4 كانون الأول 2020 م الموافق لـ 18 ربيع الثاني 1442 هـ
En FR

الأمين العام :: 2015

كلمة سماحة السيد حسن نصر الله في الليلة السابعة من محرم 1437هـ



كلمة سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) في الليلة السابعة من محرم 20/10/2015

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

السلام عليك يا سيدي ومولاي، يا أبا عبد الله الحسين، يا بن رسول الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزيارتكم.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

السادة العلماء، الإخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته. ونخصّ بالذكر هذه الليلة هذا الجمع الكريم من إخواننا جرحى المقاومة الإسلامية الذين لبّوا نداء أبا عبد الله الحسين على مدى عشرات السنين وما زالوا موجودين في الميدان وقدّموا جراحهم وهم كانوا عشاق الشهادة. في هذه الليالي الحسينية المباركة نفتخر بوجودهم بيننا في مجمع سيّد الشهداء ونرحّب بهم بالصلاة على محمد وآل محمد.

قال الله تعالى في كتابه المجيد ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر: 9).

في الليالي الماضية، تحدّثنا عن مسؤولياتنا تجاه الأمّة وقضايا الأمّة وفي هذه الدنيا. أودّ في هذه الليلة وفي الخطبة المقبلة إن شاء الله أن أتحدّث عمّا يتصل بالآخرة، ويوم القيامة، والعالم الآخر، وعن مسؤولياتنا في هذه الدنيا تجاه الآخرة.

وفي الحقيقة، فإنّ ما حصل في كربلاء من أحداث ومن نتائج يعود بالعمق، في الأسباب الأساسية؛ في الجذور؛ في الأصول إلى هذه المسألة: مسألة الدنيا والآخرة، والنظرة إلى الآخرة، والتعاطي مع الآخرة سواء في هذا المعسكر أو في ذاك المعسكر.

هناك حقيقة يُجمع عليها الناس، من زمن آدم (عليه السلام) . وسيبقى الناس يُجمعون عليها. وهذه ليس فيها مكابرة، وهي حقيقة الموت ؛ بأننا كلنا ميّتون. الآن، في كامل الكرة الأرضية مستحيل أن بشرا عاقلا يقول لك : أنا خالدٌ، أبديٌ، سرمديٌ لن أموت. المؤمن والملحد، الذي يؤمن بوجود الله والذي لا يؤمن بوجود الله، المشرك، العابد للأوثان، العابد للحجر ؛ الناس طوال التاريخ وإلى قيام الساعة، يُجمعون على هذه الحقيقة . وهذا الموت هو الذي قهر الله به عباده : " الذي قهر به عباده بالموت والفناء".

السؤال الكبير ماذا بعد الموت؟ إذاً ،نحن أمام حقيقة لا مفرّ منها، لا نقاش فيها، أنت مهما كان إيمانك، فكرك، عقيدتك، خلفيتك العقائدية، عندك دين أم لا ؛ المحسوم أنك سوف تموت.

ماذا بعد الموت؟ هذا سؤال عقلي، سؤال منطقي، سؤال طبيعي، سؤال مشروع أم لا؟

ماذا بعد الموت؟ ماذا بعد موتنا كأشخاص. إخواننا وأهلنا الذين ماتوا والدنيا ما زالت قائمة، هؤلاء إلى أين ذهبوا؟ وماذا ينتظرهم؟ وكذلك ماذا بعد هذه الدنيا عندما تنتهي؟ وهذا الكون عندما يزول؟ وأيضاً البشرية تُجمع، والعلماء يُجمعون على أنّ الكون يسير نحو نهايته الطبيعية، نحو موته الطبيعي وحتفه الطبيعي. ماذا بعدها؟

ما نراه ونعرفه جميعاً . كلامنا الآن كله وجدان وسهل وبسيط. على الرغم من أن هذا البحث عادةً له بُعد؛ أحياناً، كلامي وفلسفي ومنطقي إلى آخره . لكن باعتبار مجلسنا مجلس متنوّع والأعمار فيه مختلفة فمسؤوليتي أن أوصل الفكرة وأبسط الموضوع إلى أبعد الحدود. ولذلك سأتجنّب المصطلحات العلمية والكلامية والفلسفية وسنذهب إلى الموضوع كما هو في الحقيقة.

نحن خارجاً، ماذا نرى؟ عندما يموت الإنسان ــ وكل يوم الناس يموتون ونراهم ــ نصبح أمام جثة هامدة، لا روح ولا نفس. النفس أو الروح خرجت من هذا الجسد وقد يكون سالم الأعضاء تماماً، لا يعاني من أيّ مرض ولا أيّ خلل في جسده، أتى الموت وخرجت الروح ونحن أمام جثة هامدة.

هذه الجثة الهامدة، عادةً، أغلب الناس يقومون بتشييعها والقيام بالواجبات الدينية تجاهها، كلٌّ بحسب دينه، ويدفنونها في القبر في بقعة صغيرة ويهيلون عليها التراب، وتنقطع فيه أثارها، وتغيب فيه أخبارها. بعد ما أهلنا التراب ، ماذا يجري في هذا القبر، ماذا يجري على هذه الجثة، ماذا يجري على هذا الميت؟ لا نعلم. إلى قيام الساعة، لا نعلم شيئاً.

ونعلم، بأنه في نهاية المطاف هذا الجسد بعد مدّة من الزمن يبلى، تأكله الدود والحشرات، ولا يبقى منه إلا هيكل عظمي وبعد مدّة أطول لا يبقى منه إلا عظام نخرة، وبعد مدّة أطول قد لا يبقى منه إلا بعض التراب.

الناس يتقبّلون التعازي، يذكرون ميّتهم لأيام، لأسابيع، ثم يعودون لحياتهم الطبيعية ؛ وإلّا لما استمرّت الحياة. هذا ما نعلمه. ونعلم بأنّ الروح غادرت الجسد، وهنا تأتي الأسئلة:

هذه الروح التي غادرت الجسد وتحول إلى جثة هامدة، هل هي تموت أيضاً؟ أم هي ما زالت حيّةً، عاقلةً، شاعرةً، تدري ما يجري حولها، تشعر بالألم، بالحزن، بالفرح؟ ما هو حال هذه الروح، أو هذه النفس؟ إلى أين ذهبت؟ أين تسكن؟ أين تقيم؟ ما هو مصيرها؟ هذا سؤال كبير. وهذا يجعلنا نتساءل: هل هناك عالم آخر بعد الموت؟ ما هو هذا العالم، ما هي أحواله، ما هي أوضاعه، ما هي قوانينه، وموازينه، وسننه؟ - مثل عالمنا أم هو مختلف . هل هناك رابط بين عالمنا وبين هذا العالم؟ هل في هذا العالم حساب أم لا؟ إذا كنا سنُحاسب، فهل سيكون على شيء فعلناه في هذه الدنيا أم على ماذا؟ أسئلة كثيرة وهي أسئلة مشروعة ومعروفة.

هذه الأسئلة جديرة بالتأمّل، والتفكير الطويل، والبحث العميق والحقيقي والجاد. لماذا؟ لأنها ترتبط بمصير كل واحد منّا وبمصير من نحب . إذا أحبَّ أحدنا والده، والدته، زوجته، أولاده، بناته، أبنائه، إخوانه، أرحامه، أصدقائه، جيرانه، الناس.. فيبحث عن مصيرهم، يبحث عن مصيره هو ويبحث عن مصيرهم هم.

وهذا البحث، أيضاً، هو ليس من باب مجرّد المعرفة . فإننا عندما نقول أنه توجد السماوات السبع فأين هي هذه السموات السبع؟ وهل يوجد أراضين سبع أم أرض واحدة وما معنى الأراضين السبع. المعرفة على كل حال جيدة. وكذلك عندما ندرس بعض ما له علاقة بالكيمياء والفيزياء أو نقرأ عن التاريخ وما شاكل. هنا نحن نبحث عن أمر يتعلّق بنا، بمصيرنا، بحياتنا في ذلك العالم، بنعيمنا الدائم أو شقائنا الأبدي، بسلامنا، بأمننا، بسلامتنا، ولذلك هذا من نوع الأسئلة المصيرية التي يترتّب عليها عمل وإجراءات وتدابير وخطط وبرامج واستعداد ؛ لأننا سنكون أمام سفر طويل وأمام حياة طويلة.

الغريب، أيها الإخوة والأخوات، سواء عند المؤمنين أو غير المؤمنين، أننا في هذه الحياة الدنيا نعلم أننا لن نعيش إلا لسنوات قليلة، نعلم ذلك ونقطع بذلك – ممكن أن لا نعيش إلا دقيقة الله أعلم – لكن مهما طال بنا الأمل – أنه كم سنعيش، 50 سنة، 60 سنة، 100 سنة أو أكثر – ومع ذلك لأننا نفترض أننا سنعيش هذا المدى الزمني، نجلس، وندرس، ونتخصص، ونبحث، ونتاجر، ونعمل، ونبني البيوت، ونجمع الأثاث ونتزوّج، ونُرزق بالأولاد، ونستقوي، ونبحث عن المناصب، ونبحث عن القوى كي نحمي أنفسنا ونأمن على أنفسنا وعائلاتنا، ونهتم بصحتنا وصحة الناس، والأمن والرفاهية وو... إلى آخره . وكل الحكاية ، 50 سنة، 60 سنة، 100 سنة . وهناك حياة أخرى لي ولك ــ ملايين السنين، مليارات السنين، الله أعلم، حياة أبدية، حياة خالدة، أزليّة ؛ إلا إذا شاء الله أمراً آخر – ألا نفكّر بها؟ ألا نحضّر لها؟ ألا نبني لنا فيها مساكن؟ ألا نزرع فيها حدائق؟ ألا نهيّئ لنا فيها أمناً، وسلاماً، وجاهاً، ورفاهية، وكرامة، وعزّاً، وشرفاً، ومقاماً، وجواراً؟ وفيها إلى جانبها فيها نارٌ وعذابٌ وجحيم، لا يمكن أن يخطر في بال إنسان، ألا نعمل لنتجنّب هذا الخطر وهذا المصاب الآتي الزاحف الذي لن يهرب منه أحد؟ غريب!

كفرد وكأفراد ؛ هذا التصرف غريبٌ منا، غير منطقي، غير عقلي، غير عقلائي، حتى غير مصلحي، غير نفعي. إذا أحدهم جاء إليك وقال بأنه ؛ سنة أو سنتين، سيحدث زلزلال في منطقة سكنك، سيذهب كل شيء، والماء ستُحدث تسوماني. ماذا تفعل؟ تبدأ بالتفكير كيف ستبيع وتنهي أمورك وتشتري في مكان آخر، وتؤمن المسكن والعمل واحتمال أن تنتقل من منطقتك بسرع. وهذا خبر علمي؛ من المحتمل أن يحدث أو أن لا يحدث. إذا قالوا لك بأن هذا الطريق الذي تسير به، يوجد عدو، يوجد كمين، يوجد حقل ألغام، وأنت مضطر أن تعبر عنه ومنه، ألا تقوم بتجهيز نفسك، تخطّط وتفكر بكيفية فكّ الألغام، كيف ستواجه هذا العدو، كيف ستعبر إلى الضفة الأخرى عبوراً آمناً وسليماً ؟ إذاً ، نحن في هذه الدنيا هكذا. لماذا لا نتعاطى مع حياتنا، مع مصيرنا، مع كرامتنا، مع أمننا، مع سلامتنا، مع رفاهيتنا، مع نعيمنا، مع ما نتطلع إليه في الآخرة على هذا الأساس؟! والموضوع لا يأخذ منا الوقت، فنحن، خلال سنين عمرنا، نخطّط وندرس ونعمل البرامج ونتاجر، ليلاً ونهاراً، كل الناس تسعى – همّ في الليل وهمّ في النهار – كي نأكل، كي يستتب الأمن، كي ندفع العدو، تأمين حياة اجتماعية مقبولة ومعقولة. إذاً، ولذاك العالم، ماذا حضّرنا، ماذا جهزنا، ماذا فعلنا؟ هذا هو السؤال الكبير.

ويكفي في الحقيقة، أيها الإخوة والأخوات، يكفي الاحتمال . حتى إذا أحدنا كان منطقي مع نفسه ولو لم يصل إلى يقين بوجود الآخرة وبوجود حياة بعد الموت ؛ لو، فقط، هناك احتمال فالمنطق والعقل يقول، يجب أن تحتاط، يجب أن تتهيّأ، يجب أن تتحضّر لهذا الاحتمال، لأنّه بعد الموت ليس هناك فرصة عمل على الإطلاق.

بشكل عام، من يؤمن بالله سبحانه وتعالى، وأسمائه وصفاته، ويؤمن بقدرة الله التي لا حدود لها، وبكماله وجوده وكرمه، وبكبريائه وجبروته وانتقامه، ويؤمن بعدل الله عزّ وجلّ يجد أجوبة سريعة على كل هذه الأسئلة.

نحن نؤمن بأن هناك حياة بعد الموت، وبأن هناك عالماً آخر، وأنّ هناك حساباً وثواباً وعقاباً، وجنةً وناراً . لن أدخل في نقاش كله استدلال لأنه من المفترض أننا نعلم به ونبني عليه فقط من قبيل التأكيد .

أولاً، لأنّ جميع أنبياء الله سبحانه وتعالى الذين بُعثوا في تاريخ البشرية – بعض الروايات تقول 125 ألف نبي – كلهم حدّثونا عن الحياة بعد الموت . 125 ألف كانوا معروفين بين أقوامهم بالصدق والأمانة والصلاح والسلامة أخبرونا عن ذلك عن الله سبحانه وتعالى . الكتب السماوية التي أنزلها سبحانه وتعالى على الأنبياء تحدّثنا عن ذلك العالم وعن تلك الحياة. القرآن الكريم، الكتاب الخالد والخاتَم والخاتِم فيه ما يقارب ألف آية كريمة التي تدور حول موضوع الآخرة ؛ الآخرة وأحداث القيامة وما بعد الموت وقبل القيامة وبعد القيامة، وما بعد بعد القيامة من جنة ونار وخلود. حتى أن هناك سور في القرآن اسمها له علاقة بالعالم الآخر . على سبيل المثال: الجاثية، الواقعة، الحشر، الممتحنة، التغابن، الحاقة، القيامة، التكوير، الانفطار، الغاشية، الزلزلة، القارعة . وبعض السور صحيح أن اسمها لا يتعلق بالقيامة ولكن مضمونها كله يتعلق بهذا الموضوع كسورة الإنسان.

أيضاً، مقتضى العدل الإلهي – سأكتفي بهذين الدليلين فقط . الأنبياء والكتب السماوية التي أخبرتنا عن ذلك ، وأيضاً مقتضى إيماننا بالعدل الإلهي، مقتضى العدل الإلهي. لأنّ في هذه الدنيا؛ الصالحون، العاملون بالصالحات، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، من آدم إلى قيام الساعة، هم لم يحصلوا ، وكثير منهم قد لا يحصل على جزاء أعمالهم الصالحة . هم يُقتلون ويستشهدون ويتألمون ويواجهون مصاعب هذه الحياة فيما يتنعّم فيها آخرون . إذاً ، لا بدّ من عالم آخر. مقتضى العدل الإلهي أنّ هؤلاء في الآخرة – يكون هناك عالم آخر وحياة أخرى – يثابون فيها على جهادهم، على جراحهم، على آلامهم، على معاناتهم، على صبرهم، على احتسابهم، على فقرهم، على البلاء الذي تحمّلوه في هذه الدنيا بصدق وإخلاص. وأيضاً من جهة أخرى، هؤلاء الظالمون، المجرمون، الطغاة، المستبدون، القتلة، العتاة، الذين ملأوا الأرض ظلماً وجوراً وفساداً وطغياناً – مثل فرعون ونمرود والذين قبلهم والذين بعدهم وفي هذه الدنيا ما أكثر الفراعنة والنماردة - هؤلاء لم ينالوا في الدنيا جزائهم، فالعدل الإلهي يقتضي أن يكون هنالك عالم آخر ليُحاسَب هؤلاء، ويُجازى هؤلاء، ويُعاقَب هؤلاء، على جرائمهم وعلى فسادهم وعلى طغيانهم وعلى تجبّرهم على عباد الله وخلق الله وعيال الله. إذاً، لا بدّ من ذاك العالم ولا بدّ من ذلك اليوم.

إذا أردنا تقديم التجربة على الأسئلة لاستنتاج خلاصة؛ خلاصة بالحد الأدنى على أساس إسلامي وقرآني . سنتحدث بالأساسيات دون أن ندخل في التفاصيل .

