يتم التحميل...

سورة الحج

تفسير الكتاب المبين

سورة الحج

(1): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ: الساعة: يوم القيامة، وزلزلتها: خراب الكون بأرضه وسمائه.

(2): ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى: هذا كناية عن هول الساعة وشدتها حيث لا مرضع ولا حامل يومذاك، وعليه يكون المعنى لو كان ثمة مرضع لذهلت أو حامل لوضعت.

(3): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ: إن النقاش والجدال بمعنى الكلمة لا يكون ولن يكون إلا بين عالمين، لأن العالم يضل عقله عند محاورة الأحمق ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ: كل من أخفى حقيقته بالشعوذة والرياء ليضل الناس عن الطريق السوي فهو شيطان، أما المريد فهو الذي بلغ الغاية من الفساد والعناد.

(4): ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ: من قلد الضال المضل قاده في الدنيا إلى كل سوء وفي الآخرة إلى عذاب الحريق بحكم مبدأ العلية.

(5): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ: من شك في البعث فلينظر إلى ابتداء خلقه من أي شيء نشأ ووجد ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ: بلا واسطة كخلق أبينا آدم، أو بوسائط كخلقنا نحن، فكل ما به حياتنا وبقاؤنا ينتهي إلى الماء والتراب وغيرهما من العناصر، ولكن التراب هو ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ: المني ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ: تتحول النطفة إلى دم جامد ﴿ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ: تستحيل العلقة قطعة لحم كأنها ممضوغة ﴿مُّخَلَّقَةٍ: أي بعضها تام الخلقة ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ: وبعضها الآخر ناقص الخلقة ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ: قدرة الله على البعث وغيره﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى: وهو الذي تلد في المرأة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلً: ضعيفًا نفسًا وجسمًا ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ: تتكامل القوى، وتتزايد شيئًا فشيئًا حتى الشباب ﴿وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى: قبل ذلك﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئً: هرم وخوف وضعف في الجسم والعقل، ولا علاج يجدي، ودواء يغني، وتقدم في الآية 70 من النحل ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً: لا حياة فيها ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ: نبضت بالحياة، وارتفعت بالنباتات ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ: صنف ﴿بَهِيجٍ: يسر الناظرين، وهذا دليل آخر على إحياء الموتى.

(6) – (7): ﴿ذَلِكَ: الذي ذكرناه من أمر الأرض والإنسان دليل قاطع ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ: القائم بذاته، ولا يقوم سواه إلا بقدرة الله وإرادته.

(8): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ: قال الماديون: لا طريق إلى العلم والمعرفة إلا الحس والتجربة، وقال المثاليون: الطريق إلى المعرفة هو العقل وكفى، أما القرآن فقد قرر بوضوح أن مصادر المعرفة ثلاثة: 1) التجربة 2) العقل، لأن الإنسان عينًا ترى وعقلاً يدرك 3) الوحي، لأن الله بكل شيء عليم، وهذه الآية جمعت المصادر الثلاثة، فالعلم إشارة إلى التجربة، والهدى إلى العقل، والكتاب المنير هو الوحي.

(9) – (10): ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ: العطف: الجانب أو الرقبة، ثنى عطفه لوى جانبه أو رقبته، والمراد بثاني عطفه هنا المتكبر المعرض عن الحق ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ: أي إن جداله بغير علم يؤدي إلى الضلال عن الطريق السوي.

(11): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ: لأمر كان يأمله ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ: السرّاء ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ: الضراء ﴿انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ: ارتد عن دينه، وفي التفاسير: أن هذه الآية نزلت في بعض الأعراب الذين أسلموا، فإذا اتفق لأحدهم ما يعجبه من مال وولد قال: هذا دين حسن وإلا تشاءم وارتد عن الإسلام ﴿خَسِرَ الدُّنْيَ: لأنه لم يحصل منها على شيء كما هو الفرض ﴿وَالْآخِرَةَ: حيث أقدم على ربه كافرًا به.

(12): ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أصنامًا لا تضر ولا تنفع وتقدم مرات.

(13): ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ: عبد المشرك الأصنام لينتفع بشفاعتها يوم القيامة، فعومل بخلاف قصده حيث كانت السبب الموجب لعذابه ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ: المولى: الناصر، والعشير: الصاحب، ومن اتخذ الصنم ناصرًا أو صاحبًا فالمصير الهاوية.

(14): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا... : لما ذكر سبحانه أهل الضلالة وعذابهم عطف عليهم أهل الهداية وثوابهم كما هو شأنه، عظم سلطانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ: وإرادته تعالى عليمة و حكيمة، تضع الأمور في مواضعها.

(15): ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ: المراد بالسبب هنا الحبل، وبالسماء ما يعلق به الحبل سقفًا كان أو غيره، وبالقطع الخنق والشنق، والمعنى من نزلت به نازلة، وضاق عليه مخرجها، ويئس من عون الله في الدنيا وثوابه في الآخرة مع الصبر – فلينتحر شنقًا وخنقًا، ثم يرى هل تذهب آلامه، ويتحقق مرامه؟.

(16): ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ: القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ: حججًا واضحة على التوحيد والبعث وغير ذلك ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي: إلى هذه الآيات البينات ﴿مَن يُرِيدُ: وهو سبحانه لا يريد تشهيًا وعبثًا، وإنما يعطي الهدى لمن يعلم منه صدق النية في طلب الهدى كما قال سبحانه: (إن ربك أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى – 30 النجم).
(17): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُو: اليهود ﴿وَالصَّابِئِينَ: طائفة كانت على دين نوح، وتحولت منه إلى عبادة الملائكة أو الكواكب كما قيل ﴿وَالْمَجُوسَ: يعبدون النار ويقولون: الخير من النور والشر من الظلمة﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: فيجازي كل طائفة بما كسبت، وتقدم في الآية 62 من البقرة.

(18): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ... : المراد بالسجود هنا لانقياد لأمره تعالى وما يجريه على الخلائق من تقدير وتدبير ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ: يؤمنون بالله ويسجدون له ﴿وَكَثِيرٌ: من الناس امتنع وأبى ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ: يوم القيامة ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ: أبدًا لا رافع لمن وضع، ولا واضع لمن رفع ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء: من إكرام الصالح وإهانة الطالح.

(19): ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُو: وعاد الجمع على المثنى حملاً على المعنى كما يتضح من التفسير الآتي﴿فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ: جاء في العديد من التفاسير، منها تفسير الرازي والطبري وابن كثير: أن هذه الآية نزلت في فريقين، فريق من المؤمنين وهم حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث وفريق من المشركين وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وأن الخصومة بينهم كانت في القتال والمبارزة يوم بدر، وأن الله نصر المؤمنين على المشركين ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ: الضمير للمشركين ﴿الْحَمِيمُ: يشبه الماء المغلي.

(20) – (21): ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ: أي يذيب اللحم والشحم والأمعاء ﴿وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ: جمع مقمعة أي مقرعة ﴿مِنْ حَدِيدٍ.

(22): ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَ: من النار ﴿مِنْ غَمٍّ: يأخذ بأنفاسهم ﴿أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ: أين المفر من حكم الله ومشيئته؟.
(23): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: لما ذكر سبحانه حال أهل النار عطف عليهم حال أهل الجنة وأن لهم جنات وكل ما يشتهون من طعام وشراب ولباس وزينة.

(24): ﴿وَهُدُو: أي هداهم الله ﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ: مثل الحمد لله على ما تفضل وأنعم ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ: وهو الإسلام الذي انتهى بهم إلى روح وريحان وهما الراحة مع الرزق الطيب.

(25): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ: يمنعون الناس من الدخول في الإسلام ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: وأيضًا يمنعونهم من الحج إلى بيت الله ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ: المقيم في مكة﴿وَالْبَادِ: العابر والقاصد ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ: والإلحاد الانحراف عن الحق والعدل، والمراد بالظلم هنا القصد والعمد والمعنى من يرتكب شيئًا من الكبائر والمعاصي في المسجد الحرام عن قصد وعمد – فحسبه جهنم وبئس القرار.

(26): ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَ: هيأنا ﴿لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئً: وجدنا المسجد الحرام لعبادة الله الواحد الأحد ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ: من الشرك بشتى صوره ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ: والطواف حول البيت معروف، ولا يجب في أي بقعة من الأرض سواه، المراد بالقائمين المقيمون في مكة وضواحيها وليس المصلين كما قيل، لأن الله سبحانه قد عطف عليهم الركع السجود أي المصلين، والعطف يستدعي المغايرة – في الغالب -.

(27): ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ: ناد أيها الناس حجوا إلى بيت الله الحرام ﴿يَأْتُوكَ رِجَالً: جمع راجل أي مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ: من فرس وناقة وغير ذلك مما يركب، وإنما وصف بالضمور لأنه لا يصل إلى البيت إلا بعد ضموره ﴿يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ: من طريق بعيد.

(28): ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ: دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية حيث يكون هناك الاتصال والتلاقي بين العديد من الشعوب ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ: عند ذبح البهائم ونحرها ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ: وأيام الذبح والنحر عند الشيعة أربعة من اليوم العاشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة، وعند غيرهم ثلاثة تنتهي بالثاني عشر منه ﴿فَكُلُوا مِنْهَ: من ذبيحة الحج، والأمر هنا للرخصة والإباحة، وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم المراد بها النسك، فرخَّص سبحانه بالأكل، ولم يوجبه ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ: وهذا هو الهدف من الذبح في رأينا، وليس إراقة الدم من حيث هو.

(29): ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ: التفث: الوسخ، والمعنى بعد أن يحل الحاج من إحرامه، يحلق، ويقلم أظافره، ويغتسل، ويتطيب ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ: إن كانوا قد نذروا شيئًا من أعمال البر ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: القديم، ويستحب الإكثار من الطواف حول البيت لأنه تمامًا كالصلاة.

(30): ﴿ذَلِكَ: خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ: وهي ما حرم سبحانه من ترك ما حرم وفعل ما أوجب ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ: لأن تعظيم أحكام الله بالطاعة، يرفع من شأن المطيع عند الله درجات ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ: من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلَّ لغير الله والمنخنقة وغير ذلك مما جاء في الآية 3 من المائدة ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ: ابتعدوا عن عبادته﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور: يعم ويشمل الكذب والغيبة والنميمة والشتم والفحش وكل كلمة تغضب الله سبحانه.

(31): ﴿حُنَفَاء لِلَّهِ: وهم المخلصون له الدين القائمون بالحق المائل عن الباطل ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ: غير مطيعين لأعدائه، ولا لأنفسهم الأمارة بالسوء التي تحملهم على معصية الله ومخالفته ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ: هذا مثل لمن تجرأ على معصية الله في الشرك أو غيره من الكبائر التي هي بحكم الشرك كالأذى والإساءة إلى الناس، وأنه في ضلاله وهلاكه تمامًا كمن يسقط من السماء، فتقطعه الطيور الكاسرة إربًا إربًا أو تدفع به الريح العاتية إلى مكان عميق وسحيق.

(32): ﴿ذَلِكَ: أي الأمر ذلك ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ: وشعائره تعالى وحدوده وحرماته وأحكامه وفرائضه كلها مترادفات أو متقاربات ﴿فَإِنَّهَ: على حذف مضاف أي فإن تعظيم الشعائر ﴿مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ: في نهج البلاغة: لو أن السموات والأرضين كانتا على عبد رتقًا – ضد الفتق – ثم اتقى الله لجعل له منهما مخرجًا.

(33): ﴿لَكُمْ فِيهَ: في الأنعام المهيأة للذبح في الحج ﴿مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى: للحاج أن ينتفع بلبن أُضحيته وظهرها إلى حين الذبح ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ: أي مكان ذبح الأنعام هو الحرم ومنه منى ومكة.

(34): ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ: من الأمم الماضية ﴿جَعَلْنَا مَنسَكً: بذبح الأنعام لوجه الله لا للأصنام، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ: وذكر الجلالة على الذبيحة للدلالة على أنها خالصة لله وحده. وسئل النبي(ص) ما هذه الأضاحي؟ قال: هي سنة أبيكم إبراهيم. قالوا: ما لنا منها؟ قال: بكل شعرة حسنة ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ: وأُصول العقيدة واحدة، وإن تعددت الأنبياء، وتنوعت الشرائع السابقة في أحكامها الفرعية ﴿فَلَهُ أَسْلِمُو: انقادوا لأمره تعالى قولاً وعملاً ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ: المتواضعين الواثقين بربهم ودينهم.

(35): ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... : لا مكان للشيطان في القلب التقيّ النقي، لأنّه في شغل شاغل بالخوف من عذاب الله والرجاء لثوابه والشكر لنعمائه والصبر على بلائه والإيمان الصادق والواثق بجوده وعطائه، أمّا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فهما أثر من آثار هذا الإيمان وثماره قال الإمام علي (ع): لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده.

(36): ﴿وَالْبُدْنَ: جمع بدنة وهي الناقة السمينة ويُلحق بها البقرة في الحكم ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ: أي جعل نحرها أو ذبحها من أحكام الشريعة التي شرَّعها الله ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ: دنيا بمنافعها وآخرة بثواب الله على ذبحها لوجهه الكريم ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ: قائمات قد صففن أيديهنَّ وأرجلهن ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَ: فإذا سقطت أرضًا على جنبها عند الموت ﴿فَكُلُوا مِنْهَ: على الرخصة والإباحة لا على الوجوب﴿وَأَطْعِمُو: على الوجوب ﴿الْقَانِعَ: الراضي بما تعطيه المتعفِّف عن المسألة والتسوّل ﴿وَالْمُعْتَرّ: الذي يتعرض لك بطريق أو آخر لتعطيه ﴿كَذَلِكَ: كما أمرناكم بهذا ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ: في كل ما تريدونه منها حتى الذبح ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: فوجب الشكر على هذه النعمة الجلى.

(37): ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَ: لأنه الغني عن كل شيء، وإليه يفتقر كل شيء ﴿وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ: أي يناله تعالى الرضا عنكم، لأنه يريد من عبده أن يكون مرضيًا لديه تمامًا كما يريد الوالد من ولده أن يكون ناجحًا في دروسه وسلوكه. وفي الحديث: (تقع الصدقة في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل) والله سبحانه هو المالك والرازق ولكن يريد من عبده أن يكون كريمًا ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ: ولا هدف من هذا التكرار والتوكيد إلا التذكير بأنعمه وإلاَّ ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ: لتعرفوا عظمة الله في قدرته، وفضله في هدايته لكم من الضلال والظلام إلى النور والفلاح ﴿وَبَشِّرِ: يا محمد ﴿الْمُحْسِنِينَ: لا بالأضاحي وكفى، بل بشتَّى مظاهر الإحسان، وبالأخصّ من ترك شيئًا جديدًا ومفيدًا لأخيه الإنسان.

(38): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُو: هذه الآية خاصة بالمؤمنين في صدر الإسلام حيث كان الإسلام غريبًا وضعيفًا، وكانت كلمة الإيمان تودي بقائلها إلى القتل والهلاك أو التعذيب والتنكيل، ومن هنا كان التصديق بمحمد (ص) من حيث هو موجبًا لدخول الجنَّة، فقد جاء في المجلَّد الثاني من أصول الكافي عن المعصوم (ع): أن ما من أحد مات في السنين العشر من البعثة، هو يشهد أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله إلا أدخله الله الجنة بإقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذب الله أحدًا ممن هو متبع لمحمد (ص) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ: خوان: يخون دينه وضميره ووطنه وأُمتَّه، وصديقه وإنسانيَّته، كفور: يجحد المعروف والإحسان، ويسيء لمن نصح له بلا مقابل.

(39): ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُو: هذه أوَّل آية نزلت في الإذن بالقتال دفاعًا عن النفس، ومعناها إذن بالقتال الذين يستطيعون حمل السلاح والجهاد، بسبب ما حلَّ بهم من الظلم والعدوان، فقد تحمَّل النبي والصحابة ألوانًا من الأذى والتنكيل دون أن يقاوموا، لأن المقاومة كانت آنذاك أشبه بعملية انتحارية لضعف المسلمين وقوَّة المشركين، وبعد الهجرة إلى المدينة من عصبة الشرك والطغيان، أصبح المسلمون أهل قوَّة رادعة، ولذا أذن سبحانه لنبيّه وللمسلمين أن يقاتلوا، ووعدهم بالنصر بعد التنكيل بهم والتشريد الذي أشار إليه سبحانه بقوله:

(40): ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ: شرد المشركون بالمسلمين إلى الحبشة والمدينة لا لشيء ﴿إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ: وهذه الكلمة أشدّ وقعًا من الصاعقة على قلوب الجبابرة الطغاة لأنها تضع الجميع على مستوى واحد في الحقوق والواجبات، ولا تُبقي فضلاً لأحد إلاَّ بما يُقدمّه من عمل صالح ينتفع به الفرد والمجتمع ولو وقف الأمر على مجرد النطق بكلمة التوحيد لهان عليهم سماعها، بل واستسلموا ونطقوا بها، ولكن وراءها العدالة والمساواة وهم أعدى أعدائها ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ: في مجمع البيان للشيخ الطبرسي، الصوامع أيام شريعة عيسى، والبيع أيام شريعة موسى، والمساجد أيام شريعة محمد. والمعنى لولا القوَّة الرادعة لفسدت الأرض. وأهلك القوي الضعيف، قال الإمام علي (ع): السلطان وزعة الله في أرضهِ، أي يأوي إليه كل مظلوم. وأيضًا قال: لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، تأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: هذا ترغيب في الجهاد لنصرة الحق وأهله، وأيضًا يسوغ تفسيره أن المبطل إذا غلب المحقّ في الدنيا فإن الله سبحانه ينصر هذا غدًا. ويخذل ذاك، هذا فيما يعود إلى الفرد العادي، أما الدولة ورجالها فقد أشار إليهم سبحانه بقوله:

(41): ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ: بالحكم والسلطان ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ: أقسم سبحانه أن ينصر الحاكمين شريطة أن يؤدوا حق العبادة صومًا وصلاة وحجًّا وزكاة، وأن يحقوا الحق، ويبطلوا الباطل، وهذا هو المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قيل لملك زال ملكه: ما الذي أزال ملكك؟ قال: أضعت حق الله والناس فضاع ملكي.

(42) – (44): ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ: يا محمد ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ... : لست النبي الوحيد الذي جاء بالبيّنات والمعجزات فكذبه قومه، فمثلك وقبلك كثير وكثير ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ: أي إنكاري عليهم بالهلاك والعذاب.

(45): ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَ: أي كم من قرية أهلكناها ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ: مكذبة لرسلها، وتقدم في الآية 4 من سورة الأعراف ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَ: تهدمت حيطانها، وخرت سقوفها، وتقدم في الآية 259 من سورة البقرة ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ: عامرة بالماء، ولكن لا يردها وارد ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ: ولكنه خافت صامت لا نَفس فيه إلا للبوم والرياح.

(46): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ...
: تقدم في الآية 137 من آل عمران و36 من النحل.

(47): ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ: يا محمد ساخرين ﴿وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ: فالتعجيل أو التأجيل ليس بالشيء المهم ما دام العذاب نازلاً بهم لا محالة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ: علام تستعجلون عذاب الآخرة؟ ويوم واحد منه أشد عليكم من عذاب ألف سنة من سنيّ الدنيا.

(48): ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ: تقدم قبل قليل في الآية 45 من هذه السورة، وأعاد سبحانه لتوكيد الإنذار.

(49): ﴿قُلْ: يا محمد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ: هذه هي مهمتي، أما تعجيل العذاب أو تأجيله فهو بيد الله وحده، وتكرر هذا المعنى بالعديد من الأساليب.

(50): ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ... : واضح، وتقدم مرات.

(51): ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَ: أي سعوا فيها بالطعن عليها، كقوله سبحانه: ويسعون في الأرض فسادً﴿مُعَاجِزِينَ: مشاكسين معاكسين ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ: خالدين فيها إلى ما شاء الله.

(52): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ: وقيل في الفرق بينهما: إن كل من نزل عليه الوحي من الله سبحانه، يُسمى نبيًا، ولا يسمى رسولاً حتى يؤمر بتبليغ الوحي إلى الناس، وعليه فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ: وأعلى أمنية لأنبياء الله ورسله أن يؤمن أهل الأرض بالله، ويعملوا بطاعته وشريعته، بل ذهبت نفس النبي حسرات على تمرد الناس وكفرهم بالله حتى عاتبه، جلَّ وعزَّ، بقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون – 8 فاطر) ولكن شياطين الإنس من أرباب الأطماع والأغراض يحولون بين النبي وأُمنيته الخيرية، بالتمويه والتزييف. وهذا هو معنى إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول والنبي، هو يبني والشيطان يحاول الهدم. ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ: وحزبه من اختلاق الأكاذيب وادّعاء الأباطيل ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ: يثبتها ويصونها من التحريف كما جاء في الآية 32 من التوبة: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره).

(53): ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً: محك يميز بين الخبيث والطيب ﴿لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ: وهم المنافقون ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ: وهم اليهود والمشركون، وخلاصة المعنى لا سوق للدعايات الكاذبة إلا عند المرتزقة والهمج الرعاع.

(54): ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: بدين الله، ويميزون بينه وبين البدعة والضلالة ﴿أَنَّهُ: أن القرآن هو﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ: ويعملوا بموجبها ولا تزيدهم أقاويل المفترين إلا إيمانًا وتسليمًا لله وكتبه ورسله﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ: أي تخشع وتخضع للحق، لأنها واعية زاكية.

(55): ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْه: يأبى الطغاة إلا الشك والارتياب في الحقّ وأهله ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً: حتى تقوم القيامة وهم في غفلة معرضون ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ: وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا تقبل من الذين ظلموا معذرة، ولا هم ينظرون، ومن هنا سُمي عقيمًا:

(56) – (57): ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ: وحده لا أنصار ولا مستشار ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ: بالحق والعدل، ولكل جزاء عمله.

(58): ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ: من ترك الأهل والأوطان لجهاد أهل البغي أو لطلب الرزق الحلال أو للتفقه بالدين أو شرد من دياره بالعنف والبغي ثم قتل أو مات حتف أنفه – فقد وقع أجره ورزقه على الله﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ: لمن يعمل ويسعى في سبيل الرزق تمامًا كما هو الشأن في رزق الآخرة وثوابها.

(59): ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ: المراد بالمدخل هنا الجنة، وبداهة أن من دخلها لا يبغي عنها حولاً.

(60): ﴿ذَلِكَ: إشارة إلى ما تقدم، ثم استأنف سبحانه إلى كلام آخر وقال: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ: جازى الظالم بمثل ظلمه أو قاتله دفاعًا عن نفسه ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ: لا لشيء إلا لأنه أبى أن يقرّ للضيم واهنًا ﴿لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ: على من طغى وبغى، ومعنى هذا أن من رضي بالذلّ والهوان يدعه الله وما رضي لنفسه.

(61): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ... : تقدم في الآية 27 من آل عمران.

(62): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ: أي أن وصفه تعالى بالإله الخالق المالك هو وصف بالحق والواقع ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ: ويعبدون ويطيعون ﴿مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ: لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.

(63) – (64): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء... : كل ما في الكون من أعيان وصفات وعلاقات هي نتيجة السنن الكونية، ما في ذلك ريب، وهذي السنن الكونية هي بالذات سنن إلهية، لأن الله سبحانه هو الذي قدَّرها وأرادها وأودعها بالكون حين أظهره إلى عالم الوجود، وتقدم ذلك مرارًا.

(65): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ: من حيوان وزرع وثمار وغير ذلك ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ: بتسييره وتسخيره ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاء... : بنظام الجاذبية كما أمسك الطير بجناحيه.

(66): ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ: بعد العدم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ: بعد الحياة ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