يتم التحميل...

سورة الأنبياء

تفسير الكتاب المبين

سورة الأنبياء

(1): ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ: في يوم القيامة، والمراد بالقرب إن كل آت قريب، وفي نهج البلاغة: من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفًا، ويقطع المسافة وإن كان مقيمًا وادعًا ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ: عما يراد بهم ﴿مَّعْرِضُونَ: عن سبيل الهدى والنجاة.

(2): ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ: المراد بالذكر القرآن، وبمحدث التجديد في الحياة والتقاليد ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ: لأنهم أعداء التطور والتجديد وإن كانوا الأفضل والأكمل، وأنصار الجمود والجدود وإن كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون.

(3): ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ: عن الحق والخير ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُو: الذين بدل من واو أسروا، والنجوى: حديث السر ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ: أسر بعض المشركين لبعض وقالوا: من هو محمد حتى يُسمع له ويُطاع؟ إنه تمامًا كأحدكم، فكيف اختص بالوحي من دونكم؟.

(4): ﴿قَالَ: محمد: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ: ومن أحاط علمًا بكل قول وفعل يعلم أن قول محمد (ص) حق وصدق، وقول أعدائه زور وبهتان.

(5): ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ: أخلاط منامات لا أصل لها ولا أساس من الواقع ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ: وإن دلَّ هذا الإضطراب والتخبط في الأقوال والآراء عن محمد (ص) والقرآن على شيء – فإنه يدل على أنهم هم الحالمون الواهمون وأن محمدًا (ص) هو الصادق المحق.

(6): ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ: قال أعداء محمد (ص): نرفض كل معجزة يأتينا بها إلا معجزة نقترحها نحن. فأجابهم سبحانه بأن بعض الأمم اقترحوا على أنبيائهم نوعًا معينًا من المعجزات كناقة صالح، ولما استجابوا لهم رفضوا الإيمان، وأصروا على الكفر، فأهلكهم الله سبحانه، وعين الشيء يحدث لأعداء محمد (ص) لو استجاب لاقتراحهم.

(7): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ... : تقدم بنصه في الحرفي في الآية 43 من النحل.

(8): ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ: ليس الأنبياء أرواحًا بلا أجسام، ولا خالدين لا يموتون... إنهم تمامًا كغيرهم من الناس لا يمتازون عنهم في شيء إلا في التبليغ عن الله سبحانه.

(9): ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ: وهو أن الله يهلك أعداء الأنبياء ﴿فََأََنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء: أنجى المرسلين من الهلاك ومن تبعهم من المؤمنين ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ: في الضلال والفساد.

(10): ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ: أيه العرب، وكنتم من قبله الضالين المتخلفين. قال المفكر الفرنسي (برزدويه): إن محمدًا أزكى ثمرة لأطيب شجرة نبتت في جزيرة العرب، بيده كتاب لا يزال غضًا نضرًا، لم يطرأ عليه الذبول، ولم تغيره الأيام رغمًا مرور أربعة عشر قرنًا.

(11): ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ: كان في القرون الخالية أُمم غرتهم الحياة الدنيا، فأهلكهم سبحانه بذنوبهم، وأتى بغيرهم من عباده، وفيه تهديد للذين كذبوا محمدًا (ص) وتقدم في الآية 6 من الأنعام.

(12): ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ: حين أيقنوا بوقوع العذاب حاولوا الهروب والنجاة، ولكن أين المفر والإله الطالب؟.

(13): ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ: حين ينزل العذاب بالطغاة يفرون هاربين لا يلوون على مال وبنين، فيقال لهم تهكمًا وتوبيخًا: إلى أين؟ ارجعوا إلى ترف الحياة وبهجتها التي ركنتم إليها واغتررتم بها ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ: كيف تركتم ما كنتم به تباهون وتفخرون.

(14): ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ: ولكن الحسرات لا ترجع ما قد فات.

(15): ﴿فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ: يكررون الدعاء بالويل على أنفسهم، وتكرر تعذيبهم حتى تجمد حركاتهم، وتخمد أصواتهم.