أولاً، نحن نجزم بوجود حياة بعد الموت، نعتقد بذلك ونجزم بذلك – بناءً على الأدلة العقلية والأدلة القرآنية – وبوجود عالم آخر ننتقل إليه، وأن الحياة البشرية ؛ حياة أيّ إنسان لا تنتهي عند موته، وأن ما ينتهي مرحلة فقط منها. وحتى عند انتهاء الدنيا لا تنتهي البشرية تنتهي الدنيا أما البشرية كلها منذ آدم حتى آخر مخلوق قبل قيام الساعة ينتقلون إلى عالم آخر. هذا من حيث الأساس ومن حيث المبدأ.

ثانياً، ما بعد الموت؛ الحياة ما بعد الموت. في عقيدتنا الإسلامية تنقسم إلى مرحلتين: مرحلة وسطى ومرحلة كبرى – إذا أردنا تسميتهما – أو مرحلة تحضيرية - كما يقول العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان – ومرحلة الحياة الحقيقية الأبدية . لدى العلامة الطباطبائي تعبير جميل يقول: الدنيا هي دار العمل والامتحان والاختبار، وهناك عالم وسطي اسمه عالم البرزخ، عالم القبر والبرزخ هو عالم التهيؤ للحساب والجزاء، والعالم الثالث هو عالم الآخرة عالم الحساب والجزاء. فإذاً، توجد مرحلة وسطى تُسمّى بحسب المصطلحات الإسلامية عالم القبر وعالم البرزخ. عموماً يقولون عنها عالم البرزخ، تبدأ من موت الإنسان من انتقاله من هذه الدنيا وتستمر إلى أن يأذن الله بقيام الساعة، القيامة الكبرىز هذه المرحلة هي عالم البرزخ. طبعاً، البرزخ يتفاوت. أبونا آدم عليه السلام وأمّنا حواء عليها السلام هما في البرزخ منذ أن ماتوا والله أعلم كم بيننا وبينهم . أي في الماضي في التاريخ. أيضاً من سبقنا قبل ألف سنة، ألفين وثلاثة آلاف سنة في البرزخ . الذين يموتون الآن يذهبون إلى عالم البرزخ . وهذا العالم لا نعلم إلى متى يمتدّ زمنيّاً لأنه لا يعلم الساعة إلا الله سبحانه وتعالى . لا نستطيع عمل تقدير للسنوات. هذا ما نسميه عالم البرزخ.

معنى كلمة برزخ في اللغة العربية: الحاجز بين شيئين، الحائل بين شيئين. بمعنى أن عالم البرزخ هو الحاجز والحائل بين هؤلاء الذين انتقلوا من الدنيا ؛ يحول بينهم وبين الآخرة، ما بين القيامة الكبرى، بانتظار الإذن الإلهي للقيامة الكبرى وجمع الناس أجمعين منذ آدم إلى قيام الساعة. فهذا البرزخ، هذا الحاجز، هذا الحائل يحيط بهم من كل جانب. البعض يقول أنهم لا يستطيعون أن يذهبوا إلى الآخرة لأنه لا يوجد إذن إلهي، ولا يستطيعون العودة إلى الدنيا إلا بإذن إلهي. فهو يحجزهم في الوسط بين الدنيا وبين الآخرة إلى يوم القيامة.

المرحلة الثانية، هو القيامة الكبرى والعالم الأبدي، السرمدي، الأزلي الذي يبدأ عندما يعيد الله سبحانه وتعالى تكوين هذا الوجود وهذا الخلق. وتشاهدون في الآيات القرآنية مشاهد القيامة، الشمس، القمر، الجبال، الأرض، السماوات إلى آخره، يوم تبُدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار، والله سبحانه وتعالى يحيي الخلائق أجمعين ويأتي بها إلى صحراء المحشر للحساب . وهنا تبدأ أحداث القيامة الكبرى.

المرحلة الأولى لما يُسمى بعالم القبر أو عالم البرزخ

أولاً، العلماء والمفسرون عندما يستدلون، يستندون بشكل أساسي إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . عندما تبدأ حالة النزع عند أحدنا يدرك أن روحه بدأت تُنزع وبدأت حالة الانتقال ومغادرة الدنيا ، هو يخاطب الله سبحانه وتعالى مباشرة أو عبر ملائكته : ربي ارجعوني كما نقول بالعامية (حس بالسخن) الحياة انتهت، فرص العمل انتهت، سينتقل إلى دار آخرة، رأى احتضار، نزع روح، ملائكة وعالم جديد بدأ يظهر أمام عينيه ــ وهذا موجود في الروايات ـ يُكشف له. شعر بأن الوضع أصبح حاسم وقاطع، فيتوسّل أن يُعطى فرصة العودة . هنا لا نتحدّث عن ناس في الآخرة، أو في الجنة أو في النار، بل هذا الحديث يبدأ منذ حالة الاحتضار، فيقول لهم: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت.

﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ؛ منذ أن ماتوا إلى أن يُبعثوا هم في حالة ، في عالم، في مجال، في منطقة البرزخ إلى يوم يبعثون. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ عندما يُحيا الخلائق من جديد ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ذهبوا إلى الحساب وإلى صحراء المحشر.

في هذه المرحلة، في البداية، في عالم البرزخ، في عالم القبر. طبعاً حول هذا العالم يوجد تفاصيل كثيرة، روايات وأحاديث كثيرة. بعض الآيات أيضاً تدلّ على هذا المعنى؛ نذكرها إن شاء الله بسياق مختلف لكنني أريد التركيز على الأساسيات ..

