القوة الناعمة ومفهوم الهيمنة الثقافية

عندما بحث المفكر الماركسي "أنطونيو غرامشي" (Antonio Gramsci) في العناصر المكونة لاستمرارية الرأسمالية، أشار إلى أهمية الثقافة البديلة،كسبيل يمكن اعتماده من أجل إنجاح الثورة الاشتراكية. و "غرامشي" الذي يعتبر من كبار منظري مفهوم "الهيمنة الثقافية" قد سعى من خلال استخدام هذا المفهوم كأداة في التفسير، إلى تفنيد معوقات انتشار الثورة الاشتراكية في أوروبا الغربية. وفي تحليلاته، يرى أن هيمنة الرأسمالية لا تنبني على القوة والمال والسلطة فحسب، بل على عامل القبول الذي تكونه ثقافة الطبقة الحاكمة في أذهان الناس. ويحاجج "غرامشي"، بأن حدوث التغير الاجتماعي، إنما يعتمد على ضرورة إنتاج ثقافة بديلة لدى الشرائح الاجتماعية المسحوقة، ثقافة تحمل قيم ومفاهيم وتقاليد الثورة، من أجل مقاومة الثقافة الرأسمالية المهيمنة على المجتمع. بمعنى أنه لحظ منذ زمن بعيد الدور المنشود لاستخدام منهجية الحرب الناعمة - وإن بعبارات أخرى - كحرب تسبق الأعمال العسكرية المتحركة، وأدرك أن هنالك حرباً ثقافية قائمة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي تتطلب استنهاض قنوات مختلفة، كوسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية والفكرية، بهدف إنتاج ثقافة بديلة مواجهة لثقافة الهيمنة النابعة من قيم وفلسفة الرأسمالية.

وقبل انهيار المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق أيضاً، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية كافة إمكاناتها الثقافية والإعلامية لتحقيق النظام العالمي الجديد والقطبية الأحادية، فانتهت الحرب الباردة، وخسر اليسار العالمي مواقعه المتقدمة، وبان الهدف الإستراتيجي الأساس


60


للولايات المتحدة، والمتمثل بقيام إمبراطورية أمريكية عالمية تحت عناوين جديدة، تستهدف قوى معارضة لنهج العولمة المضمر، زاعمة أن الصراع المستقبلي لا يعدو أن يكون صراعاً حضارياً. وقد تجلت فذلكة مفهوم الصراع القادم في كتابات ونظريات مفكرين أبرزهم "فرانسيس فوكوياما" (Francis Fukuyama)، و "صموئيل هنتنغتون" (Samuel Huntington)، اللذان رسما بطريقة ما البعد النظري - التبريري للمزاوجة ما بين مفهومي القوة الصلبة والقوة الناعمة، وأسسا بصورة غير مباشرة لمنهجية الهيمنة الثقافية، الأمر الذي يستدعي الوقوف على آثار بصماتهما الخفية. فما هي الأدوار الأيديولوجية التي رسمت من خلال هذين المفكرين ؟ وما صلة استقراءاتهم غير الأمينة إلى حد بعيد في فهم حركة التاريخ ؟ وما صلة ذلك بفكرة توطيد موقع الحروب الناعمة كإستراتيجية متطورة للتوسع الإمبريالي والهيمنة الثقافية ؟.

تسيدت مقولة "نهاية التاريخ" لمنتجها "فرانسيس فوكوياما" محافل الفكر السياسي الأمريكي لفترة ناهزت الخمس سنوات. ففي كتابه: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" (The End of History and The Last Man) الذي صدر في العام 1989، تلاقت طروحات المؤلف مع التوجهات الأيديولوجية للمحافظين الجدد، لجهة التنبؤ بانهيار الأنظمة الشمولية، وسائر الأنظمة الشيوعية والاشتراكية، والتنبؤ أيضاً، بانتصار النظام الليبرالي، كنظام سياسي - اقتصادي فريد في المستقبل.

عارض "فوكوياما" في كتابه نظرية "كارل ماركس" (Karl Marx) وفهمه المادي - التاريخي الذي اعتبر من خلاله أن نهاية الاضطهاد الإنساني مسألة


61


حتمية، وأن زوال الصراع الطبقي سيؤسس لعدالة إنسانية مقبلة. ووجد أن نهاية الاضطهاد ستكون على يد حالة استقرار نظام السوق الحرة في الديمقراطيات الغربية. أما لجهة الناحية التي تربط فكر "فوكوياما" بمفهوم "القوة الناعمة"، فتكمن في اقتناعه بضرورة أن تبقي الولايات المتحدة على جهوزيتها المستمرة لاستخدام القوة الصلبة في سبيل حماية ونشر الديمقراطية. ولكن، بالتوازي مع ما أطلق عليه نموذج ويلسن الواقعي، اعتبر "فوكوياما" أن استخدام القوة يفترض أن يكون آخر الخيارات التي يتم اللجوء إليها، ووجد أن إصلاح التعليم ودعم مشروعات التنمية، يمنحان سياسة الولايات المتحدة أبعاداً مشروعة من أجل نشر الديمقراطية.

وفي الفترة التي تخلى فيها "فوكوياما" عما كان قد طرحه من أفكار موالية للمحافظين الجدد في مقال نشرته المجلة التابعة لصحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times)، في العام 2006، نفى أن تكون الحرب العسكرية هي الإجابة الصحيحة عن الحرب على الإرهاب. وأضاف أن معركة كسب عقول وقلوب المسلمين حول العالم هي المعركة الحقيقية. أشار "فوكوياما" إلى ذلك وهو يدرك أن الحروب الصلبة التي شنتها الولايات المتحدة قد خلفت الكثير من الويلات، وأن هنالك صحوة قادمة ستغير من درجة تقبل "المايسترو" الأمريكي في العالم الإسلامي، وأن القوة العسكرية لم يعد بإمكانها أن تسحق شعوباً بكاملها مهما عظمت.

ما كتبه "فوكوياما" في العام 2006، إن دل، فإنه يدل على محاولة تنصله من جرائم المحافظين الجدد في العالم، ومن الأخطاء السياسية الفادحة - وفق فهمه - التي ارتكبت في عهد الرئيس الأمريكي "جورج بوش". وقد تبدى ذلك في


62


كتابه: "أميركا على مفترق الطرق" (America At the Crossroads). ففي فصول مؤلفه يبدي الكاتب قلقه من أسلوب تعاطي الإدارة الأمريكية مع الشرعة الدولية من خلال غزو العراق، وإن بنحو إصلاحي - تبريري، ملمحاً إلى أن أمريكا قد أضحت على مفترق طرق، أي إنه قد استشرف بشكل ما لا صلاحية المحافظين الجدد في قيادة السياسة الخارجية لأمريكا، ونادي بضرورة الانطلاق من مرحلة جديدة تقوم على فكرة المزاوجة ما بين القوتين: الصلبة والناعمة.
في دائرة التنظير لضرورة الحرب والتصادم الحضاري القادم، الذي يستوجب التحديث الدائم لأدوات القهر الامبريالية على المستويين: المباشر والرمزي، لمع نجم "صموئيل هنتنغتون" (Samuel Huntington) في نظريته "صدام الحضارات" (The Clash of Civilizations) في نهاية التسعينات أيضاً. ولعل الأسباب التي أدت إلى اتساع شهرة "هنتنغتون" لا تتعلق بالقيمة العلمية التي تحملها نظريته فحسب، بل بصلتها الوثيقة بنهج اليمين الأمريكي المتطرف. لذا، فإنها قد جاءت لتعبر عن السياسة "النيو - ليبرالية"، بعد أن أفلت مرحلة النتاج النظري لمؤلف "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" لفوكوياما.

عمد "هنتنغتون" في كتابه إلى تبرير نوع آخر من الحتمية، أي الحتمية الثقافية القائمة على الهيمنة، والمستندة إلى تصوير مشهد الصراع القادم بعد انهيار الشيوعية، على أنه صراع خطير حاضراً ومستقبلاً، ويتطلب بالتالي من سادة الحضارة الغربية صراحةً أخذ الحيطة والاستعداد للدفاع عن النموذج الحضاري الأمريكي الليبرالي. وفي نظريته يطرح فكرةً مؤداها، أن مشهد الصراع القادم لن يكون أيديولوجياً أو اقتصادياً، بقدر ما أنه سيكون حضارياً -


63


ثقافياً، لافتاً إلى أن الصراعات السياسية الدولية المرشحة للنشوب ستحدث بين حضارات ستتنازع من أجل السيطرة على العالم، وستكون بين ثلاث حضارات رئيسة هي: الحضارة الإسلامية، الحضارة الصينية، والحضارة الغربية. ولفت المؤلف إلى أن هذه الصراعات ستحل محل الصراعات الأيديولوجية.

يفصح كتاب "صدام الحضارات" عن منطلقات أيديولوجية تبرر مبدأ صراع الحضارات بدلاً من مبدأ الحوار فيما بينها. ويعزز بشكل غير مباشر، ومن زاوية إستراتيجية، مبدأ سباق التسلح وتطوير القوة العسكرية الأمريكية إلى ما لا نهاية، بدلاً من العمل على بناء السلام العالمي المبني على حوار الحضارات وتفاعلها.

وبناءً على ما سبق ذكره، يُلاحَظ أن نظرية "هنتنغتون" تميل إلى إظهار انتقائية فاضحة في تصنيف الحضارات. فتارةً يستبعد الكاتب حضارات معينة، وتارةً ينمق أخرى في أسلوب يخفي التمايز الحضاري الأورو - أمريكي. وبرأيه، فإن "الحضارة الكونية ستقوم على عاتق معتقدات وقيم يحملها العديد من الناس الذين يعيشون في كنف الحضارة الغربية، إضافة إلى بعض الذين ينتمون إلى حضارات أخرى". و "هنتنغتون" لا يتطرق بالطبع في مؤلفه إلى ما جنته الحضارة الغربية من كوارث، ولا يشير إلى أي نقد بنيوي لطبيعة الدور الامبريالي، أو إلى الأنساق الاستعمارية المغلفة التي تجتاح البلدان الضعيفة، وهو لا يكف عن تأكيد الصراع الحضاري المتأجج بقوله: "أنه في العصور المقبلة سيشكل صدام الحضارات التهديد الأعظم للسلام العالمي"1، نافياً بذلك مقولات الصراع الأخرى، ذات البعد المجتمعي - الطبقي.


64


في ضوء العرض المقتضب للبعد الأيديولوجي لمقولة صراع الحضارات، تتبدى جملة من التساؤلات حول شكل ومستقبل الصراعات الدولية القادمة. وبصورة خاصة، حول ما طرحته الولايات المتحدة من أفكار مطمئنة بعيد الحرب الباردة، وما نسجته من ترويج لعصر العولمة الواعد بتحقيق الرخاء والتقدم وإزالة الفروق بين بني الإنسان. فالعولمة المزعومة لم تحقق أي شكل من أشكال العدالة الدولية، بقدر ما عملت على تفريغ الثقافات العالمية من محتواها الحقيقي. كما وأن العولمة لم تنهِ التاريخ، وما الحديث عن موت التاريخ إلا حديث مؤدلج "يشتغل انطلاقاً من مرامٍ تتستر بوجهة نظر، هدفها في الباطن تكريس الهيمنة الثقافية على الحضارات غير الغربية. وما لا شك فيه أن "هنتنغتون" قد صاغ نظريته بدرجة وفاء عالية للنهج الأمريكي الذي كان بأمس الحاجة لمبررات نظرية تمكنه من إحكام السيطرة على الشعوب المستضعفة.


65


هوامش

1- The Clash of Civilizations, Samuel Huntington, Books-A-million -1, 1997 p. 57