7 تموز 2022 م الموافق لـ 07 ذو الحجة 1443 هـ
En FR

نور الأسبوع :: شوال

نُصرةُ الحقّ



عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «رحم اللهُ رجلاً رأى حقاً فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عَوناً بالحقِّ على صاحبه»[1].

مِن أعظمِ الواجباتِ على أهلِ الإيمان، معرفةُ الحقِّ والانتصارُ له، وهذا الواجبُ يتجاوزُ المصلحةَ الفرديةَ والشخصيةَ إلى مصلحةِ المجتمعِ المؤمن، وقيامِ الدينِ والحفاظِ على رايتِه، بل إنَّ دعوةَ الأنبياءِ جميعاً، والأئمةِ مِن أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، كانت للانتصارِ للحقِّ ومواجهةِ الباطل.

وبالرجوعِ إلى النصوصِ الواردةِ في نهجِ البلاغة، نجدُ أنَّ واجبَنا أمامَ هذا التكليفِ يتمثّلُ بالآتي:

1. ضرورةُ المعرفةِ بالحقِّ والباطل: ترتبطُ درجةُ نضجِ الفردِ والمجتمعِ وتكاملِهِما ارتباطاً كاملاً بدرجةِ وعيِهِما ومعرفتِهِما الحقَّ والباطلَ والحقائق. إذاً، ينبغي قَبلَ كلِّ شيءٍ التوصُّلُ إلى المعرفةِ والوعيِ اللازم، وطريقُ ذلكَ -كما يرشدُنا الإمامُ الهادي (عليه السلام) الرجوعُ إلى العلماء، ففي الرواية: «لولا مَن يبقى بَعدَ غيبةِ قائمِنا (عليه السلام) من العلماءِ الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دِينِهِ بحججِ الله، والمنقذينَ لضعفاءِ عبادِ اللهِ من شِباكِ إبليسَ ومردتِه، ومِن فخاخِ النواصب؛ لما بقيَ أحدٌ إلّا ارتدّ عن دِينِ الله»[2].

2. التزامُ الحقّ: بعدَ معرفةِ الحقِّ من الباطل، واكتسابِ الوعيِ اللازم، علينا التزامُ الحقِّ والحقيقة، وذلك يعني السعيَ إليه، والعملَ به، وعدمَ الخوف، فعن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «أَفْضَلُ النّاسِ عِندَ اللّهِ من كانَ العَمَلُ بِالحَقّ‏ أَحَبَّ‏ إِلَيهِ وَإنّ نَقَصَهُ وكَرّثَه، مِنَ الباطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيهِ فائِدَةً وَزادَه»[3].

3. العملُ: لا يكفي معرفةُ الحقِّ والحقيقةِ والمَيلُ اليهما، بل يجبُ أيضاً السعيُ للعمل بالواقعِ وتحقيقِهِ وتطبيقِ الحقّ، فعن الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «... وَاللّهِ، لَهِيَ أَحَبُّ‏ إِلَيّ مِن إِمْرَتِكُم، إِلّا أَنْ أُقيمَ حَقّاً أَو أَدفَعَ باطِلاً»[4].

4. مقارعةُ الباطل: بعد معرفةِ الباطل، يجبُ العملُ مِن أجلِ مكافحتِهِ والقضاءِ عليهِ واستئصالِ جذورِه، لكي يمهِّدَ السبيلَ أمامَ تحقيقَ الحقّ، ويتّسعَ المجالُ لتحقُّقِ النضجِ والتكامل. يقولُ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «وَأَيمُ اللّهِ، لأَبقُرَنّ‏ الباطِلَ حَتّى أُخرِجَ الحَقَّ‏ مِن خاصِرَتِهِ»[5].

5. الانصياع للحقِّ والحقيقة: بعد معرفةِ الحقِّ والحقيقة، لا بدّ من التزامِهِما وتحقيقِهِما، ويجبُ عدمُ رفعِ لواءِ معارَضةِ الحقِّ والحقيقة، أو مناوَءة القوانين السائدةِ في نظامِ الخلق. يقولُ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «مَنْ أبدى صَفْحَتَهُ للِحَقِّ هَلَكَ»[6]. بعد ذلكَ يشيرُ إلى زوالِ القِيَمِ وانهيارِها لدى الأممِ السالفة، فيقولُ (‏عليه السلام): «فَإِنّما أَهَلَكَ مَن كانَ قَبلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنعُوا النّاسَ الحَقّ‏ فاشتَرَوهُ، وَأَخَذُوهُم بالباطِلِ فَاقْتَدَوهُ»[7].

6. محاربةُ أنصارِ الباطل: مِثلَما كان علينا القضاءُ على الباطل، ومكافحةُ المفاسِد، علينا أيضاً محاربةُ أنصارِ الباطل ومكافحتُهُم، لكيلا يتمكّنوا من طرحِ الباطلِ من جديد، وإشاعةِ الأفكارِ الباطلة. يقولُ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام): «وَلَعَمري، ما عَلَيَّ‏ مِن قِتالِ مَن خالَفَ الحَقَّ‏ وَخابَطَ الغَيَّ‏ مِن إدهانٍ وَلا إيهان»[8].

وبذلكَ لن يواجِهَ البشرُ مشكلةً في السَّيرِ على طريقِ التكاملِ ومحاربةِ الباطلِ والزيف، إذ إنَّ الحقَّ والحقيقةَ قائمان، ومعرفتُهُما أمرٌ ممكن، كما أنَّ مُثُلَ الحقِّ الكاملةَ تدلُّنا دوماً على الفضائلِ، وتحذِّرُنا من الرذائل، وتدلُّ البشريةُ على سبيلِ اتّباعِ الحقِّ ومقارعةِ الباطل. يقولُ الإمامُ عليٌّ (عليه السلامُ) بهذا الشأن: «الذّليلُ عِندِي عَزِيزٌ حَتّى آخُذَ الحَقَّ‏ لَهُ، وَالقَويُّ‏ عِندي ضَعِيفٌ حَتّى آخُذَ الحَقَّ‏ مِنه»[9].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص322، الخطبة 205.
[2] التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، ص345.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص182، الخطبة 125.
[4] المصدر نفسه، ص76، الخطبة 32.
[5] المصدر نفسه، ص150، الخطبة 104.
[6] المصدر نفسه، ص58، الخطبة 16. وص502، الحكمة 188.
[7] المصدر نفسه، ص466، الكتاب 79.
[8] المصدر نفسه، ص66، الخطبة 24.
[9] المصدر نفسه، ص81، الخطبة 37.

12-05-2022 عدد القراءات 36



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد



جديدنا