أولاً – موجود عندنا ــ وهو مجمع عليه من المسلمين إلا بعض الآراء القليلة . أما المذاهب عموماً هي تقبل هذه العقيدة – أن الله سبحانه وتعالى عندما يُدفن هذا الميت في القبر، يُرسل مَلَكين كريمين ويعيد الحياة إلى هذا الميت. والملاكان – بمعزل عن أسمائهما لأنها تدخل في التفاصيل – يسألانه عن أمور أساسية: عن ربه، عن دينه، عن نبيّه، فإن أجاب حقّاً وعلى ضوء أعماله وحالته في الدنيا، فإن كان صالحاً – تقول بعض الروايات – يسلّمونه إلى ملائكة النعيم. وإن تلجلج أو لم يحر جواباً أو قال ما كان عليه بالفعل يُسلّمونه إلى ملائكة العذاب ويجري على ما يجري عليه في ذلك القبر . وهنا أيضاً نكون قد دخلنا في التفاصيل . هذه اللحظة قاسية جداً، وحاسمة جداً، ومصيرية . فمن لحظتها حُدّد له في أي صف هو ذاهب، صف النعيم بمعزل عن أشكاله وتفاصيله وعناوينه وفي عالم البرزخ ، أو في صف الشقاء والعذاب والهون بمعزل أيضاً عن حجمه وتفاصيله وكيف يكون بعالم البرزخ. هذا موجود في الروايات.

ومرحلة الأيام والليالي الأولى والساعات الأولى – حقيقة لا أعرف – ستكون بالنسبة للإنسان شديدة الهول. سأقرّب الفكرة قليلاً : في الدنيا، عندما ينتقل أحد ما من بلد إلى بلد، من مدينة إلى مدينة في وطنه، بمعنى يتغيّر محيط بيئته ومسكنه وجيرانه، فيبقى لفترة مظطرب إلى أن ينسجم، نفسياً وعاطفياً إلى آخره . فكيف عندما ينتقل من الدنيا إلى تلك الدار. هول ما واجهه عند النزع والاحتضار، هول الانتقال إلى هذه الدار الجديدة، هذا بحدّ ذاته كافٍ، ولذلك كان الأنبياء (عليهم السلام)، الأنبياء العظام، كأئمتنا (عليهم السلام)، كبار العرفاء، والصالحين، يبكون عندما يتذكّرون أو يخطر في بالهم تلك اللحظات.

عندما ينتقل إلى القبر – لا يريد شيئاً فكل شيء واضح حتى ولو لم تخبرنا الروايات – انتقل إلى هذه الحفرة الضيقة. أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: "وحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لأضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ" بمعنى ؛ هذا القبر هو بيت الغربة، هو بيت الوحشة، هو بيت الدود، هو بيت الخوف، بيت الهلع، بيت القلق . الإنسان وحده غريب، متروك، لا ناصر له ولا معين، حتى لو تكلم لا أحد سيسمع صوته، لا يستطيع عمل شيء، ليس بقادر على تصليح أي شيء . دار العجز المطلق، والفقر المطلق. وكله يظهر في هذا القبر.

أحياناً نحن نتغلّب على أنفسنا، بأننا قادرين ونحن أغنياء ونحن... وإن كنا نعيش في محض الفقر، وفي محض الجهل. لولا أنّ الله يمنّ علينا بعلمٍ وبغنًى وبمالٍ وبجاهٍ؛ لكن هناك تنكشف الحقائق ففي القبر يظهر عجزي وفقري وجهلي وضعفي ووهني. أضف إلى ذلك ــ الروايات تقول عن الملائكة وماذا تفعل في هذه المرحلة – يوجد حديث عن ضغطة القبر؛ أن القبر يضغط الميت في الأيام الأولى، أو الليالي الأولى، أو الساعات الأولى أو ما يُسمّى بضمّة القبر وأنه لا يُستثنى منها إلا قليلون جداً – هذه الروايات موجودة عند السنّة والشيعة وعند عموم المسلمين وتستوجب حقيقة التوقف والاحتياط والحذر. كالآية التي بدأنا بها: و﴿يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ هذه من منازل الآخرة، هذه بدايات منازل الآخرة.

بعدها ، إذاً أتت الملائكة. سألوه، صنّفوا الناس، أنت من هنا وأنت من هنا . إلى أين؟ إلى أين سيذهب هؤلاء الناس؟ هذا له نقاشات وآراء علمية، وفلسفية، وكلامية وقرآنية لن أناقش فيها وكما وعدت بالتبسيط أقول ما يلي: إخوتي وأخواتي، هناك قدر متيقّن لا نقاش فيه ــ وهذا متفق عليه ودليله هو الآيات القرآنية، الروايات أيضاً بعضها صحيح السند وتساعد هذا القدر المتيقّن ــ القدر المتيقّن ما هو؟ أنه يوجد فئتين في عالم البرزخ: فئة تُعذّب . قطعاً تُعذّب وفئة تُنعَّم . قطعاً تُنعّم. يوجد فئتين، وبقية الناس نتحدث عنهم بعد قليل.

الفئة الأولى التي بمجرد أن انتقلت من هذه الدنيا تتلقاها الملائكة بالتعنيف، والتوهين، والتعذيب، والإذلال، والعقاب بأشكال مختلفة، من هم؟ نأتي للآية الكريمة: قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد ؛ يتحدث عن موسى وفرعون: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ – يتحدث عن موسى - سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ ما هو سوء العذاب؟ شقّين: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّ هذا الشق الأول، الشق الثاني ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ هذا سوء العذاب. الشق الأول بالبرزخ، الشق الثاني يوم تقوم الساعة. ما الدليل أنه في البرزخ؟ يقول المفسرون والعلماء عن قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّ: في جهنم القيامة الكبرى، في جهنم الخالدة، لا يوجد صبح وليل، في هذه الآية يقول يُعرضون عليها صباحاً مساءاً . أي لم تنتقل إلى جهنم الآخرة.

ثانياً، القرينة الأخرى، عندما قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ بمعنى أن هذا قد قبل قيام الساعة، عُرضوا على الناس صباحاً ومساءاً قبل أن تقوم الساعة، وعندما تقوم الساعة، الله تعالى يقول لهم: ﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. فإذاً، من هي هذه الفئة الأولى؟ فرعون هنا لا خصوصيّة له، الفراعنة، النماردة، العتاة، الطواغيت، أبو جهل، أبو لهب، صناديد قريش الذين قاتلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). في التعبير بالروايات يقول: من مُحِّض الكفر محضاً، أي هو كفر محض، ظلم محض، طغيان محض، استبداد محض . في الأساس هذا ليس لديه استراحة. بعض الناس يقول لك أنتحر وأستريح. كيف ستستريح فهو ليس لديه استراحة . هذا كانت دنياه جنّة بالنسبة له كما يقول الإمام الحسين (عليه السلام). عندما كان في الدنيا هذه جنّته : كان لديه قصر ونعيم وملك وزبانية وناس، يأكل ويشرب ويتمتع ويصرف الأموال، يشبع شهواته. هذه انتهت . لكن من لحظات النزع وإلى الأمام إلى الأبدية هو دخل في العذاب والهوان والإذلال والشقاء، إذاً هذه فئة.

طبعاً هذه الآية بالرغم من أنها آية واحدة يُستدل بها أولاً، على وجود مرحلة وسطى والتي نُسمّيها البرزخ، ويُستدل بها على وجود حياة في هذا العالم لأنه لا يُعذّب الجماد وإنما يُعذّب الحيّ، ويُستدلّ بها على عذاب وشقاء ونعيم، ويُستدلّ بها على وجود نار برزخية غير جهنم المعروفة . ويُستدلّ بها أيضاً على أنّ العذاب في عالم البرزخ لا يُقاس بالعذاب المنتظر في يوم القيامة . أي هو أقل شأناً من العذاب؛ وإلا فلما التصعيد بأنه يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب . عذاب يوم القيامة أشدّ من العذاب في البرزخ وكذلك نعيم القيامة أعلى من نعيم البرزخز. ولذلك ورد في الروايات أنّ المعذّبين في البرزخ يقولون ربنا لا تُتمّ القيامة . لأنهم يرون مصيبتهم وما ينتظرهم أسوأ . وأمّا المنعّمون في البرزخ فيقولون ربنا أقم لنا القيامة . لأنهم يستبشرون بنعيم أعلى وأعظم وأفضل.

الفئة الثانية، الشهداء . الشهداء من خلال الآيات التي سنستدلّ بها، وإلا المقصود الأنبياء، الرسل، الأوصياء المعصومون. وبحسب الروايات من مُحضّ الإيمان محضاً. هذا إيمان، طهارة، نقاء، صفاء، تديّن، عدل. هذا محض الإيمان. فهؤلاء أيضاً في عالم البرزخ لا نقاش في أنهم يُنعّمون منذ اللحظة الأولى التي ينتقلون فيها من هذه الدنيا، ينتقلون إلى نعيم الله، إلى رضوان الله، إلى أمن الله، إلى العافية والسلامة والكرامة وإلى ما أعدّه الله سبحانه وتعالى لهم، هذه الفئة الثانية.
دليل يستدلون به من القرآن. قال الله تعالى – هنا نستدلّ عن الشهداء -: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ – يخاطب الناس منذ نبيّنا آدم إلى اليوم وإلى قيام الساعة، في ذاك الوقت كانوا يقولون بأن هؤلاء قد ماتوا فالله يقول لهم لا تقولوا هؤلاء ماتوا بل أحياء، هم الآن أحياء، لا نتكلم عن القيامة فهؤلاء الآن أحياء. ﴿أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ . الآية الأوضح قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ . الآن هم أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ . ماذا يعني أحياء عند ربهم - يُرْزَقُونَ . هنا الرزق ليس معناه الأكل والشرب المال، بل كل ما هو رزق، يُرزقون من الكرامة، من الدرجات العالية، من الأمن، من السلامة، من الشرف، من العزّ، من الرضوان والروح والريحان، والنعيم والجنان وإلى آخره . ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآن، الشاهد هنا ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ . يستبشرون بمن؟ بإخوانهم، برفاقهم، بأحبائهم، أصحابهم الذين ما زالوا في دار الدنيا. ماذا يقولون لهم؟. الآن الشهداء الذين سبقوا في ذاك العالم، يقولون: أيها الإخوة الموجودون في الدنيا، يا أهل الدنيا، لو تعرفون نحن في أيّ نعيم، في أي جمال، في أي نور، في أي سلام، في أي كرامة، مع مَنْ وفي جوار مَنْ، لَمَا طاقت أنفسكم ولَما تحمّلتم البقاء في الدنيا لحظة واحدة. ولكنكم محجوبون، غافلون، ناسون . ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ، ويطمئنون عليهم أنه أنتم الذين تواصلون طريقنا وستُرزقون إن شاء الله الشهادة كما رُزقنا ما ينتظركم هنا ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ . هذه الفئة أيضاً هي الفئة الثانية؛ مَن مُحضّ الإيمان محضاً أو مَحضَ الإيمان محضاً. هم في عالم البرزخ مُنعّمون إلى أن تقوم الساعة.

الآن، ماذا عن بقية الناس؟ هنا قد اختلفت الروايات واختلفت الأقوال بين العلماء، حتى داخل المذاهب الواحد . مثل ما أنليالي القدر أصبحت 3 ليالٍ، وأنه عليكم التفتيش عنها في آخر الليالي العشر وبالمفردة في العشر الأواخر ؛ فهناك آراء واختلافات متنوعة في هذا الموضوع.

كون هذا البحث علمي، فكري، عقائدي، كلامي لا أريد إعطاء نتيجة حاسمة لكنني سأعرض بعض الآراء. بعض الآراء تقول، أن بقية الناس بعد أن يُسألوا – ويأخذوا الوجبة الأولى إن صح التعبير ــ من قِبل الملائكة وما يجري عليهم في القبر من الضمّة والضغطة، الاستبشار أو الغضب ؛ فهؤلاء يُلهى عنهم. فالملائكة لا عمل لها معهم . ما معنى يُلهى عنهم، وما الذي يحدث معهم؟ لا يوضحون .

يوجد رواية تقول بأنه يُلهى عنهم. وقول آخر يقول: إنه إذا كان من أهل الصالحات فيفتحون على قبره نافذة أو باب من الجنة فيأتيه من ريحها، من روحها من سعادتها – الله أعلم ما الذي يأتيه – وينام ولا يستيقظ إلا عند النفخ في الصور؛ عندما يأذن الله سبحانه وتعالى بقيام الساعة. وكذلك الآخر يُفتح على قبره كُوّة أو نافذة أو كذا إلى جهنم ويطاله شيء من نارها، من حرارتها، من ظلمتها إلى آخره، أيضاً هو ينام ويُلهى عنه.

وهناك من يقول، أنه لا فرق. لكن هؤلاء ليسوا كالفئة الأولى وليسوا كالفئة الثانية، يُنعّمون بحساب وهؤلاء يُعذّبون بحساب معيّن. وإلّا فالقاعدة هي أن كل قبر هو إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران. أيضاً هناك نقاش، أن هؤلاء المنعمون مثلاً عندما نتكلم عن الشهداء أو الأنبياء، هل يُنعّمون في قبورهم هذه؛ تُحوَّل قبورهم إلى روضة من رياض الجنة، أو أنّ هناك جنان برزخية يُحشرون إلى تلك الجنان ويتنعّمون في تلك الجنان . أيضاً هناك روايات وآراء وأقوال . وكذلك هل يُحوَّل القبر إلى حفرة من حفر النيران إلى قطعة من جهنم أم لا. أم أن هناك نارٌ أو نيران برزخية يُحشر إليها أمثال هؤلاء ؟ أيضاً هذا تفصيل.

لكن الذي أريد أن أصل إليه في هذه النقطة، هو التالي: أنه بمعزل ، إن كان بالرأي الأول أو الثاني أو الثالث فيما يعني ببقية الناس غير الفئة الأولى والفئة الثانية ،يكفي أن نحتمل : الآن أنا أعتبر نفسي إن شاء الله لست من الفراعنة وأرجو أن أكون من المؤمنين ولكن من عامّة الناس من هؤلاء الذين نسأل عن حالهم. فهناك احتمال أن يُلهى عني واحتمال أن يقولون لي أن أنام ويوم الحساب نتحاسب معك . ولكن احتمال آخر لا يقول ذلك . يكفي أن يكون هناك احتمال أن يكون القول الأخير الذي يقول أن كل قبر هو روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، وأن النعيم يبدأ مع الموت، وأن العذاب يبدأ مع الموت ولكنه يتناسب مع الوضع البرزخي ويختلف عن القيامة. هذا الاحتمال وحده يجعلنا نعيش حالة قلق وحالة هلع وحالة خوف بل في حالة حذر شديد . بالنهاية إلى أين نحن ذاهبون؟ أيّ كان قد يموت في أي لحظة ، وفي أيّ مكان. العالم كله ويموت حيث لا يتوقع أحد وفي الزمان حيث لا يتوقع لا هو ولا أحد. ففي النهاية أنا ميّت، والله يخاطب النبي: إنك ميت وإنهم ميّتون، وهو أحبّ الخلق إليه. إذاً أنا ميت وذاهب إلى هذا البرزخ، إلى هذا القبر الذي سألبث فيه . الله أعلم – مئات السنين، آلاف السنين، عشرات آلاف السنين لأننا لا نعلم متى نقوم الساعة - فهذا الاحتمال منطقي، عقلائي، توجد فيه روايات. الآيات تدل عليه والعقل يقول معقول لِمَ لا؟ إذاً، ما الذي جهزت له وما الذي حضّرت له.

- الآن الحديث فقط لأجل البرزخ. سنأتي لاحقاً عن الليلة الكبرى والحياة الأبدية هناك . هذا البرزخ، هذا القبر، بيت الظلمة، بيت الغربة، بيت الوحدة، بيت الوحشة، بيت الدود، بيت العجز والوهن، والجوع، والفقر؛ ماذا جهزت له وماذا حضّرت له وماذا أعددت له؟ هذا السؤال الكبير التي يتطلب منا كأفراد وأيضاً كجماعات – كما علينا أن نجلس ونخطط لمعالجة أوضاعنا الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والسياسية والأمنية . وكما نخطط للزواج، وللعلم، وكيفية الحصول على مهنة، وعلينا تزويج أولادنا وتأمين أوضاعنا ــ مثلما كل هذا يأخذ منا الوقت وهو لسنوات قليلة في دنيا فانية فالذي يستحق حقيقة أن نجلس ونفكّر ونتأمّل وندرس ونخطط ونبرمج ونعمل ونتابع في الليل وفي النهار، ونستغل كل دقيقة وكل ثانية وكل لحظة وكل يوم من عمرنا في العمل للتهيّؤ، للتزوّد، للجهوزية، كما نعمل على الجهوزية للحرب . أين هي جهوزيتنا؟ ماذا أعددنا لهذا البيت الجديد؟ ما الذي جهّزناه له وما الذي أرسلناه من أثاث وأموال وسلاح وإمكانات – طبعاً ذاك العالم يختلف – ماذا أرسلنا بمعنى عمل صالح ، لأن عملنا الصالح هو الذي يبقى معنا منذ اللحظة الأولى.

في مضمون قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في إحدى الروايات، أن الإنسان عندما ينتهي ينظر إلى ماله – هذا بعد الموت أو حين الاحتضار – يقول : للمال أنت صرفت عمري بجمعك وتخزينك، بالحلال وبالحرام، فأنا في هذه المصيبة وفي هذه الرحلة الطويلة ما الذي سأحصل عليه منك، يقول له: ستحصل مني على الكفن. بقية المال يأخذه الورثة. أنت ستُسأل عنه من أين أتيت به، من الحلال، من الحرام... لكن الورثة هم من سيتمتع به في هذه الدنيا بمتعها المختلفة. ينظر إلى أولاده وعياله، أحبائه : كنت أسقيكم، أطعمكم، أعلمكم، أربيكم، كنت أدافع عنكم، وكنت أحملكم على أكتافي ما الذي سأحصل عليه منكم؟ فيقولون له: نحملك على أكتافنا. أنا أقول ذلك الآن والأمير يقول نشيّعك إلى حفرتك. أكثر الله خيرهم أنهم لم يتركوني في الشارع وتطلع رائحة جسدي بل حملوني إلى حفرتي وتقبلوا بي العزاء بعدها يأتيه شيء فيقول له: من أنت؟ ــ من الواضح أن هذا الشخص تركه ماله وأولاده وأحبابه وأهله – فيأتي شيء ما ويلتصق به ولا يريد تركه . فيتساءل من أنت وما هي قصتك وأين رأيتك؟ هل أعرفك أم لا ؟ يقول له: نعم، أنا عملك ومن الآن وصاعداً أنا معك ولا أغادرك لحظة واحدة.

أنا عملك، إذا كان هذا العمل عمل صالح فهذا ذخرك وعونك، وحرزك وقوتك، وغوثك ومعينك. هذا إيمانك وعملك الصالح. وإذا كان هذا العمل، ظلم وطغيان، وفساد وسوء ومعاصٍ، وقبائح وذنوب ؛ فالله يعينك على هذا القرين الذي لن يغادرك إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى .

في الختام، نقول في هذا الشق الأول. نحن نؤمن في الشق الأول بوجود عالم برزخي، وحياة برزخية، فيها نعيم وفيها عذاب. نعيم طبعاً لا يقاس به أي نعيم في الدنيا – كي لا نزهد فيه - وعذاب لا يُقاس به أي عذاب في الدنيا. ولكن ومع ذلك إن نعيم الآخرة وعذابها أعظم من ذلك بكثير. هذا العالم ينتهي عند قيام الساعة، له أيضاً موازينه وقوانينه والعُمدة فيه هو على العمل. حتى المؤمنين الذي يؤمنون بالشفاعة، بشفاعة الأنبياء (عليهم السلام)، للمذنبين والعاصين، بشفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، بشفاعة الشهداء (رضوان الله تعالى عليهم) – نحن ممن يؤمن بأن هؤلاء لهم كرامة ولهم مكانة ولهم مقام عند الله سبحانه وتعالى ويشفعون ويشفَّعون - ولكن في الروايات والأحاديث وفي آراء العلماء في عالم البرزخ لا توجد شفاعة حتى شفاعة لا يوجد . تقول أنا والد شهيد، أم شهيد... هذا كله لا ينفع . في عالم البرزخ إيمانك وعملك الصالح ولا شيء آخر. ولكن في الآخرة، توجد الشفاعة، وأبواب الرحمة الإلهية، توجد الهَدايا الإلهية واللطف الإلهي . لذلك عالم البرزخ عالم شديد ولا يستهِن به الإنسان. ولذلك حصل توجيه في الروايات أنه في يوم القيامة من الممكن أن يساعد أحد الآخر إنما في البرزخ فلا . لذلك انتبهوا لأنفسكم واعتمدوا على أنفسكم أي على إيمانكم وعلى عملكم الصالح، على عبادتكم، على بركم، على تقواكم، على خيركم، على جهادكم، على إخلاصكم، على نقائكم، على طهارتكم وعلى صدقكم . هذا هو الذي يعينكم في ذاك السفر . كما في سفر الدنيا عندما تريد السفر في الصحراء عليك تجهيز ما يتناسب مع سفر الصحراء. عند صعود الجبل، أو عند السفر في المناطق الجبلية عليك تجهيز ما يتناسب مع السفر الجبلي من ثياب، ووسيلة نقل، وأكل وشرب... . أنت هنا في سفر طويل، لمئات وآلاف السنين، له هذه الطبيعة، في هذه القوانين، في هذه الموازين يجب أن تتزوّدوا. تزوّدوا يرحمكم الله وقد نودي فيكم بالرحيل وخير الزاد التقوى.

السلام عليك يا سيدي ومولاي، يا أبا عبد الله الحسين، يا ابن رسول الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّا لزيارتكم.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

26-10-2015 عدد القراءات 3550



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا