7 تموز 2022 م الموافق لـ 07 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: التربية

دور العقل والعاطفة في التربية



العقل بدل الغريزة
الانسان وإن كان أقل نصيباً من الحيوانات بالنسبة إلى الهداية الفطرية لكنه بدلاً عن ذلك يملك عقلاً يرشده إلى سبل السعادة ويوصله إلى الكمال اللائق به.

1- يقول الامام علي عليه السلام: "كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيك من رشدك"1.

أي أنه يكفي في قيمة العقل وعظمته أنه يميز للانسان طريق الضلال والشقاء عن طريق النجاة والسعادة. فبينما نجد في عالم الحيوانات أن المرشد لها إلى طريق سعادتها وكمالها هو الغريزة، يكون المرشد عند الانسان هو العقل.

2- قيل له عليه السلام: "صف لنا العاقل" قال: "هو الذي يضع الشيء مواضعه"2. إن الحيوانات تضع كل شيء يرتبط بحياتها في موضعه دون أن تخطىء. ولكنها تقوم بذلك بدافع الهداية الفطرية، أما الانسان فيقوم بهذ العمل بهداية العقل.

3- عن النبي صلّى الله عليه وآله: "لكل شيء مطية، ومطية المرء: العقل"3. والمراد من المطية هو المركب الذي يصل به الراكب إلى اهدافه. فالحيوانات تطوي طريق سعادتها بمركب القدرة الغريزية وتصل إلى غايتها أي كمالها اللائق بها، أما الانسان فانه يطوي طريق سعادته بواسطة مركب العقل.

4- قال النبي صلّى الله عليه وآله: "قوام المرء عقله". إن نظام حياة الانسان قائم على العقل. بينما نجد نظام الحيوانات قائما على الغرائز.

المقارنة بين العقل والغريزة

يختلف العقل والغريزة من جهات عديدة. ولكننا سنقارن بين هاتين القوتين العظيمتين الالهيتين من جوانب أربعة فقط: المناهج العملية والاساليب الغريزية في كل من الحيوانات تكون على نمط واحد ولا يوجد بينها اختلاف في ذلك. أما الانسان فانه يملك اساليب مختلفة ومناحي متعددة في أفكاره ونشاطاته. فمثلا نجد النحلة تعيش في مناطق عديدة من الكرة الارضية، وتعتبر الخلية بمنزلة دولة مستقلة لها، فيوجد في دولة منظمة من تنظيمات وقوانين. ولكنها متشابهة من حيث أن الأساس في تلك التنظيمات قائم على الهداية الفطرية والغرائز التي أودعها الله تعالى فيها. تتعين الملكة في جميع المناطق حسب شروط معينة متساوية والواجبات المقررة لكل طائفة من النحل معينة حسب قانون الغريزة، وكذلك الغرف فانها تبنى في جميع الخلايا على شكل سداسي. أما الحكومات البشرية فانها تدار حسب أنظمة مختلفة، ولها منظمة خاصة وقد وضعت كل حكومة قانونا معينا لها، والسر في ذلك هو أن الانسان لا يستند إلى الغريزة في نشاطاته، بل يعتمد على العقل والتفكير. ومعلوم أن لكل شخص أو أمة أسلوبها الخاص في التفكير.

الغريزة وإدراكها للواقع
لما كانت الغريزة عبارة عن الهداية الفطرية التي أودعها الله العالم الحكيم في الأحياء فانها لا تخطىء أبداً، بل تعمل بعين البصيرة النافذة. أما العقل فانه يجب أن يستعين بالمقدمات لاستخراج النتائج، فقد يخطئ في المقدمات وقد يخطئ في كيفية الاستنتاج منها. وهناك العشرات من المؤثرات التي تترك أثارها على العقل، مثل: الغضب والشهوة والعادات الاجتماعية والتقاليد العائلية... وهذه تنحرف بالعقل عن طريقه المستقيم فيحرم من إدراك الواقع والحقيقة في النهاية.

فما أكثر السيئات الحقيقية التي تضر بالسعادة الانسانية ومع ذلك فهي محبذة ومحبوبة لدى بعض الأمم. وعلى العكس فما أكثر الحسنات التي تعين الانسان في وصوله إلى السعادة والكمال ومع ذلك فهي مذمومة ومهجورة عند بعض الأمم. وإذا كان العقل وحده كافياً في معرفة الحقائق واراءة طريق السعادة والشقاء لما كانت هناك حاجة لارسال الأنبياء لهداية البشر وتكليف الناس بإطاعتهم.

يقول الامام موسى بن جعفر عليه السلام لهشام بن الحكم ضمن حديث طويل: "يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول..."4.

إختلاف البشر
إن عدم نضج العقل البشري طوال القرون المتمادية هو الذي سبب اختلاف الناس في كيفية تعيين مناهج حياتهم ومعرفة طريق سعادتهم. وقد تؤدي هذه الاختلافات إلى مطاحنات ومشاحنات عظيمة، ومفاسد لا تجبر.

والعالم المتحضر بالرغم من النجاحات العلمية والعملية الباهرة التي أحرزها لم يكن بعيداً عن هذا البؤس، فهو لا يزال يحترق في نار الاختلافات العقيدية وبذلك يعرض السلام العالمي والأمن العام إلى أعظم الأخطار في كل آن. ومن أبسط الأمثلة على ذلك أننا نرى اليوم أن الشيوعية قد صارت سبباً في أعظم وأخطر الانشقاقات الفكرية، فهناك الملايين من العقلاء والمثقفين والجامعيين يعتقدون بأن طريق السعادة الانسانية منحصر في تطبيق النظام الشيوعي، وأنه إذا قدر لهذا النظام أن يسود العالم يوماً وتطبقه جميع الأمم والقوميات في العالم فان البشرية ستصل إلى أوج عظمتها، وستضمن لها سعادتها وكمالها اللائق بها. وللوصول إلى هذا الهدف يجب السعي بكل جهد لازالة الموانع الواحدة بعد الأخرى وكذلك يجب العمل لبث الفكرة بمختلف وسائل الدعاية والاعلان، فلربما يشمل هذا الفيض العظيم العالم كله، وتكون النتيجة تطبيق السعادة على الناس كلهم في أرجاء المعمورة!!.

... وفي قبال هؤلاء يوجد ملايين العقلاء والعلماء والمثقفين والجامعيين يعتقدون بأن الشقاء والبؤس والانحطاط يتمثل في النظام الشيوعي، والنسبة طردية بين انتشار هذا النظام في العالم وفقدان الراحة والسعادة من الانسانية، فالشيوعية تعني دمار الانسانية كلها، والنظام الشيوعي معناه خنق الحرية وكبتها، والمذهب الشيوعي يعني قتل الأخلاق والفضيلة...

ويجب العمل بكل الجهود لاحباط مساعي الشيوعيين ولمحاربة هذا النظام الخبيث، وقلع جذوره التي تعمل على هدم الانسانية وخنق الحرية وقتل الأخلاق. ويجب استخدام جميع أجهزة الدعاية والاعلان لمحو هذا المبدأ الهدام، والداء الوبيل الذي يكمن الخطر فيه أكثر مما هو في الطاعون ، وبذلك ينجو البشر من هذه الفكرة الفاسدة القذرة... وفي ذلك اليوم فقط يمكن الاطمئنان إلى سعادة البشرية!!!.

قصور العقل
لامجال للشك في وجود هذا الاختلاف الفكري بين عقلاء البشر كماهو واضح لأدنى متتبع... ومرد ذلك كله إلى قصور العقل عن إدراك الواقع. لو كان العقل في الانسان ينفذ إلى الحقائق ويدرك الواقعيات كما هو الحال بالنسبة إلى الغريزة في الحيوانات، لكان يستحيل وقوع البشرية في أمثال هذه الاختلافات والمطاحنات... وهذا هو السر في إرسال الأنبياء من قبل الله تعالى، فإنهم جاؤوا لجبران قصور العقل، ليقولوا الكلمة الحقة في موارد الاختلاف، ويثبتوا الحقيقة الساطعة في المنازعات وبذلك ليخلصوا البشرية من ورطة الجهل وحيرة الضلال:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ...(البقرة:213).

لقد رأينا كيف أن الحيوانات تدرك الواقعيات المرتبطة بها عن طريق الغرائز التي تمثل الهداية الفطرية لله تعالى إياها، لكن الانسان لا يستطيع أن يدرك الواقعيات التي توصله إلى السعادة عن طريق العقل دائماً، بل عليه أن يعتمد على الهداية التشريعية التي تتمثل في تعاليم الأنبياء ليتمكن من إدراك الطريق المستقيم والمنهج الحقيقي للسعادة...

هذا هو أول أوجه الفرق بين العقل والغريزة!

حرية العقل
أما النقطة الثانية التي يختلف فيها العقل عن الغريزة فهي أن الغريزة تعمل بصورة جبرية ولا يملك صاحب الغريزة في الأفعال الغريزية أية إرادة أو اختيار. فالنحلة مجبرة على أن تبني بيتها بشكل سداسي، مستخدمة في ذلك الشمع كمادة إنشائية. ولا يحق لها أن تحدث أي تغيير في هذا العمل كما نجد أن الانسان بحكم غريزته يبلغ في وقت معين وتبدو الرغبة الجنسية فيه من دون ارادته واختياره... لكن الأحكام العقلية تجري بإرادة الانسان واختياره، وهو حر في تنفيذ أوامر العقل أو عصيانها. وهذه الحرية هي أعظم مائز للبشر بالنسبة إلى جميع الموجودات في عالم الأحياء.

إن القرآن الكريم يشير إلى حرية الانسان في مواضع عديدة ويعتبرها من الودائع الفطرية في بناء الانسان. وهنا لا بأس من الاستشهاد ببعض تلك الآيات في ضمن الفقرات التالية:

الحرية الفطرية
يقول تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ...(الإنسان:2).

أي أننا خلقنا الانسان من نطفة خليطة من الرجل والمرأة، ثم نمتحنه...

وإذا نظرنا إلى الحيوانات، وجدنا أنها هي أيضاً تتكون من خليط من نطفة الذكر والأنثى. فالخلية الأولى للخروف أو الأرنب إنما هي خليطة (أمشاج)، وبذلك تشبه الانسان... إلا أنه ألحق كلمة (نبتليه) بعد كلمة (أمشاج) بالنسبة إلى الانسان، وهذه عبارة عن فصل مميز بين الانسان وسائر الحيوانات، وذلك لأن الاختبار إنما يصح عندما يكون الشخص المختبر مالكاً للحرية والاختيار، فمثلاً لا يمكن أن يقال بالنسبة إلى الشخص المسجون في سجن لوحده والمراقبة مشددة عليه: أنه يمتحن ليرى هل يسرق أم لا؟. لأنه غير قادر على السرقة في محيط السجن فيجب أن يخرج من محيط السجن الضيق ويتجول بين المجتمع بحرية كي يعرف أنه سارق أم لا.

إن الخروف والأرنب وغيرهما من الحيوانات، قد يكونوا من نطفة أمشاج أيضاً، ولكن لا يوجد امتحان بالنسبة إليهم، لأنهم مسجونون في سجن الغرائز، ولا يملكون إختياراً من أنفسهم. والانسان هو الذي تخلق خليته الأولى ونطفته الأصلية منذ اللحظة الأولى على أساس قابليته للاختبار والحرية وأوجد مع ملاحظة إحتوائه على الارادة والاختيار.

وبهذا الصدد يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(الإنسان:3).

فالانسان فقط هو الذي يستطيع أن يشكر نعمة الهداية الالهية بحرية ويؤدي واجبه على أحسن صورة أو يكفر بالنعمة وينحرف عن طريق الحق والاستقامة.

وبالرغم من أن الحيوانات تملك أيضاً نصيباً وافراً من نعمة الهداية الالهية، فلم يرد في حقها ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوراً(الإنسان:3)...

وهي علامة الحرية وسمة الاختبار. فانها مجبرة على اتباع المنهج الفطري الالهي دون زيادة أو نقصان، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(هود:56).

الصراط المستقيم
هذا الصراط المستقيم هو الذي شرعه الله في الكون، وكل الدواب تسير على هذا الطريق السوي... والطريق الذي شرعه نبي الاسلام العظيم هو صراط الله المستقيم أيضاً، فلله هداية فطرية وهداية تشريعية، وكلتاهما تمثلان الصراط المستقيم في هذا الكون، مع فارق بسيط هو أن الحيوانات لا تملك اختياراً في سلوكها طريق الهداية الفطرية، بينما البشر حر في اتباع الهداية التشريعية وعدم اتباعها: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ(الأنعام:153).

إن القرآن يقوم بنصيحة بني الانسان الأحرار في سلوك طريق السعادة ويخاطبهم بقوله: إن هذا هو صراطي المستقيم فاسلكوه ولا تتفرقوا في السبل التي تبعدكم عن جادة الحق وطريق الفطرة فتقعون في التيه.

إن للانسان والحيوان كليهما صراطاً مستقيماً في طريق تكاملها. الصراط المستقيم الذي يسلكه الحيوان تكويني، والصراط المستقيم الذي يسلكه الانسان تشريعي. وكلا الطريقين معينان من قبل الله تعالى.

والفرق بينهما أن الحيوان مجبر في سلوك طريقه التكويني ولكن الانسان مختار في ذلك: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(النحل:68).

في هذه الآية نجد أن الله تعالى يعبر عن الهداية الغريزية للنحلة بالوحي. إن هذه الحشرة الصغيرة تلقت برنامج عملها عن طريق الوحي الالهي وفي مقام التنفيذ نجدها مجبرة على اتباع الالهام الالهي خطوة إثر خطوة دون أي تخلف.

إلهام الخير والشر
والانسان يتنعم من فيض الالهام الالهي، فقد ألهمه الله الخير والشر... ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(الشمس:8) ولكنه على العكس من النحلة حر في تنفيذ الالهام الالهي والجري على طبقه. فله الحرية الكاملة في أن يتبع قوانين الله وأحكامه فينال بذلك السعادة والكمال، أو يتخلف عنها فيقع في روطة الشقاء والفساد:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(الشمس:9-10).

إن جميع الموجودات الأرضية والسماوية تقف بحكم قانون الفطرة وقفة الخضوع والعبودية أمام خالقها العظيم، ولا يتخلف أحد منها عن هذا الواجب التكويني، ولكن بعض أفراد البشر نجدهم يخرجون بسوء اختيارهم وإساءة التصرف إلى حريتهم عن هذا الواجب... فالبعض يؤدون هذا الواجب وهو الخضوع أمام خالقهم العظيم بحرية، وآخرون يخرجون عليه بحرية أيضاً. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ(الحج:18).

فنجد تعبير القرآن الكريم هنا حيث يتحدث عن الموجودات الأرضية والسماوية وجميع ما في الطبيعة من نبات وجماد وحيوان يقول بأنهم جميعاً يسجدون لله، لكنه حين يصل إلى الانسان يقول إن كثيراً منهم يسجد وطائفة كثيرة أيضاً تستحق العذاب...

حسن الاختيار
للامام موسى بن جعفر عليهما السلام حديث طويل حول العقل والعاقل مع هشام بن الحكم، وأول فضيلة يذكرها للانسان العاقل، عبارة عن حريته وحسن اختياره. وفهو يقول: "يا هشام: إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(الزمر:17-18).

إن الحرية المطلقة والاختيار الكامل الذي لا يحده شرط أو قيد إنما يختصان بذات الله فقط: ﴿كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء(آل عمران:40).

لقد أراد الله للحيوانات عند خلقها أن تكون فاقدة للارادة والاختيار وأن تطبق مراسم الهداية التكوينية بدون أي اعتراض، لكنه تعلقت إرادته في مورد خاص أن يخلق موجوداً مالكاً للارادة والاختيار، ويمنحه شيئاً من الحرية والقدرة... فخلق الانسان ووهبه العقل، وأبصره بطريق السعادة والشقاء، وأعطاه الحرية في مقام العمل، حتى يستطيع الذهاب إلى أي اتجاه أراد باختياره.

وهب أن بنية الانسان تتكون من نفس العناصر الأولية لهذا العالم وبالرغم من أنه يشترك مع عالم النبات والحيوان في صفات طبيعية كثيرة ولكنه يمتاز عنها بمزية تجعله لائقاً لتحمل مسؤولية الحرية والاختيار. ففي الانسان توجد ثروة خاصة، وكنز إلهي دفين، وشعلة نيرة، وروح سماوية تجعله يرتقي على جميع الموجودات في الطبيعة.

يتحدث الله تعالى في القرآن الكريم للملائكة عن إرادته لخلق الانسان فيقول: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ(الحجر:29).

روح الله
نعم هذه روح الله تعالى... فمتى تمت تسوية بناء هيكل الانسان ونفخ الله تعالى فيه من روحه وجب على الملائكة أن يسجدوا له. إن تسوية الهيكل ليست مختصة بالانسان، بل هي موجودة في جميع الموجودات. إن الله تعالى يقول في خلق السماء: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا(النازعات:28) وبالنسبة إلى نبات الأرض يقول: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ(الحجر:19).

إذن: فالشيء الذي يختص به الانسان، ويسبب له العظمة والرقي والكمال هو الحقيقة المجهولة التي يعبر الله تعالى عنها بروحه.

"عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي(الحجر:29) قال: روح اختاره واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه، وفضله على جميع الأوامر فأمر فنفخ منه في آدم"5.

"عن أبي بصير عن أبي جعفر في قول الله عز وجل: "وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي" قال: من قدرتي"6. فنجد الامام الباقر عليه السلام يعبر عن روح الله في هذا الحديث بالقدرة الالهية.

قابلية الائتمار والانتهاء
لقد منح الله الانسان شيئاً من قدرته ومشيته المطلقة، وبعد خلق آدم ظهرت أولى مظاهر القدرة والاختيار والحرية في توجه الأمر والنهي إليه من قبل الله.

﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ(البقرة:35).

الأمر والنهي، كل ولا تأكل، إفعل ولا تفعل... كل ذلك يمكن تصوره في فرض الاختيار والارادة فقط. وإنما يقال للرجل ظالماً حيث يملك الحرية في العمل ويخرج على القانون بإرادته.

نستنتج من استعراض النماذج السابقة: إن الانسان يمتاز بمكانة خاصة من جهة الارادة والاختيار. فالحيوانات تنقاد للهداية التكوينية دون أي قيد أو شرط، وتنفذ أوامر الغرائز الكامنة فيها بجبر ودون أي قدرة على الخروج عليها. لكن الانسان حر في تنفيذ أوامر العقل. وهنا يجب أن لا نغفل نقطة مهمة هي: أن جسد الانسان وروحه، صورته ومعناه، عقله وإرادته، وبصورة موجزة: ذاته وجميع صفاته في قبضة القدرة الالهية. إنه مخلوق وجد بإرادة الخالق القاهرة، إنه موجود تمتع بالوجود بفضل إرادة موجده، وإن وجوده قائم به، والحرية الحقيقية، والاختيار الكامل إنما يكونان للخالق العظيم الذي تكون ذاته المقدسة وصفاته الكمالية قائمة بذاته الأزلية، والذي لا يحتاج إلى أحد، في حين أن الجميع يحتاجونه، وعلى هذا فان الانسان ليس مجبراً ولا مكتوف اليدين في أعماله لأن أفعاله مستندة إلى العقل والارادة وليس أسيراً للغرائز كسائر الحيوانات، ومن جهة أخرى فليس الانسان مختاراً مطلقاً وحراً بلا قيد أو شرط لأنه هو وحياته وجميع صفاته قائمة بذات الله تعالى، والمختار المطلق والقادر الحقيقي هو الله القائم بذاته، والانسان واقع في مرحلة وسطى بين المختار المطلق والمجبر المطلق.

يقول الامام الصادق عليه السلام: "لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين"7.

"... عن أبي الحسن الرضا، قال: قلت له: إن أصحابنا بعضهم يقول بالجبر وبعضهم يقول بالاستطاعة. فقال لي: أكتب، قال الله تعالى: يا ابن آدم، بمشيتي كنت أنت الذي تشاء، وبقوتي أديت إلي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي"8.

يستفاد من كلام الامام الرضا عليه السلام أن الانسان ليس مجبراً، لأنه يعمل باختياره ولكن اختياره يستند إلى الافاضة الالهية، فهو يملك إرادة بإرادة الله ويملك قدرة بقدرة الله، والعبارة الجامعة في هذا المقام هي الجملة التي يقولها أكثر المصلين في صلاتهم... (بحول الله وقوته أقوم وأقعد).

إذن فالنقطة الثانية التي يختلف فيها العقل عن الغريزة هي أن أوامر الغريزة تنفذ بصورة جبرية. بينما نجد أن الانسان حر في الانقياد إلى أوامر العقل.

التكامل اللامحدود
هناك فرق كبير بين الغرائز والعقل، وهو أن عدد الغرائز محدود وللتكامل الناشئ من الغرائز حد ثابت لا تتجاوزه ولكن الانسان يستطيع التدرج في مراتب الكمال بفضل عقله وحريته بدون أن يحد ترقيه حد معين، وكلما يتقدم يجد مجال التقدم والتكامل أمامه مفتوحاً. ولهذا السبب فان المجتمع الانساني كان ولا يزال يخطو الخطوات الواسعة في مجال التقدم في ظل عقله وتفكيره، مبتكراً في كل فن آلاف التحولات والتطورات في شؤون الحياة المختلفة. أما الحيوانات السجينة في قلعة الغرائز فانها باقية في نفس الحد الذي كانت عليه قبل عشرات القرون ولم ترفع خطوة واحدة في سبيل الترقي والتكامل الجديد.

وبالرغم من أن الحيوانات مصونة من التعرض للانحراف والخطأ بفضل غرائزها، لكن الانسان معرض للخطأ والاشتباه مرة بعد أخرى، وهب أن الغرائز توجد أشد التنظيم وأدقه في حياة الحيوانات، ولكن الانسان لم يصل لحد الآن إلى تنظيم حياته الاجتماعية والعقلية بشكل مشابه لما هو موجود في غرائزه... بالرغم من هذا كله فان قيمة العقل لا يمكن أن تقاس مع الغريزة. إن الآلة الحاسبة تجيب على العمليات المحدودة الخاصة بها، وكذللك الغرائز الحيوانية فشأنها شأن الآلة الحاسبة في السرعة والمحدودية. إن ميزة العقل البشري على الغرائز الحيوانية هي بقدر ميزة عقل المهندس المخترع للآلة الحاسبة على الآلة نفسها، إن النتائج الحاصلة من الآلة الحسابة ليست ناشئة من الفكر والتدبر، وكذلك الحيوانات فإن أفعالها ليست على أساس الروية والتفكير.

"إن الحيوانات بالرغم من جهلها بنفسها وبيئتها، تجد طريق الوصول إلى مسالك الحقيقة بدقة عجيبة، أما الانسان فليس كذلك. وكأن الحياة اتخذت للتكامل في العالم طريقين مختلفين: أحدهما الغريزة والآخر الذكاء والارادة".

"إن جميع الموجودات ما عدا الانسان تملك شيئاً من العلم الفطري عن العالم وأنفسها. هذه الغرائز تقودها بشكل دقيق تماماً للوصول إلى الحقيقة. وعليه فلا تملك حرية خداعة. إن الموجودات التي تتميز بالعقل هي التي تخدع وتقبل التكامل في النتيجة. اما الحشرات فهي على عكس ذلك‘ تتميز بنظام جماعي ثابت لم يطرأ عليها التغيير منذ عشرات الالاف من السنين وحتى اليوم".

"إن أنثى الكلب على العكس من أنثى الانسان لا تخطىء في مراقبة صغارها أبدا، الطيور تعرف متى يجب أن تبني أعشاشها. والنحلة تعرف المواد الضرورية للملكة أو العمال أو الحرس. إن الحيوانات لا تملك حرية وذلك لأتوماتيكية الغريزة، ولذلك فهي لا تستطيع أن تعيش كما يعيش الانسان متمتعاً في أسلوب حياته بإرادته وحريته. إن الانسان لا يعرف بعد كيفية إدارة نفسه، ولم يوفق أبداً لبناء تمدّن الكمال التي يستطيع بها أن ينظم حياته الاجتماعية بنسبة الدقة الموجودة في تنظيم الغريزة لتجمع النحل. وعليه فإن جهودنا يجب أن تبذل بصورة رئيسية في دعم رصيدنا الروحي"9.

أثر التربية في الحيوان
هناك بعض الحيوانات مثل الخيل والكلاب والقردة تملك شيئاً من الذكاء‘ ويمكن إخضاعها للتربية إلى درجة ما. والمربي يستطيع أن يعلمها قسطاً من الصفات. ولكن العقل الذي هو منشأ الترقي والتكامل العلمي ورصيد التفكير يختص بالانسان. ولهذا السبب فان التربية مؤثرة إلى درجة ما في الحيوانات الراقية. مما لا شك فيه أنه لا يمكن تربية الحصان بشكل يستطيع معه يوماً أن يشترك في المؤتمر الاعلى للبحوث الذرية في الجامعة ويتحدث عن كيفية تحطيم النواة المركزية للذرة. والكلب مهما تربى بصورة فائقة فانه لا يستطيع أن يبحث عن سرطان الدم وأساليب علاجه. فالحيوان مهما كان راقياً وذكياً يحذو حذو غريزته في الحياة دائما ولا يملك أدنى قدرة على التخلف عن الهداية التكوينية له.

"بالرغم من كون الغريزة عند الحيوانات الراقية كالقرود والفيلة والكلاب محاطة بهالة من الذكاء فان الغريزة هي الحاكمة والمسيطرة في الأفعال الحيوية الرئيسية لها"10.

يقول الامام الصادق عليه السلام في حديثه إلى المفضل: "تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه والمنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضاً بأحشاء الانسان، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومئ إليه... أن يكون عبرة للانسان في نفسه، فيعلم أنه من طينة البهائم وسنخها، إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب. ولولا فضل الله عليه في الذهن والعقل والمنطق كان كبعض البهائم. والفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة هو: النقص في العقل والذهن والنطق"11.

نعود فنقول إن الفرق الثالث بين العقل والغريزة هو أن الانسان يواصل سيره التكاملي في ظل العقل والتفكير، بينما الحيوان محصور في قلعة الغرائز، أن الحيوانات التي تملك شيئاً من الذكاء والفطنة تقبل التربية إلى درجة ما. ومع ذلك فان حياتها قائمة على أساس الغرائز الفطرية.

تنمية الأفكار
والفرق الرابع بين العقل والغريزة هو: أن الغرائز تصل إلى مرحلة الفعلية مع النمو الطبيعي للحيوان. ولا تحتاج في ذلك إلى التربية والتعليم. أما العقل فانه ينمو على أثر التوجيهات الصحيحة في التعلم والتربية ويظهر كماله الباطني بصورة تدريجية، وينتقل من القوة إلى الفعلية وبعبارة أخرى: فان العقل يصل إلى حياته اللائقة به في ظل التوجيهات اللازمة وإذا فقد التنمية الصحيحة ولم يقع في طريق التفكير السليم فانه يموت ويفقد أثره. إن الهدف الأول للأنبياء ونبينا محمد صلّى الله عليه وآله بالخصوص هو إحياء العقل وتنمية أفكار الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ(الأنفال:24).

فها هو القرآن يدعونا إلى تلبية أوامر الله والرسول وتطبيق تعاليمه. إن كل ما كان يحدث عند الجاهلية من شرك وعبادة للأصنام وارتكاب للجرائم ووأد البنات كان نتيجة قتل العقل وإطفاء نور التفكير.

يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام: "إن للجسم ستة أحوال: الصحة والمرض والموت والحياة والنوم واليقظة. وكذلك الروح: فحياتها علمها وموتها جهلها، ومرضها شكها، وصحتها يقينها، ونومها غفلتها، ويقظتها حفظها"12.

فالسعادة تكون لمن كانت روحه حية بالعلم، وسالمة باليقين، ويقظة بالتنبه. إن الاسلام يعتبر التفكير واستخدام العقل والتدبر في عوالم الطبيعية أعظم العبادات. وقد وردت بهذا الصدد آيات وروايات كثيرة. كان الامام أمير المؤمنين عليه السلام يوصي ولده الحسن عليه السلام فيقول: "لا عبادة كالتفكر في صنعة الله عز وجل"13.

لكي يصل الانسان إلى الكمال الانساني، عليه أن يفكر، يحيي عقله، يتدبر في آثار خلق الله... ويصل عن هذا الطريق إلى أوج الرقي المقرر له.

نستنتج مما سبق: أن دليل الحيوان في حياته هو الغريزة، ودليل الانسان هو العقل. الكمال الناشئ من الغريزة ثابت دائماً ويسير على وتيرة واحدة. أما العقل فانه يقود الإنسان إلى كمالات وترقيات جديدة. الغرائز لا تحتاج إلى التعهد والتربية وتظهر لوحدها، أما العقل فيجب أن يصل إلى مرحلة الفعلية عن طريق التربية الصحيحة.

العواطف والمشاعر

يجب علينا أن لا نغفل حقيقة مهمة: وهي أن سعادة الانسان ليست مرتبطة بتكامل عقله فقط، فهناك ثروة أخرى في كمين الانسان بالاضافة إلى العقل ألا وهو العاطفة. إن ما لاشك فيه هو أن الشعور العاطفي يجب أن تراقب رعايته بالصورة الصحيحة شأنه في ذلك شأن العقل. فالعقل والعاطفة يجب أن يسيرا في طريق الكمال المنشود كتفاً لكتف. وفي ظل هاتين القوتين العظيمتين يستطيع الانسان أن ينال مقامه اللائق به.

ومع أننا سنتطرق بالتفصيل إلى البحث عن العواطف وقيمة المشاعر في المراحل التربوية وجميع شؤون الحياة في البحوث القادمة، لكننا هنا نذيل بحثنا عن العقل ببعض الجمل عن العاطفة وأهميتها بصورة موجزة.

دور العقل والعاطفة
يلعب العقل دور الدليل المرشد في ضمان سعادة الانسان، ولكن الطاقة المحركة له هي العواطف والمشاعر. العقل في الحياة يشبه العدل في كونه ضرورياً للمجتمع. ولكن العقل والعدل كليهما أمران صارمان لا يملكان مرونة وحناناً. أما اللحام الذي يربط بين أجزاء المجتمع ويوجد الاخاء والحب بينها فهو العاطفة. لقد ورد ذكر العدل والاحسان معاً في القرآن الكريم، فهو يأمر بهما معاً: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(النحل:90).

والمجتمع يحتاج في تحديد حقوق الأفراد، وتعيينها إلى العدل، ولكن بالعاطفة والاحسان يروي ظمأ المجتمع من الحب والحنان. إن غذاء العقل هو العلم، وغذاء العواطف هو الأخلاق والفضيلة، ومما لاشك فيه أن العقل هو أساس السعادة الانسانية، ولكن الانسان يبحث عن محبوب آخر يمنحه الطاقة الحرارية ويسبب له الحيوية والنشاط والرفاه، ذلك هو العاطفة. إن جميع التضحيات، ومظاهر الايثار، الحب والحنان، الشفقة والمساعدة، الحب والوفاء... كل ذلك ينبع من المشاعر العاطفية.

"لايوجد أحد يضحي بنفسه في سبيل الحقيقة العلمية تماماً. إن الجدران المرتفعة على أساس الجهل والتماهل والكسل لا تتحطم بالمنطق أبداً. إن ما يدفع الانسان إلى العمل هو العقيدة لا المنطق. إن العقل لايستطيع أن يمنحنا قوة الحياة طبقاً لطبيعة الأشياء، إنه يرشدنا إلى الطريق فقط ولا يدفعنا إلى الأمام أبداً. نحن لا نقدر على التغلب على العوائق التي في طريقنا ما لم تنبعث من أعماقنا موجة من العواطف، والحب فقط هو الذي يستطيع تهديم الحواجز العالية الضخمة التي تخفي خلفها إثرتنا وأنانيتنا، ويشعل فينا لهيب الشوق والعشق ويجرنا بأسارير مفتحة إلى طريق التضحية المؤلم. إن مطالعة كتاب في الحقوق لايبعث فينا الشوق والرغبة"14.

تزكية النفس

وكما يسعى الانسان في سبيل إحياء مواهبه الفكرية، وإدراك الحقائق العلمية ويحرز تقدماً جديداً في كل يوم... عليه أن يسعى في سبيل تزكية نفسه وتطهيرها أيضاً. يحيي بذلك إنسانيته، ويرضي عواطفه النبيلة بالفضائل الأخلاقية. إن المجتمع الذي يقوم على العلم فقط ويكون فاقداً للفضيلة والأخلاق لايطاق. لأنه لايوجد في ذلك المجتمع اطمئنان وارتياح بال والناس يكونون كراكبي سفينة في وسط بحر هائج يشعرون بخطر الغرق والسقوط في كل آن. وبغض النظر عن الجانب الديني فان الفضائل الخلقية والملكات الطاهرة من الضروريات الحيوية لمجتمع سعيد فاضل.

"عن علي عليه السلام أنه قال: لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً لكان ينبغي لنا أن نطالب بمكارم الأخلاق، فانها مما تدل على سبيل النجاح"15.

إن شطراً مهماً من سعادة المجتمع مرتبط بالفضائل الخلقية، كما أن شطراً مهماً من شقاء المجتمع وفساده له ارتباط وثيق بالانحطاط الخلقي والصفات البذيئة.

يقول الامام علي عليه السلام: "رب عزيز أذله خلقه، وذليل أعزه خلقه"16.

وعن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "حسن الخلق يزيد في الرزق"17 وعن الامام علي عليه السلام: "في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق".

وعنه أيضاً: "حسن الخلق خير رفيق".

إن من أهم الخصائص الكبرى التي يمتاز بها الأنبياء، والتي كانت السبب المباشر في تأثيرهم في المجتمع ونفوذهم الى عقول الأفراد وأفكارهم هي ملكاتهم الطاهرة وسجاياهم العظيمة: "إن الله خص الأنبياء عليهم السلام بمكارم الأخلاق"18. وبهذا الصدد جاء الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله ذاكرا الهدف الأسمى من بعثته وظهوره بين ظهراني المجتمع الجاهلي آنذاك قائلا: "بعثت لأتمم مكارم الاخلاق"19.

"إن الخطيئة الاجتماعية الكبيرة في عصرنا الحالي هي الاعراض عن اتباع قانون التكامل الروحي. وحصر الروح بصورة إستبدادية عنيفة بالقوى العقلانية، وتربية القوى الفكرية فقط. ذلك أن الفكر يستطيع بمساعدة العلم أن يضمن السيطرة على جميع الأشياء لكنه تناسى النشاطات الروحية الأخرى. إن الانسان المعاصر لم يفهم بعد خطر الخروج على قانون التكامل الروحي، ويظن أن التنمية الفكرية تعادل التربية الروحية، ولم يعلم بعد أن إلى جانب العقل توجد النشاطات المعنوية اللازمة للسير الصحيح في الحياة. إن السيطرة التدريجية للفساد وقلة الأدب والانحراف والادمان على الخمرة والكسل والحسد والحقد والتزوير والكذب والخيانة تحصل عندما يسحق قانون التكامل الروحي"20.

"إنه خطأ فظيع ارتكبه دعاة التمدن والتجدد في إهمالهم للتكامل الروحي. إن العمر الروحي للأغلبية العظمى من الناس لا يتجاوز الـ 12 أو 13 عاماً"21.

تنمية العقل والعاطفة
يشكل العلم والأخلاق جناحين قويين لطيران الانسان إلى أوج الانسانية. إن المجتمع الذي يعمل على إحياء العقل والعاطفة معاً هو أسعد المجتمعات. فبالعلم يتقدم نحو الترقي والتكامل، وبالعواطف والأخلاق توجد البيئة الصالحة... البيئة التي يسودها جو من الحب والحنان والاخلاص حيث يعيش الجميع في غاية المودة والاخاء.

حيث توجد الأخلاق والعواطف ولا يوجد علم فلا تكامل هناك ولا تقدم، ينعدم الادراك لحقائق الحياة هناك، الانسان يكون محروماً من الانتصارات العلمية الباهرة في تلك الصورة.

وحيث يوجد العلم ولا يوجد إيمان ولا فضائل، وحيث يوجد العلم ولا يوجد شرف ولا تقوى، وحيث يوجد العلم ولا يوجد أثر للفضائل الخلقية والانسانية... هناك تظهر الأنانية والاثرة، وهناك يسيطر الجشع والحرص على الناس، هناك يقع الأفراد في شرك الفساد والخيانة، هناك تجد الاعتداء والتجاوز على حقوق الآخرين، يعكر جو الصفاء والأمن...

إن المهندس الفني في صنع السيارة يراعي الموازنة بين قوة المحرك وقوة جهاز الإيقاف (البريك). فكلما يزداد المحرك إلى الجانب الايجابي أي الحركة، يزيد على قدرة الايقاف وهو الجانب السلبي وذلك لكي يحمي السيارة ومسافريها في اللحظة الحرجة وعند الاشراف على السقوط ويسيطر عليها فيوقفها.

والتقدم العلمي في العالم المعاصر بمنزلة التكامل المتزايد لقوة المحرك الاجتماعي. أما الفضائل الخلقية فانها بمنزلة (البريك) الذي يحفظ الناس في ساعة الخطر من الموت والسقوط. والانسان يكون سعيداً عندما يرفع من المستوى الايماني والأخلاقي في الوقت الذي يلاحظ فيه الترقيات العلمية في العالم. وذلك ليستخدم العلم في الطريق المفيد فقط. ومن المؤسف أن البشرية سالكة في الاتجاه المخالف لهذا الطريق منذ مدة... وكأنه كلما تتقدم العلوم، يأخذ الايمان والتقوى في التناقص والتقلص.

إن العالم اليوم أصبح بضعف الجانب الايماني والأخلاقي فيه أشبه بسيارة بلا (بريك) تستمر في سيرها بصورة قلقة، والناس يقضون حياة مليئة بالاضطراب والقلق وهم خائفون من أن تصل بهم الحياة إلى رأس منزلق يؤدي بهم إلى الهاوية، فيأمر الرؤساء بإشغال النار وحينذاك يستغل التقدم العلمي للتخبط في النار والدم والقضاء على الكرة الأرضية في بضع ساعات.

"إذا بقي الذكاء حراً غير تابع للادراك المعقول أو الالهام بالقيم الأخلاقية فذلك أمر خطر جداً. فالذكاء ليس يجرنا إلى الماديات فحسب، بل يجرنا إلى البهمية , هذه الأسطر كتبت قبل إطلاع العالم على اختراع القنبلة الذرية بفترة وجيزة، وهذا الاختراع يظهر معاني هذه الكلمات بصورة واضحة. فقد انتبه الناس فجأة إلى أن انتصاراً عملياً عجيباً يهدد السلام العالمي بصورة فظيعة وفجأة رأت الدول التي نسميها بالمتمدنة أن اتحاداً أخلاقياً فقط هو القادر على حمايتهم تجاه هذا الخطر. الوقت ضيق إلى درجة أنه يمكن الحصول على النجاة المحتمل بواسطة المعاهدات المكتوبة فقط، ولكن الكل يعلم أن الاعتماد والاطمئنان إلى هذه المعاهدات لا يتجاوز اعتبار الشخص الموقع عليها إذا لم يكن هذا الشخص أمينا ومخلصاً. أو لم يكن ممثل أمة تكسب كلامه وشرفه رصيداً متيناً، فلا يبقى معنى لتلك الاتفاقيات. انه لأول مرة في التاريخ البشري نرى أن الصراع بين الذكاء والقيم الأخلاقية صار موضوعاً حيوياً يتوقف عليه الحياة أو الموت. نحن نأمل أن نستفيد من هذه العظمة، ولكن المؤسف أننا نشك في ذلك..."22.

العلم في ظل الايمان
لقد قامت الآيات الأولى التي نزلت لأول مرة على نبينا محمد صلّى الله عليه وآله يوم بعثته على عمودي الايمان والعلم، فقد قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(العلق:1-2) فقد قدم بذلك الايمان بالخالق العظيم، ثم عقب عليه بذكر العلم: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(العلق:3-5).

من هنا نستنتج أن العلم الذي يكون في ظل الايمان، يكون مصوناً من كل خطر، ويسبب سعادة البشرية. أما إذا انفصل العلم عن الايمان بالله فمن الممكن أن يعود بالأضرار الباهظة في بعض الحالات.

التربية السليمة للطفل
إن تعهد العقل والعاطفة بالتربية والتنمية، والذي هو أساس سعادة الانسان يجب أن يبدأ من مرحلة الطفولة. فمرحلة الطفولة أحسن مراحل تعلم الأسلوب الصحيح في الحياة. فقدرة الاقتباس والتقليد وحاسة التقبل عند الطفل شديدة، فباستطاعته أن يتلقى جميع حركات المربي وسكناته، وأقواله وأفعاله بدقة عجيبة أشبه بعدسة تصوير. وفي الوقت الذي يتكامل جسد الطفل وينمو يجب أن تسلك روحه في طريق التعالي والتكامل أيضاً وكما يعتنى بسلامة جسد الطفل يجب أن يعتنى بسلامة مشاعره ومعنوياته. يجب تعويد الطفل على النظافة. الأدب، الصدق، المسؤولية، العطف، حب الخير، وعشرات الصفات الفاضلة الأخرى فمن الصعوبة بمكان تغيير سلوك الأشخاص الذين لم يتعودوا في أيام طفولتهم على السلوك التربوي الصحيح. إن أسعد الناس هم أولئك الذين نشأوا على التربية السليمة والصفات العالية منذ حداثة السن حتى اصبحت جزء من كيانهم، بحيث تظهر عليهم في الكبر دون أيما تكلف أو تصنع.

وهكذا يلعب الآباء والأمهات دوراً مهماً في بناء سعادة الأطفال ويتحملون مسؤولية كبيرة على عواتقهم، وفي الواقع ان المدرسة الأولى للتربية هي حجر الأم.

"من الصعوبة لفرد بالغ أن يقلع من نفسه جذور التربية الروحية والخلقية والفكرية الفاسدة. فالعادات البذيئة لاتقلع جذورها. إن الذين تعودوا منذ الصغر على إطاعة قوانين الحياة هم وحدهم الذين يستطيعون أن يسلكوا طريقاً صحيحاً. هذا هو واجب الأبوين، فعليهما القيام به خصوصاً في الأعوام الأولى من عمر الطفل. وإذا كانا يجهلان الأساليب الفنية التربوية الجسدية منها والروحية والتي تختلف بحسب العمر والجنس والبيئة، فلا يستطيعان القيام بهذه المهمة. فالأم بصورة خاصة محتاجة إلى هذه المعلومات".

"ولأجل أن يقع التعليم والتربية مفيدين يجب التبكير في ذلك، أي أنه يجب الاهتمام بالجوانب الفسيولوجية للطفل فقط منذ الأسابيع الأولى للولادة، وبعد مضي عام واحد يجب أن يبدأ بالمسائل الروحية. إن قيمة الزمن ليست واحدة للطفل ولأبويه. إن يوماً واحداً في السنة الأولى أطول بكثير من يوم واحد في السن الثلاثين. وربما تبلغ الستة أضعاف بالنسبة لأكثر الحوادث الفسيولوجية والروحية. وعليه فيجب أن لا يهمل الدور الطفولي الخصب بلا إنبات. فمن المحتمل أن تكون نتيجة تنفيذ مقررات الحياة أكثر حتمية طوال الأعوام الستة الأولى من الحياة"23.

قلب الطفل صفحة بيضاء
يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن عليه السلام: "إنما قلب الحدث كالأرض الخالية. ما ألقي فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك"24.

إن قلب الطفل صفحة بيضاء، لا يوجد فيها فكرة صحيحة أو خاطئة. والاباء والأمهات الشاعرون بالمسؤولية هم الذين يستغلون ذلك أقصى الاستغلال ويجعلون قلوب أطفالهم تتزين بالملكات الفاضلة والأخلاق الحميدة.

إن عواطف الطفل ومشاعره تظهر قبل عقله، ويمكن الاستفادة من أحاسيسه قبل ذخائره العقلية بكثير. إن الأطفال في جميع أنحاء العالم يرسلون إلى المدارس بعد السنة السادسة، ومن ذلك الحين تتفتح المواهب الفكرية للطفل، في حين أن أحاسيسه ومشاعره تبدأ بالنشاط قبل ذلك بزمن طويل.

وفي الوقت الذي لا يفهم الطفل المسائل العلمية ولا يدركها، يدرك القضايا العاطفية وتؤثر فيه كالحدة والغلظة، واللين والرفق، العطف والحنان، الاحترام وعدم الاعتناء وغير ذلك، وبصورة موجزة فان موضوع تنمية المشاعر والأحاسيس يشغل قسطاً مهماً من المسائل التربوية. ويقع عبء المسؤولية في أداء هذا الواجب على الأبوين بالدرجة الأولى. فرياض الأطفال عاجزة عن أن تحل محل العائلة والأم في إحياء جميع مشاعر الطفل الخفية بصورة لائقة، وهداية الطفل إلى السير الطبيعي الفطري.

*الطفل بين الوراثة والتربية، محمد تقي فلسفي، الأعلمي ط3، 2002م، ج1، ص175-198.


1- نهج البلاغة ص:606.
2- المصدر السابق ص:565.
3- بحار الأنوار للمجلسي ج 1ص32.
4- الكافي لثقة الاسلام الكليني ج 1ص16، ط طهران.
5- تفسير البرهان ص:557.
6- تفسير البرهان ص:558.
7- بحار الأنوار للمجلسي ج 3ص6.
8- عيون أخبار الرضا ج 1ص144.
9- راه ورسم زندكي ص:28.
10- راه ورسم زندكى ص:28.
11- بحار الأنوار للمجلسي ج 2ص301.
12- البحار ج 14|398.
13- سفينة البحار للقمي مادة فكر- ص:382.
14- راه ورسم زندكى ص:113.
15- اداب النفس للسيد محمد العيناثي ج 1ص26.
16- سفينة البحار للمحدث القمي مادة خلق- ص:411.
1

28-08-2009 عدد القراءات 21173



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا