه عّبر بمحنهم عن ثورته على الفساد.

إن محن آل البيت هي محن الشعب، ومحنه محنهم، وقد أعرب عن آلامه بما ألمّ بهم، لإثارة العواطف، لأنّ من أساء إليهم فبالأحرى أن يسيء إلى غيرهم، ولأنهم المجموعة الكريمة الطيبة التي يرى فيها الشعب مثاله الأعلى ويتمنى أن تقوده هي، أو من يماثلها في الصفات والمؤهلات وإلا فإن الثورة على النظام الجائر محتمة لا محالة.

كارثة كربلاء وأثرها في حياة الشيعة

كانت الأسباب الأولى لمحن آل البيت سياسية، وبعد حدوثها تركت أثراً بارزاً في حياة طائفة كبيرة من المسلمين كانت ولا تزال تدين بالولاء لآل البيت. فكارثة كربلاء، وهي أفظع ما حلّ بآل البيت من كوارث، قُتل فيها الحسين بن علي، وسبعة عشر شاباً وطفلاً من أهله، وأكثر من سبعين رجلاً من أصحابه، فيهم الصحابي والتابعي، هذه الحادثة جعلت كربلاء مزاراً مقدساً عند الشيعة يفد إليها في كل سنة مئات الألوف للزيارة من أنحاء البلاد، وفي كثير من الأحيان يوصي الشيعة في الهند، وإيران واطراف العراق أن ينقل رفاته من بلده ليدفن في كربلاء، رغبةً في ثواب اللّه وجزائه. وتحيي الشيعة، في كل سنة، وفي كل مدينة وقرية من بلادهم، ذكرى مقتل الحسين في الثلث الأول من شهر محرّم. وفي بعض أيام السنة، يجتمعون للاحتفال بهذه الذكرى فيروي الخطيب بعض أخبار كربلاء ومأساتها، ويعدّد المناقب والسوابق لشهدائها، وينوح عليهم شعراً ونثراً، ويسمّون هذه المحافل بمجالس التعزية، وقد وضعوا لها كتباً خاصة.

وما زال شعراء الشيعة، منذ قتل الحسين إلى اليوم، ينظمون القصائد الطوال يصوّرون فيها الحوادث الدامية التي جرت في كربلاء، وهي من عيون الشعر العربي في الرثاء. وقد طبع السيد محسن الأمين قسماً كبيراً من هذه المراثي أسماه "الذر النضيد في مراثي السبط الشهيد".

ونذكر أبياتاً من قصيدة لشاعر شيعي تصوّر لنا الغاية التي يهدف إليها الشيعة من زيارة كربلاء، ويوم عاشوراء:
شممتُ ثراك، فهبّ النسيم    *** نسيم الكرامة من بلقع
وعفرتُ خدي بحيث استرا   *** خ خدّ تفرّى ولم يخضع
وماذا؟ أأروع من أن يكون  *** لحمك وقفاً على المبضع
وأن تتقي، دون ما ترتأي   *** ضميرك بالأسل الشرَّع
وأن تطعم الموت خير البنين *** من الأكهلين إلى الرُّضَّع!

ومن هنا نعرف أن الشيعة إنما يقدسون أرض كربلاء، ويحيون يوم عاشوراء، لأنها في نظرهم، رمز الجهاد المقدس في سبيل الحرية والكرامة، وعنوان التضحية ضد الظلم والطغيان. فاحياؤها كذلك ثورة على الظلم والطغيان.

ماذا تعني كلمة الحسين عند الشيعة

كتبت ما تقدم عن كارثة كربلاء وأثرها في حياة الشيعة سنة 1375 هجري. وفي شهر رمضان المبارك سنة 1387 كنت في البحرين، كان عليّ أن أصعد المنبر في كل ليلة بمأتم آل العريض الكرام بعد أن أزمع على موضوع يتقبله المثقف العصري وغيره على السواء، وكنت أحرص على بلوغ هذا الهدف كل الحرص.. أما الحكم بأني أدركت ما أردت وأملت فأدعه إلى أهل البحرين.

وفي إحدى الليالي صعدت المنبر، وقبل أن ابتدئ بالكلام سمعت صوتاً يقول: سلام اللّه عليك يا حسين، ولعن اللّه من قتلك، وكان الموضوع الذي أزمعت الحديث عنه لا يتصل بالحسين ولا بيزيد من قريب أو بعيد، وإذا بي أنسى موضوع المحاضرة، وأشرع بتفسير كلمة الحسين عند إطلاقها دون قيد، وكلمة يزيد وماذا تعنيان عند الشيعة، وقلت فيما قلت:
إن التطور لم يقف عند حدود المادة، بل تعداها إلى الأفكار واللغة، لأنها جميعاً متلازمة متشابكة، لا ينفك بعضها عن بعض.. وكلمة الحسين كانت في البداية اسماً لذات الحسين بن علي عليه السلام ثم تطورت مع الزمن، وأصبحت عند شيعته وشيعة أبيه رمزاً للبطولة والجهاد من أجل تحرر الإنسانية من الظلم والاضطهاد، وعنواناً للفداء والتضحية بالرجال والنساء والأطفال لإحياء دين محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وآله ولا شيء أصدق في الدلالة على هذه الحقيقة من قول الحسين عليه السلام، وهو في طريقه إلى الاستشهاد: "أمضي على دين النبي".

أما كلمة يزيد فقد كانت من قبل اسماً لابن معاوية، أما هي الآن عند الشيعة فإنها رمز للفساد والاستبداد، والتهتك والخلاعة، وعنوان للزندقة والإلحاد، فحيث يكون الشر والفساد فثم اسم يزيد، وحيثما يكون الخير والحق والعدل فثم اسم الحسين.

فكربلاء اليوم عند الشيعة هي فلسطين المحتلة، وسيناء، والضفة الغربية من الأردن، والمرتفعات السورية، أما أطفال الحسين وسبايا الحسين فهم النساء والأطفال المشردون المطرودون من ديارهم،.. وشهداء كربلاء هم الذين قتلوا دفاعاً عن الحق والوطن في 5 حزيران.. وهذا ما عناه الشاعر الشيعي بقوله:
كأن كل مكان كربلاء لدى   عيني وكل زمان يوم عاشورا

وما أن نزلت عن المنبر، حتى استقبلني شاب مرحباً وقال: هذي هي الحقيقة وهكذا يجب أن يفهم الإسلام وتاريخ الإسلام، بخاصة كارثة كربلاء.. ثم وجه إليّ سؤالاً وافقني على جوابه، ولم أكن أعرفه من قبل، ولما عرفوني به علمت أنه من سنة البحرين، وأنه يشغل منصباً كبيراً في الحكومة.

علم الإمام علي بن أبي طالب

كان مظهر الحياة الفكرية عند العرب قبل الإسلام اللغة، والشعر، والأمثال، والقصص، ومعرفة الأنساب. وبعد الإسلام والقرآن تطورت الحياة الفكرية والمادية، وتعددت العلوم، وأصبح كل ما أشار إليه القرآن من قريب أو بعيد علماً مستقلاً، ولم يتعرض الإسلام للعقائد والأخلاق والعبادات فحسب، بل تعرض أيضاً للتشريع، والقضاء، والكون وعلاقة الناس بعضهم ببعض.

وكان من نتيجة تعرّض الإسلام للحياة الدنيوية أن آمن المسلمون بمبدأ عام، وهو أن الدين مبدأ التشريع، وحدا بهم هذا الإيمان أن يتخذوا من الدين أساساً لحياتهم الفكرية بشتى فروعها وشعبّها، وأن يبحثوا عن إرادة اللّه وقصد الرسول في كل مسألة تعرض لهم، سواء أكانت دينية أم دنيوية، لأن الدين إذا كان مصدر الهداية فيجب أن يكون مصدراً من مصادر المعرفة أيضاً. وقد رافقتهم هذه الظاهرة في جميع أدوارهم، ولن ينسوها بعد أن اتصلوا بالفلسفة اليونانية والأمم المتحضرة. لم تكن الفلسفة معروفة في صدر الإسلام، ولما عرفها المسلمون فيما بعد انحرفوا بها إلى الدين، وأوضح مثال على ذلك علم الكلام والتوحيد، فإنه فلسفي في صورته دينيّ في مادته.

وليس من غرضنا الآن أن نترجم لكل إمام من أئمة آل البيت ونبيّن منزلته من العلوم، وإنما غرضنا الأول أن نقدّم صورة لعلومهم على وجه العموم، وخير مثال لذلك علم الإمام علي وحفيده جعفر الصادق. فقد ذاع علمهما وانتشر. وظهر أثره في المؤلفات والمدارس الإسلامية أكثر من علم غيرهما من الأئمة. على أنه إذا استطعنا أن نصوّر علم هذين العظيمين أمكننا أن ندرك من خلاله مدى علوم سائر الأئمة، لأن كل إمام كان يأخذ العلم عن أبيه إلى أن تنتهي السلسلة إلى الرسول الأعظم، كما قال الشيخ أبو زهرة في كتاب الإمام الصادق.

كان الإمام علي بن أبي طالب عالماً بأمور الدين والدنيا التي تعرض لها القرآن والسنة. ولم يخف عليه شيء يمتّ إلى الإسلام بسبب قريب أو بعيد، بل رُوي عنه أنه قال: "لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوارتهم، وأهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل القرآن بقرآنهم". وعلمه هذا نتيجة لطول صحبته مع الرسول، فقد ضمّه إليه وهو طفل، وبقي في كنفه بعد النبوة، إلى أن لحق النبي بالرفيق الأعلى. وأسلم حيث لا يوجد على وجه الأرض مسلم إلا محمد وزوجته خديجة. واهتم النبي بتنشئته وتربيته، واتخذه أميناً لسره، واصطفاه لعلمه، وكان كاتبه وشريكه في نسبه وزوج ابنته، وأبا ريحانيته الحسن والحسين، وأخاه حين آخى بين المسلمين، وبديله على فراشه حين همّ المشركون بقتل من يبيت في الفراش. واستخلفه على ما كان عنده من ودائع لما هاجر من مكة إلى المدينة، كما استخلفه على المدينة يوم سار إلى غزوة تبوك، وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. وولاّه القضاء في اليمن، وبلغ عنه سورة "براءة". وشهد مع النبي مشاهده كلها. بل كان علي نفس النبي كما نطقت بذلك الآية 61 من سورة آل عمران: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. فقد أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، وبنسائنا فاطمة، وبأنفسنا النبي وعلي. وقال النبي: "علي مني وأنا من علي... عليّ مع الحق والحق مع علي... علي رباني هذه الأمة... من كنت مولاه فعليّ مولاه"، إلى غير ذلك من الفضائل التي قال عنها طه حسين في كتابه "علي وبنوه": "إن علياً كان أهلاً لها ولأكثر منها، ويعرفها له خيار المسلمين، ويؤمن بها أهل السنّة كما تؤمن بها شيعته".

هذا، إلى عقل يتسع لكل شيء، وفراسة لا يكاد يخفى عليها شيء، وحكمة هي الحقيقة والواقع الملموس وبلاغة ليس فوقها إلا بلاغة القرآن. إن هذا العلم والعقل وهذه الحكمة والبلاغة قد جعلت من الإمام ترجماناً للتشريع ومرجعاً في جميع العلوم الإسلامية، وقدوة لكل مذهب من مذاهب المسلمين. لم يكن للمسلمين علوم مدوّنة في عهد الإمام، ولما صار لهم علوم منظمة، لها أبواب وفصول، ووضعوا الكتب في الفقه، والأصول والتفسير والحديث، وعلم الكلام والتوحيد، والأدب وتاريخه، والبلاغة، وفي المذاهب والفرق، وما إلى ذلك استعان بنور علمه وحكمته كل عالم ومؤلف، واحتج بقوله وبلاغته كل أديب وكاتب. (أنظر كتاب علي والفلسفة للمؤلف).

كان علي عالماً بالأصول والأنظمة التي قررها القرآن والرسول، والتي تحقق للناس الرخاء والهناء فحرص عليها، وأمر عماله بالعمل بها ومن تلك الأصول: "احترام الجماهير". قال في عهده لمالك الأشتر النخعي لما ولاّه على مصر: "إن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة... فليكن صفوك لهم، وميلك معهم". وكتب إلى أحد عمّاله على الخراج "لا تبيعنّ للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعملون عليها ولاعبداً، ولا تضربن أحداً سوطاً بمكان درهم".

"رعاية الموظفين". وقد أوصى الأشتر أن يختار الموظفين الأكفاء، وأن "يسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم. وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا".

"زيادة الإنتاج". وقال للأشتر: "وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ في نظرك من استجلاب الخراج". إلى أن قال: "وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها لأشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء".

"كراهية الحرب". قال له أهل العراق عندما استبطأوه عن حرب أهل الشام بادئ الأمر، إن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهية الموت، فقال: "والله لا أبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ... فواللّه ما دفعت الحرب يوماً، إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحبّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها". وقال لأصحابه بعد أن أثخنوا في أعدائه يوم صفين: "لا تتبعوا موالياً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تنهبوا مالاً". فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم فلا يعرض لهما أحد. وبلغه أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يشتمان معاوية وأهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما بلغني عنكما. فقالا: "يا أمير المؤمنين ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: "كرهت لكم أن تكونوا شتّامين لعّانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم".

"المساكين". اللّه اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين المحتاجين وأهل البؤسى والزمنى... واحفظ للّه ما استحفظك من حقه فيهم، فلا تشخص همك عنهم، ولا تصّعّر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم.

قضاء الإمام

وقد اشتهر عنه أنه كان أقضى أهل زمانه. والقضاء هو المحكّ للمواهب والرأي الصائب، ولمن حفظ العلم حفظ رواية أو دراية، قال أحمد أمين في المجلد الأول من فجر الإسلام: "كان ذا عقل قضائي، فقد ولاّه رسول اللّه صلى الله عليه وآله قضاء اليمن وله آراء ثبتت صحتها في مشاكل قضائية عديدة، حتى قيل عنه: قضية ولا أبا حسن لها" وهذا القول مشهور عن عمر بن الخطاب. وقد عني جماعة من فقهاء السنة والشيعة بجمع قضاياه في كتاب مستقل، منهم الترمذي صاحب أحد الصحاح الستة، والمعلى بن محمد البصري، ومحمد بن قيس البجلي، وعلي بن إبراهيم القمي، وجمع السيد محسن الأمين عدة قضايا أضافها إلى كتاب علي بن إبراهيم، وطبعها في كتاب اسمه "عجائب أحكام أمير المؤمنين".

منها: أن أربعة رجال شربوا الخمر، وكان مع كل واحد منهم سكين، فلما بلغ بهم السكر تباعجوا بالسكاكين، فمات اثنان وبقي اثنان. فجاء أهل القتيلين للإمام وقالوا: إن هذين قتلا صاحبينا فأقدنا منهما، قال لهم... ما علمكم بذلك، لعل كلاً منهما قتل صاحبه ولكن الدية توزع على الأربعة فيصيب كل واحد من الاثنين الباقيين ربع دية كل واحد من القتيلين".

ومبنى هذا الحكم أن الاجتماع على السكر وحمل السكاكين مخالفة صريحة للشرع والقانون. وقد نجمت جناية القتل عن هذه المخالفة التي اشترك فيها الأربعة. فتكون جناية القتل مشتركة بين الأربعة أيضاً.

ومنها أن ستة غلمان تعاطوا لعباً في الفرات، فغرق غلام منهم. فشهد ثلاثة على الاثنين أنهما أغرقاه، وشهد اثنان على الثلاثة أنهم أغرقوه. فقضى بالدية أخماساً منها ثلاثة أخماس على الاثنين ومنها خمسان على الثلاثة.

استند هذا الحكم إلى عدد الشهود، شهد ثلاثة على الاثنين فأصابهما ثلاثة أخماس على كلّ واحد خمس ونصف، وشهد اثنان على ثلاثة فأصابهم اثنان من خمسة، على كل واحد أقل من خمس.

علم الإمام جعفر الصادق

عاش الإمام جعفر الصادق في أواخر زمن الأمويين، وأوائل العهد العباسي، حين أقبلت الدنيا على العرب بسبب الفتوح، واتصلوا بالأمم المتحضرة كالفرس، وعندهم الطب، والهندسة، والجغرافية، والحساب، والتنجيم، والأدب، والتاريخ، والمصريين، وعندهم مدرسة الإسكندرية، والسوريين الذين تاثروا بالعقلية الرومانية. وفي هذا العهد شرع بنقل هذه العلوم إلى اللغة العربية. فأقبل عليها المسلمون يدرسونها إلى جانب الفقه والتفسير والحديث والنحو وما إليه.

ويعقدون لها الحلقات العلمية في مساجد الشام والعراق والحجاز. وفي هذا العهد، وفي الحلقات، كانت تقوم مناقشات عنيفة قسمت المسلمين فرقاً ومذاهب، ما يزال أثرها قائماً إلى اليوم. كانت هذه المناقشات تدور حول مسألة الخلافة ومسألة استقلال الإنسان بأفعاله، ومسألة من ارتكب كبيرة ولم يتب، ومسألة إمكان رؤية اللّه، ومسألة أن صفاته هي عين ذاته أو غيرها، ومسألة خلق القرآن. ولم يكن الخلاف في هذه المسألة قد بلغ ما انتهى إليه في عصر المأمون. وقد كان لهذه الخلافات أثر كبير في العلم والأدب والسياسة. أما أثرها في العلم فإن النظر في الخلافة يستتبع النظر في معنى الرئاسة ومهمتها ومصدرها وشروطها. والنظر في الإرادة والاختيار يستتبع النظر في عدل اللّه وحكم العقل واستحقاق الإنسان للثواب والعقاب. والنظر في مرتكب الكبيرة يستتبع النظر في حقيقة الإيمان والكفر وعلاقة الناس بعضهم ببعض. والنظر في إمكان رؤية اللّه يستتبع النظر في سرّ الوجود وصفات الموجد والقدم والحدوث.

إن النظر في هذه المسائل وما إليها ينتمي حتماً إلى الكائنات وأسبابها. أما أثرها في الأدب فقد وقف الشعراء ينصر بعضهم هذا المبدأ ويدعو إليه، وبعضهم يحاربه ويدعو إلى غيره.

وكان أثرها في السياسة أظهر وأبلغ. لأن الكثير منها يتعلق بالحاكمين وشرعية حكمهم، وعلاقة المحكومين بهم، ولذا رأينا رجال الدولة ينكِّلون بكل عالم لا تتفق سياستهم مع أقواله وآرائه، ويقرّبون إليهم كلّ من وجدوا في قوله مبرراً لظلمهم واستبدادهم. ومن هنا قال بعض الباحثين إن هذه الخلافات كانت في بدء أمرها سياسيّة، ثم تغلب الجانب الديني على الجانب السياسي.

وإذا لاحظنا أن النهضة العلمية عند المسلمين، والإنقسامات المذهبية، والخلافات السياسية يبدأ تاريخ أكثرها بعهد الإمام الصادق، ولاحظنا مع هذا ما اتفقت عليه أهل السير والتراجم من أن الإمام الصادق ابتعد عن السياسة كل البعد، وانصرف انصرافاً تامّاً للعلم، إذا لاحظنا ذلك كله فلا ندهش لما قرأناه من أن أصحاب الحديث جمعوا أسماء الرواة الثقات عن الصادق فكانوا أربعة آلاف رجل، ولما سطّره ابن حجر في "صواعقه": إن الناس نقلوا عن الصادق من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، ولما قاله فريد وجدي في "دائرة معارف القرن العشرين": ألف جابر بن حيان في الكيمياء كتاباً يشتمل على ألف ورقة، يتضمن رسائل جعفر الصادق، وهي خمسمائة رسالة، ولما ذكره الشهرستاني في "الملل والنحل": كان الصادق ذا علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد في الدنيا، وورع تامّ عن الشهوات أقام مدة بالمدينة يفيد الشيعة، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق وأقام بها مدة.. ولما جاء في كتاب "عقيدة الشيعة" للمستشرق دوايت، وقد ساهم عدد من تلامذة الصادق مساهمة عظمى في تقدم علمي الفقه والكلام. وصار اثنان منهم، وهما أبو حنيفة ومالك بن أنس، فيما بعد، من أصحاب المذاهب الفقهية، وكان واصل بن عطاء رئيس المعتزلة، وجابر بن حيان الكيمياوي الشهير من تلامذته، إلى غير ذلك مما ذكره الباحثون من غربيين وشرقيين.

الطابع الخاص لمدرسة الإمام جعفر الصادق وتعاليمه

نوجز الكلام عن تعليم الإمام وطابعه الخاص على ضوء آثاره التي حفظها التراث الإسلامي، ويستطيع الوصول إليها من أراد ذلك. وقد حفظ له هذا التراث أصولاً في الكيمياء، وفي علم الكلام والتوحيد، وفي الأخلاق، وفي العلوم الدينية بشتى فروعها:
الكيمياء: للصادق رسائل في الكيمياء درجها تلميذه جابر بن حيّان في مؤلفاته العديدة. وقد نشر بعضها، والبعض الآخر لم ينشر بعد، وهو موجود في القاهرة. ومما طبع: كتاب الرحمة، وكتاب الميزان، وكتاب الملك، وكتاب مختار رسائل جابر بن حيان، ونترك الكلام عن طابعها وفوائدها إلى ذوي الاختصاص.

علم الكلام والتوحيد
: له كتاب توحيد المفضل، درجه المجلسي في كتاب البحار بكامله، وطبع مستقلاً بمصر. وله احتجاجات وتعاليم في الإلهيات يجدها المتتبع في كتاب أصول الكافي للكليني، وكتاب الشافي للسيد المرتضى، وفي غيرهما من كتب الحديث والعقائد لعلماء الشيعة الإمامية.

وطريقته لفهم ما وراء الطبيعة ترتكز على منطق العقل والفطرة والثقة بما يستنتجه ويستنبطه من الفرض الصحيح فكل فرض يصح إذا كان نتيجة منطقية لقضية بديهيَّة. وهذا الأسلوب يعتمده اليوم علماء الطبيعة وغيرهم وبه يستدل الإمام على حدوث العالم، وبحدوثه على وجود الصانع. وكان يوجه اهتماماً بالغاً إلى إزاحة كل شبهة تحوم حول وحدانية اللّه وعدله وقدرته وسمّوه، وحول بعث الأنبياء وتنزيههم.

فاللّه واحد، وعالم، وقادر، وصفاته عين ذاته، ليس كمثله شيء. وكلامه مخلوق وليس بقديم. والبعث والحساب لا بدّ منهما. والأنبياء معصومون قبل النبوّة وبعدها. والخلافة تكون بنصّ الرسول لا بالانتخاب. والإنسان مخير غير مسيّر، وخلاصه بيده لا بيد أحد من الناس.

الأخلاق: له مواعظ وحكم، ووصايا أوصى بها أهل بيته وأصحابه نجدها متفرّقة في كتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهاني، وكتاب "تحف العقول" للحسين الحرّاني، وكتاب "مطالب السؤول" لمحمد بن طلحة الشافعي، وغير ذلك من كتب الأخلاق، والحديث. ولو جمعت لجاءت في كتاب ضخم، وهي تضع قواعد لحسن السلوك وتقرّره على مبدأ المساواة بين الناس جميعاً، ومبدأ أن الإنسان خيّر بطبعه طيّب بذاته، وإنما تفسده التربية والمحيط والأوضاع. فمن أقواله: "أصل الإنسان عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون. إن النفس لتلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت. بني الإنسان على خصال، فمهما بني عليه فإنه لا يبنى على الخيانة والكذب". وإذا كان طبع الإنسان الصدق والأمانة، فالكاذب الخائن إذن من أخرج الإنسان عن طبعه ووضعه، وعمل على هدم بنائه وكيانه.

التفسير: للشيعة كتب عدة في تفسير القرآن، منها كتاب "مجمع البيان" للطبرسي، وكتاب "التبيان" للشيخ الطوسي، وكتاب "كنز العرفان" للمقداد. وقد رووا في هذه الكتب وغيرها من كتب التفسير والحديث عن الإمام الصادق تفاسير لكثير من آيات الكتاب، وخاصة فيما يتعلق بالأحكام. والشيعة لا يفسرون آية من القرآن إلا بعد مقابلتها مع سائر الآيات، وبعد البحث عما صحّ عن النبي وآل بيته من التفسير، لأن في القرآن آيات ينسخ أو يخصص بعضها بعضاً، وفي السنة أحاديث تفسر كثيراً من الآيات. وكلام اللّه والرسول لا يتناقضان، لأنهما بمنزلة الشيء الواحد، فإن لم يجدوا في الكتاب ناسخاً ولا مخصصاً، ولم يجدوا في السنة مفسراً، فسروا الآية بما يقتضيه ظاهر لفظها ما لم يتنافَ الظاهر مع العقل، وإلا أوجبوا التأويل بما يتحمله اللفظ، ويقبله العقل. وقد أخذوا هذه الطريقة في التفسير عن أئمة آل البيت.

الفقه

تعرّض الفقه الإسلامي لأحوال الإنسان الخاصة والعامة: لواجبه مع اللّه، ومع نفسه وأسرته، ولعلاقته مع الدولة والمجتمع، ولشؤونه الزراعية والتجارية، ولما ينتج، ويستهلك. ولهذا كان الفقه الإسلامي أوسع من سائر العلوم الإسلامية، وكانت آثار الصادق فيه أكثر منها في غيره، فظهرت في كتب الصحاح للسنة، وفي كل كتاب من كتب الحديث والفقه للشيعة، وفي كل باب من أبوابها، وهذا هو السرّ في تسمية الشيعة الإمامية أحياناً بالجعفريين، ونسبتهم إلى الإمام جعفر دون غيره من الأئمة الاثني عشر. وقد تصدى جماعة، منهم الجاحظ بن عقدة الزيدي، والشيخ أبو جعفر الطوسي، لإحصاء عدد الرواة الذين رَوَوا عن جعفر بن محمد، ودوّنت أسماؤهم ورواياتهم في الكتب الموجودة بين أيدي الناس، فبلغوا أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز والشام وخراسان. وفي "كتاب المعتبر" للمحقق الشيخ علي بن عبد العال: "كتب من أجوبة مسائل جعفر بن محمد أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنّف سمّوها أصولاً".

وبهذه الأصول أصبح الصادق مرجعاً للفقه والتشريع عند الشيعة الإمامية. وبعد عصر الأئمة بقليل جمعت هذه الأصول الأربعمائة في أربعة كتب: في "كتاب الكافي" لمحمد بن يعقوب الكليني، وكتاب "من لا يحضره الفقيه" لمحمد بن بابويه القمي المعروف بالصدوق وكتاب "الاستبصار"، وكتاب "التهذيب" لمحمد بن الحسن الطوسي.

طريقته في التشريع

نهى الصادق عن العمل بالقياس، وكان يقول: إن المقاييس لا تزيد أصحابها إلا بعداً عن الحقّ، ونهى عن اتباع كل ظنّ لا يستند إلى مصدر صحيح. ومعنى القياس إلحاق أمر بآخر في الحكم الشرعي لاتحادهما في العلة، وهو من الأصول الشرعية عند الأحناف وغيرهم.

ومن تتبع أقواله وأحكامه يجد له شخصية علمية مستقلة بذاتها، فلم يسند حديثه إلى الرواة، ولا إلى قول مشهور أو مأثور إلا نادراً، وتقول الشيعة: إن الإمام إذا حدّث، ولم يسند، فسنده أبوه عن جده عن الرسول، ومهما يكن فإن ما رُوي عنه في التشريع يرتكز على مبادئ عامة منها:
الحرية

لكل إنسان من ذكر وأنثى حرية التصرف بنفسه، وبما يختص به من شؤون، ولا سلطان عليه لأحد إلا إذا كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً، فيولى عليه حينئذٍ قوي أمين، على أن لا تتعدى تصرفات الولي مصلحة المولى عليه.

ومنها المساواة

إن جميع الناس سواء أمام القانون، فكل جان يعاقب، وكل غاصب يغرم، ولا حصانة لحاكم، ولا لذي منصب كائناً من كان، وكل قانون يقسم الناس على غير أساس التقوى، فهو جائر.

ومنها الثقة بالإنسان، واحترام شعوره ومعاملات الإنسان، وجميع تصرفاته صحيحة بموجب الأصل ما لم يثبت العكس، إلا فيما يدّعيه على غيره، لأن كل إنسان بريء ما لم تثبت إدانته، وكل من يدين بدين يرتب على أعماله آثار الصحة ما دامت موافقة لما يعتقد، وإن خالفت الإسلام.

ومنها تحريم الاستغلال

إن الغشّ والربا والاحتكار، وكل معاملة تؤدي إلى استثمار الغير فهي باطلة، وكل احتيال على الشرع والقانون فهو تضليل، وكل من كان في يده شيء يمنع من التصرّف به إذا أدى إلى الإضرار بغيره.

ومنها الإباحة والحلّ كل شيء فيه صلاح للناس من جهة من الجهات فهو حلال وكل من اضطر إلى شيء فهو له مباح، فالجائع الذي لا يجد سبيلاً للعيش لا يُعاقب على السرقة، والمدين الذي يعجز عن الوفاء لا يُحبس ولا يحجز وله ما يضطرّ إليه من مسكن ومأكل وملبس.

ومنها الذمة

لكل بالغ عاقل صفة ذاتية تؤهله للإلزام والالتزام بما له وما عليه، وعلى من ضمن وتعهد أو اؤتمن على عمل أو مال أن يؤديه على وجهه، وللطرف الثاني الحق في أن يحاسبه ويلزمه بالوفاء، وأن يتسلط عليه وعلى ماله إذا خان أو قصر. والشرط الرئيسي لصحة الإلزام والالتزام أن يكون العمل حقاً للملتزم وسائغاً في نفسه، لا يستدعي ضرراً على من ألزم أو التزم، ولا على غيرهما، فكل معاهدة تخرج عن اختصاص المتعاهدين أو تضرّ بهما أو بأحدهما أو بغيرهما، أو تكون مجهولة الحقيقة فهي تضليل يجب الغاؤها، وكل تجارة أو زراعة أو صناعة فيها شائبة الضرر فهي فاسدة، وكل من نذر أو أقسم أو عاهد اللّه أن يفعل ما يضرّ به أو بغيره فنذره وقسمه وعهده لغو.. قرر الصادق هذا المبدأ بأحاديث كثيرة منها: "من اشترط شرطاً سوى كتاب اللّه فلا يجوز له ولا عليه. والمسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حلّل حراماً أو حرّم حلالاً. كل شرط خالف كتاب اللّه فهو مردود. إذا رأيت خيراً من يمينك فدعها، وافعل الذي هو خير، ولا كفَّارة عليك، إنما ذلك من خطوات الشيطان، إن الكفارة إذا حلف الرجل على أن لا يزني ولا يشرب ولا يخون وأشباه هذه.

ومنها قاعدة الأقرب فالأقرب: اعتمد الصادق على هذا المبدأ في الإرث، فجعل الأولاد والآباء أولى بالإرث من الاخوة والأجداد، والاخوة أولى من الأعمام والأخوال. فمتى وجد واحد من المرتبة المتقدمة حجب عن الإرث كل من كان في المرتبة المتأخرة، فالبنت تحجب عمها، كما يحجبه الابن من غير فرق. واعتمد على هذا المبدأ أيضاً في النفقات قال: "إن أفضل ما ينفقه الإنسان على نفسه وعياله، ثم على والديه، ثم الثالثة على القرابة والإخوان، ثم الرابعة على الجيران الفقراء، ثم الخامسة في سبيل اللّه، وهو أخسّها أجراً".

إن هذه المبادئ التي ذكرناها بقصد التمثيل، لا بقصد الحصر، يسري أكثرها في الأمور المدنية كالبيع والإجارة، وما إليها من الموجبات والعقود، وفي الأمور الجنائية كالقتل والسرقة، وفي الأحوال الشخصية كالزواج والوصايا، وفي جميع المعاهدات والالتزامات. وهي تمثل لنا روح التشريع في أحكام الإمام الصادق، ومذهبه في الفقه الذي استمدّه من واقع الحياة، من كرامة الإنسان وحريته وحاجاته ومصالحه، لا من الظّن والخيال، ولا من أهواء السلطات، وشهوات المحتكرين. إن الحرية والمساواة وصيانة حقوق الإنسان واحترام ذمته وما إلى ذلك هي المدارك الصحيحة للفقه عند الإمام الصادق. وما الكتاب والسنة إلا تعبير صادق ولسان ناطق لهذه المبادئ. وهذا ما أراده الصادق حين قال للشيعة: لا تقبلوا علينا حيدثاً إلا ما وافق القرآن والسنة، أو كان معه شاهد من أحاديثنا، أي لا تقبلوا حديثاً فيه شائبة الظلم والمحاباة. إن هذه النظرة إلى الفقه نتيجة طبيعية لتلك الثقافة الواسعة، والعلم الغزير. بالكتاب والسنة وعلى مبدأ الإمام الصادق، يجب على من يريد أن يفهم الفقه أن يعي المبادئ الإنسانية قبل كل شيء. وإلا فهو أبعد ما يكون عن فقه الصادق وآيات اللّه. وسنة الرسول صلى الله عليه وآله.


1- وهكذا زعم الأمويون من قبل، روى المسعودي في مروج الذهب أن العباسيين حين فتحوا الشام، وانتزعوها من الأمويين حلف لهم أشياخ أهل الشام وأرباب النعم والرياسة أنهم ما علموا أن لرسول اللّه قرابة ولا أهل غير بني أمية، حتى ذهب الأمويون، وجاء العباسيون.
2- تاريخ الشيعة للمظفر، وأعيان الشيعة ج 11 للسيد الأمين، وتاريخ إيران لمكاريوس، وتاريخ العراق بين احتلالين للغزاوي، وأربعة قرون من تاريخ العراق للونكريك، وعقيدة الشيعة لرولندس، والأدب في العراق لبراون وغير هذه الكتب.
3- لونكريك في «أربعة قرون من تاريخ العراق» ص 21 طبعة ثانية.
4- عن كتاب تحفة العالم إن السلطان التركي حين توجه إلى النجف الأشرف، ورأى القبة العلوية من مسافة أربعة فراسخ ترجل عن فرسه، ولما سئل عن السبب قال: اهتزت أعضائي لمرأى القبة، فقيل له: إنك لا تستطيع المشي، فتفأل بالقرآنِ الكريم، فخرجت هذه الآية: «فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى»، فاضطر إلى السير على الأقدام.
5- بعد أن ننتهي من الكلام عن الصفويين ندرج فصلاً عجيباً عن هذه الآثار التي تشبه السحر والأساطير، نقلناه عن جريدة النهار البيروتية.
6- كتاب «تاريخ إي

08-03-2016 عدد القراءات 1138



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا