14 آب 2022 م الموافق لـ 16 محرم 1444 هـ
En FR

نور الأسبوع :: شعبان

أَدَبُ الحُضور



عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله): «لَا يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَسْجِدِ بِأَقَلَّ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ يُدْخِلُهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِمَّا دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ لِيَصْرِفَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ بَلَاءَ الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَخٍ يَسْتَفِيدُهُ فِي اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)»[1].

لقد جعلَ اللهُ منازلَ لعبادِهِ يأتونَ إليها في آناءِ الليلِ وأطرافِ النهارِ يناجونَهُ بها، وجعلها اللهُ مواطنَ لنزولِ رحمتِه، وهي المساجدُ، التي ورد الكثيرُ في فضلِ عمارتِها والتردُّدِ عليها، وورد أيضاً الأدبُ الخاصُّ في ذلك، ففي روايةِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «إِذَا بَلَغْتَ بَابَ الْمَسْجِدِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ قَصَدْتَ بَابَ مَلِكٍ عَظِيمٍ، لَا يَطَأُ بِسَاطَهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ لِمُجَالَسَتِهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ، فَهَبِ الْقَدُومَ إِلَى بِسَاطِ هَيْبَةِ الْمَلِكِ، فَإِنَّكَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، إِنْ غَفَلْتَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ مَعَكَ وَبِكَ»[2].

وفي شرحِ الإمامِ الخمينيِّ (قدّس سرُّه الشريف) لروايةِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام)، يقول: «وحيثُ إنّ هذا الكلامَ الشريفَ دستورٌ جامعٌ لأصحابِ المعرفةِ وأربابِ السلوكِ إلى الله، نقلتُهُ بتمامِهِ، فلعلّه يحصلُ حالٌ من التدبيرِ فيه، ومحصّلُ قولِه (عليه السلام) أنّه إذا وصلتَ إلى بابِ المسجدِ، فانتبِهْ إلى أيِّ بابٍ وصلت؟ وأيِّ جنابٍ قصدت؟ فاعلم أنّك وصلتَ إلى جنابِ السلطانِ العظيمِ الشأنِ الّذي لا يَضَعُ أحدٌ قدمَهُ على بساطٍ قويّةٍ إلّا إذا طَهُرَ وتطهَّرَ من جميعِ أرجاسِ عالَمِ الطبيعةِ والأرجاسِ الشيطانيّة، ولا يَصدُرُ الإذنُ لمجالستِهِ إلّا للّذين يُقدِمونَ عليهِ بالصدقِ والصفاءِ والخلوصِ مِن جميعِ أنواعِ الشركِ الظاهرِ والباطن، فاجعلْ عظمةَ الموقفِ، والهيبةَ والعزّةَ والجلالَ الإلهيَّ نَصبَ عينَيك، ثمّ ضَعْ قدمَكَ إلى جنابِ القُدْسِ وبساطِ الأنس، فإنّك واقعٌ في مخاطرةٍ عظيمة... فإنّك وردتَ إلى جنابِ القادرِ المطلَق، يُجري ما يشاءُ في مملكتِه، فإمّا أن يُعاملَك بالعدالةِ، ويُناقِشَ في الحسابِ، فيُطالِبَ بالصدقِ والإخلاص، وتُحجَبَ عن الجنابِ، وتُرَدَّ طاعتُكَ وإن كثرتْ، وإمّا أن يعطِفَ إليكَ طرفَه، ويَقبَلَ بفضلِهِ ورحمتِه طاعاتِكَ الّتي هي لا شيءَ ولا قيمةَ لها، ويُعطيَكَ ثوابَهُ العظيم». فإذا عرَفتَ الآنَ عظمةَ الموقف، فاعترفْ بعجزِكَ وتقصيرِكَ وفقرِكَ. وإذا توجّهتَ إلى عبادتِهِ، وقصدتَ المؤانَسةَ معه، ففرِّغْ قلبَكَ عن الاشتغالِ بالغيرِ الّذي يحجبُكَ عن جمالِ الجميل، وهذا الاشتغالُ بالغيرِ قذارةٌ وشرك، ولا يَقبلُ الحقُّ تعالى إلّا القلبَ الطاهرَ الخالص. وإذا وجدتَ في نفسِكَ حلاوةَ مناجاةِ الحقّ، وذُقتَ حلاوةَ ذكرِ الله، وشربتَ مِن كأسِ رحمتِهِ وكراماتِه، ورأيتَ حِسَّ إقبالِهِ وإجابتِهِ في نفسك، فاعلم أنّك صرتَ لائقاً لخدمتِهِ المقدَّسة، فادخُلْ، فإنّكَ مأذونٌ ومأمون. وإذا ما وجدتَ في نفسِكَ هذه الحالات، فقِفْ ببابِ رحمتِهِ كالمضطرِّ الّذي انقطعتْ عنهُ جميعُ العلاجات، وبَعُدَ عن الآمال، وقرُبَ إلى أَجَلِه. فإذا عرضْتَ ذلّتَكَ ومسكنَتِكَ، والتجأتَ إلى بابِه، ورأى سبحانه منكَ الصدقَ والصفاء، فسينظرُ إليكَ بعَينِ الرحمةِ والرأفة، ويؤيّدُكَ ويوفّقُكَ لتحصيلِ رضاه، فإنّه الذاتُ المقدَّسةُ، وإنّه الكريمُ، ويحبُّ الكرامةَ لعبادِهِ المضطرّين، كما يقول تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾[3]».

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص47.
[2] الإمام الصادق (عليه السلام) (منسوب)، مصباح الشريعة، ص130.
[3] سورة النمل، الآية 62.

24-03-2022 عدد القراءات 54



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد



جديدنا