(16): ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ: بل لحكَم بالغة، منها الدلالة على ذاته تعالى وصفاته كما في الآية 44 من العنكبوت، ومنها أن تُجزى كل نفس بما كسبت كما في الآية 22 من الجاثية.

(17): ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّ: اللهو والعبث محال في حق من يقول للشيء كن فيكون، ولو أراد اللهو لخلقه بقدرته، ولكنه لا يريده ولا يفعله.

(18): ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ: أن الله سبحانه لا يلهو ولا يهزأ أو يعبث، بل ينزل القرآن، وفيه الدليل القاطع الذي يحق به الحق، ويبطل الباطل ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ: وتفترون من نسبة الصاحبة إليه تعالى والولد والبنات واللهو وما إلى ذلك من صفات المصنوعين.

(19): ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: لماذا اللهو والولد؟ وفي قبضته كل شيء، وإليه مصير العباد﴿وَمَنْ عِندَه: أي ومن له وجاهة ومكانة عند الله ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ: لا يعيون ولا يملُّون.

(20): ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ: لا يسأمون بل هم دائبون على الطاعة في القول والعمل.

(21): ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ: من أخص خصائص الإله وصفاته أن يوجد الأحياء وينشر الموتى، وآلهة المشركين أضعف وأحقر.

(22): ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَ: ضمير فيهما للسموات والأرض وإلا بمعنى غير صفة للإلهة، ووجه الاستدلال في هذه الآية على التوحيد ما أشار إليه سبحانه في الآية (91) من المؤمنون: (وما كان معه من إله إذًا لذهب كل إله بما خلق – أي لتميز ملك كل إله عن ملك الآخر وهو خلاف الواقع – ولعلا بعضهم على بعض) أي لحدث بين الآلهة تحارب وتغالب تمامًا كما هو الشأن في الملوك والرؤساء، وبيَّنَّا فيما بق أن كل واحد من الإلهين لا يخلو من أحد فرضين، إما قادر على الاستقلال في الخلق فوجود الثاني لزوم ما لا يلزم، وإما عاجز عنه فالعجز نقص، وتعالى الله عن هذا وذاك.

(23): ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ: فعله وقوله سبحانه هما الحق والعدل والصدق، والحق دليل لا مدلول والعدل حاكم لا محكوم، والصدق سائل لا مسئول وإلا فلا صدق ولا عدل ولا حق أول ولا مبدأ على الإطلاق.

(24): ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً: تقولون: لله شريك ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ: وأنا أول العابدين إن كنتم صادقين ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ: أي هذا القرآن الذي معي ﴿وَذِكْرُ مَن قَبْلِي: والكتب التي قبلي ليس فيها للشرك عين ولا أثر ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ: ويقولون بالجهل والعمى.

(25): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ... : كل الأنبياء جاءوا بالتوحيد ولو كان لله شريك لبعث للناس رسله.

(26): ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا... : تقدم مرارًا منها في الآية 116 من البقرة.

(27): ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ: لا يتقدمون بين يديه تعالى بشيء ﴿وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ: ولا يخالفونه في شيء.

(28): ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: ما هم فيه الآن ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ: وما كانوا عليه بالأمس ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى: أعماله ومقاصده، ولكن بدر منه بعض الفلتات.

(29): ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ: فجزاؤه جهنم.

(30): ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَ: كان الكون بمجموعه كتلة واحدة، ثم تفتت إلى ذرات تسبح في الفضاء الرحب، وكل من الأرض والشمس والقمر والزهرة والمريخ وغير ذلك من الكواكب ذرة من هذه الذرات. وهذه الحقيقة إلي أعلنها القرآن الكريم منذ 14 قرنًا، اهتدى إليها العلم الحديث منذ أمد قريب. والحقيقة الثانية التي أثبتها العلم هي لا حياة بلا ماء، وإليها أشار سبحانه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ: بالله وعظمته ومعجزات كتابه وقرآنه تزداد قوة ووضوحًا مع الزمن وتقدم العلم إلى الأمام.
(31): ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ: جبالاً أرسى بها الأرض وثقلها ﴿أَن تَمِيدَ بِهِمْ: لئلا تضطرب بأهله﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجً: فجوة وثغرة هنا وهناك ليسلك الناس فيها من بلد إلى بلد لأن الجبل الحائل يصعب التسلق على قمته، ثم الهبوط إلى أسفله ﴿سُبُلً: طرقًا ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ: في أسفارهم إلى ما يقصدون.

(32): ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفً: أي مثل السقف في رؤية البصر ﴿مَّحْفُوظً: فكل كوكب يدور في فلكه، ولا يتعداه بفعل الجاذبية.

(33): ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: تقدم في الآية 12 من النحل ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: كل كوكب يدور في فلكه الخاص به وحده. وفي تفسير ابن كثير أن ابن عباس تلميذ الإمام عليّ (ع) قال: يدور الكوكب كما يدور المغزل في الفلكه، وفلكة المغزل: قطعة صغيرة مستديرة في أعلاه.

(34): ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ
: تمنى خصوم محمد (ص) أن يموت، فقال سبحانه: ﴿أَفَإِن مِّتَّ: يا محمد ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ: الموت سبيل كل حي.


(35): ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً: كل إنسان يُبتلى ويُمتحن بالشدة والرخاء والصحة والأدواء، وأيضًا بالحلال والحرام والطاعة والمعصية، وهنا يعرف الأصيل من الدخيل والتقي من الدعيّ ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ:لتُجزى كل نفس بما كسبت.

(36): ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوً: ولماذا الهزء والسخرية بمحمد؟ لأنه يقول: الناس سواسية كأسنان المشط، وأيضًا يقول الدين المعاملة! وفوق ذلك أنكر عبادة الأحجار والأصنام! ولهذا المنطق الآن وفي كل زمان أتباع وأنصار! والإختلاف في المظهر لا في الجوهر، أو ما سمعت أولئك الذين يسمون من يناصر العدالة والمساواة مخربًا وهدامًا، والمؤمن المخلص جامدًا ورجعيًا ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ: بأنها أحجار لا تضر ولا تنفع! لقد تجاوز كل حد! وكل مصلح ومجدد له خصوم من هذا النوع.

(37): ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ: لما استهزأ المشركون برسول الله (ص) ظن بعض المؤمنين أن الله سبحانه سيعاجلهم بالانتقام، فقال، عظمت كلمته: إن الله يمهل ولا يهمل. وفهم بعض المفسرين من الآية الدلالة على أن الإنسان عجول بالطبع والفطرة! وهذا ينافي النهي عن العجلة، لأن ما بالذات لا يكون موضوعًا لأمر أو نهي وعليه فَنَعتَ الإنسان بالعجول أو الكفور أو اليؤوس وما أشبه – وهو تفسير لسلوكه بالنظر إلى بعض مواقفه، وليس تحديدًا لطبيعته وهويته.

(38): ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ: واضح، وتقدم مرات، منها الآية 70 من الأعراف.

(39): ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ: يستعجلون عذاب النار، وهم أضعف من أن يستطيعوا عليها صبرًا، ولها ردًا أو يجدون منها مهربًا، وكم من مستعجل أمرًا لو أتاه لضاق به، وتمنى أنَّه لم يأت.

(40): ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً: تأتيهم الساعة فجأة بال سابق إنذار ﴿فَتَبْهَتُهُمْ: فتذعرهم ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ: أبدًا لا حيلة ولا وسيلة، ولا إمهال وقيل وقال:

(41): ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ... : واضح، وتقدم في الآية 10 من الأنعام.

(42): ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم: يحرسكم ويحفظكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ: مهما احتاط الإنسان، وبالغ في التحفظ من المخبآت والمفاجآت فلا ينجو منها إلا بعناية من الله وتوفيقه فكيف يحترس ويسلم من قضائه وقدره.

(43): ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَ: إذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ:هؤلاء الذين تستجيرون بهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وتقدم في الآية 76 من المائدة وغيرها ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ: يجارون فكيف يجيرون.

(44): ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ: أمهلهم سبحانه، وأمدَّ في حياتهم، ونعموا في العديد من متاع الحياة، فظنوا أنهم على شيء ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَ: بموت من بنى وشيَّد، وغرس وجاهد، وتقدم في الآية 41 من الرعد ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ: بل مغلوبون وخاسئون.

(45): ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ: قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الساخرين: أتهزئون بي وبالقرآن؟ وما أتيتكم بشيء من عندي. إنه لقول الفصل وما هو بالهزل من العليّ القدير، أُنذركم به وكفى، وهو أعلم بي وبكم ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ: وكيف تسمعون التحذير والإنذار، وفي آذانكم وقر وصمم.

(46): ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ: لذعة خفيفة من نار جهنم ﴿لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا... : تقدم في الآية 14 من هذه السورة.

(47): ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ: وليس المراد بالموازين هنا ما لكل واحد منها كفتان وعمود ولسان، بل المراد أحكام الله وشريعته ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئً: بل إن تكُ حسنة يُضاعفها، وإن تكُ سيئة فواحدة بواحدة، ويعفو عن كثير﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ: حتى عدد أنفاس الخلائق بلا عقل الكتروني، وفي نهج البلاغة: أن عليكم حفاظ صدق يحفظون أعمالكم، وعدد أنفاسكم، لا تستركم منهم ظلمة ليل داج، ولا يكنكم منهم باب ذو رتاج.

(48) – (49): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ: التوراة السماوية التي تفرِّق بين الحق والباطل لا الأرضية التي تصف الله سبحانه بصفات يهتز لها العرش.

(50): ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ: القرآن الكريم الذي أنقذ الإنسانية من دياجير الجهل والضياع، وهداها الطريق السوي السليم ﴿أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ:؟ فأتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين.

(51): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ: الهداية صغيرًا، والنبوة كبيرًا ﴿مِن قَبْلُ: الذين جاؤوا بعده كموسى وعيسى﴿وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ: إنه أهل للنبوة (الله أعلم حيث يجعل رسالته – 124 الأنعام).

(52): ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ... : هذه هو الرشد الذي آتاه الله لإبراهيم: الثورة على الجهل والخرافة.

(53) - (54): ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ: ولا تبديل وتغيير لما كانوا يفعلون.

(55): ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ: ؟ استبعدوا أن يكون جادًا لأنهم لم يسمعوا بهذا من قبل.

(56): ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: وليست هذه التماثيل إلا أسماء من غير مسميات.

(57): ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ: لأتركنها محطمة مهشمة من حيث لا تشعرون.

(58): ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ: حطم إبراهيم الأصنام، وجعلها قطعًا متلاشية، وترك أكبرها عن قصد كي يسألوه عن الجاني، ولا يجيب كما تأتي الإشارة.

(59): ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ: وكان الأجدر أن يتساءلوا: لماذا لم تدافع الآلهة عن نفسها، وتفعل بالجاني قبل أن يفعل بها، أو يسخروا منها – على الأقل – كما سخر الإعرابي من صنمه حيث قال: (أربُّ يبول الثعلبان بوجهه لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالب).

(60): ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: يذم الأصنام ومن يعبدها، ويقول: لأكيدنَّها وأُحطِّمنَّها.

(61): ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ: أرادوا أن يستجوبوه ويحاكموه محاكمة علنية، ويعاقبوه على جريمته ليتعظ من يحاول النيل من مقام الآلهة.

(62): ﴿قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَ: ؟ أتوا بإبراهيم على ملأ من الناس، وكانت هذه أُمنيته ليقيم عليهم الحجة بأنهم في ضلال مبين، وحين وجَّهوا هذا السؤال.

(63): ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَ: ومن الواضح أن إبراهيم ما أراد الخبر والحكاية عن الواقع كي يقال: كذب في ذات الله كما روي أبو هريرة عن النبي، وإنما أراد توبيخهم وإقامة الحجة عليهم بدليل قوله تعالى:﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ: ما هذا التناقض؟ آلهة ولا تشعر! ولا غرابة فإن العقل الخرافي يقبل التناقضات والأساطير، وينأى عن التعليل والتحليل حتى ولو رجع إلى الصواب في لحظة طارئة، فإنه يرتد عنه إلى الخرافة والجهالة كما قال سبحانه:

(64): ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ: تساءلوا: كيف نعبد أحجارًا لا تدفع السوء عن نفسها ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ: وليس إبراهيم، ولكن سرعان ما عادوا إلى الخرافة التي غمرت عقولهم ونفوسهم.

(65): ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ: والنكسة: الوقف على الرأس، والمراد بها هنا الرجوع عن الاعتراف بالحق إلى الباطل وإصرارهم عليه في قولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ: انتزع إبراهيم (ع) الإعتراف بأن أربابهم لا تحس ولا تشعر ليقول:

(66) – (68): ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ: وهذه حجة مفحمة، وبيّنة لازمة ولكن ثم ماذا؟ ما داموا لا يدركون ويتدبرون كما خاطبهم إبراهيم (ع): ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ: بأن هذه أحجار صماء؟ ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ: وهنا العكس والنكس حيث ينتصر المربوب لربه والمخلوق لخالقه! ولكن العقل الخرافي يجوز عليه أكثر من ذلك كما سبقت الإشارة.

(69): ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ: وإن قال قائل: كيف بردت النار وهي محرقة بالطبع؟ قلنا في جوابه: إن القوانين العقلية الرياضية هي التي يجب إطرادها ويستحيل نقضها وخرقها مثل المدور غير المربع والمثلث له ثلاث أضلاع، أما القوانين الطبيعية فنقضها وتخلفها ممكن عقلاً ممتنع عادة مثل الحديد يتمدد بالحرارة، فإن العقل لا يرى أي تناقض في أن توجد الحرارة ولا يتمدد الحديد، وأن لا تؤدي النار إلى الإحراق، وشرب السم إلى القتل، ولا شيء أدل على ذلك من أن العلم بالقضايا الطبيعية مصدره الحس والتجربة أما القضايا الرياضية فمصدره العلم بها الفطرة وبديهة العقل.
(70): ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ: أوقدوا النار ليحرقوه بها. فكانت من معجزاته والدليل القاطع على صدقه ونبوته وعلى كذبهم وضلالهم.

(71): ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ: ارتحل إبراهيم (ع) هو وابن أخيه لوط من العراق إلى فلسطين ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَ: لكثرة أنبيائها.

(72): ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: لإبراهيم ﴿إِسْحَقَ: ووهب سبحانه لإسحق ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً: عطية من غير سؤال.

(73) – (74): ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَ: الإمام الحق هو الذي يبدأ بنفسه، ويكون القدوة الحسنة والمثل الأعلى في العمل بما يدعو إليه، وتنحصر مهمته بالهداية إلى طاعة الله سبحانه التي تشير إليها كلمة (بأمرنا) وحدد، جل وعز، هذه الطاعة بقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ: والمراد بالخيرات كل ما ينتفع به الناس من قول أو رأي أوعمل، وبالصلاة والزكاة والفروض المالية والجسدية المذكورة في كتب الفقه.

(75): ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمً: فاصلاً في النزاع والخلاف بين الناس ﴿وَعِلْمً: بدين الله وشريعته ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ... : تقدم مفصلاً في الآية 80 وما بعدها من الأعراف والآية 77 وما بعدها من هود.

(76) – (77): ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ... : يشير سبحانه إلى قول نوح: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا – 26 نوح... اني مغلوب فانتصر – 10 القمر) ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ: تقدم في الآية 26 – 49 من هود.

(78): ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ: في الزرع ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ: رعت الزرع ليلاً ﴿غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ: لحكم داوود وسليمان على أن يكون أقل الجمع اثنان.

(79): ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ@