الدرس السادس عشر: ولاية الحضانة على الطفل

أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يُعرِّف الحضانة لغة واصطلاحاً.
2- يعرض أسباب جعل ولاية الحضانة على الطفل للأم.
3- يبيّن أهمّية التوافق بين الأبوين في حضانة الطفل.
4- يعرف حكم الحضانة وشروطها.


249


تمهيد
إنّ من مميّزات طبيعة الطفل خصوصاً المولود حديثاً الضعف والنقص والحاجة والفقر، بنحو لا يُمكنه رفعها عن نفسه بقدرته وإرادته على ما اقتضته الحكمة الإلهية، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "... لو كان - المولود - يولد تام العقلمستقلّاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبرّ، والعطف عليهم، عند حاجتهم إلى ذلك منهم، ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولايألف الآباء أبناءهم، لأنّ الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم، فيتفرّقون عنهم حين يولدون، فلا يعرف الرجل أباه وأمّه..."1. لذا يحتاج الطفل في هذه المرحلة الأولى من حياته إلى من يُظلّله ويجهد في تلبية احتياجاته والانتقال به من النقص إلى الكمال. ومن أهمّ احتياجات الطفل المولود حديثاً تغذيته وإطعامه، وإلباسه ولفّه في ثيابه، وتنظيفه وغسله، وغسل ثيابه، وحمله، ووضعه في سريره، والهزّ له لينام، وتمريضه وإعطاؤه الدواء... إلى غيرهما من الحاجات التي تتعلّق بالتربية البدنية للطفل عند الولادة وبعدها. وقد أطلق على هذا النوع من التربية للطفل اصطلاح الحضانة. لذا يُعتبر البحث عن حضانة الطفل من الأبحاث المهمّة المتعلّقة بالمرحلة الأولى للطفولة، والبحث عنها - على رأي مشهور الفقهاء - يُصنّف ضمن متفرّعات البحث عن الولاية التربوية على الطفل التي تقدّم الحديث عنها في الدرس12، ولهذا ألحقناه هنا، مع كون حقّه التأخير حسب تقسيم المراحل العمرية المتقدّمة.

فما هو حقّ الحضانة؟ ولمن أُعطي هذا الحقّ؟


251


الحضانة في اللغة
الحضانة لغةً من الحِضْن، وأصله إمّا بمعنى "حفظ الشيء وصيانته"2, وإمّا بمعنى ما دون الإبط إلى الكشح3. واحتضنت المرأة طفلها أي ضمّته إلى نفسها وحملته في حضنها.

وحَضَنَ الطفل: ربّاه. وحاضنة الطفل التي تقوم عليه في حفظه وتربيته4. قال الفراهيدي: "الحضانة: مصدر الحاضنة والحاضن، وهما اللذان يُربّيان الصبي"5.

فالحضانة في اللغة العربية من عناصر الشبكة المعنائية للتربية كما تقدّم.

الحضانة في الاصطلاح الشرعيّ

عرّفت الحضانة بالاصطلاح الشرعيّ بتعريفات متعدّدة لفظاً ترجع في المعنى إلى روح واحدة.

قال العلّامة الحلّي في تعريفها: "الحضانة: تربية الصبيّ وحفظه، وجعله في سريره، وأخذه منه، وكحله، ودهنه، وتنظيفه، وغسل خرقه وثيابه، وأشباه ذلك، واشتقاقها من الحضن، وهو ما تحت الإبط تشبيهاً بحضانة الطير للفراخ والبيض"6.

وقال الشهيد الثاني: "هي ولاية على الطفل والمجنون لفائدة تربيته، وما يتعلّق بها من مصلحته، من حفظه، وجعله في سريره، ورفعه، وكحله، ودهنه، وتنظيفه، وغسل خرقه وثيابه، ونحوه"7.

وقال السيّد محمد العاملي: "ولاية على الطفل لتربيته وما يتعلّق بها"8.

يتّضح من هذه التعاريف أنّ الحضانة هي تربية للطفل، ولكن ليس أيّ تربية، بل خصوص


252


التربية المتعلّقة بجانب الاحتياجات البدنية التي تتطلّبها المرحلة العمرية الأولى من حياة الطفل.

ويتّضح من التعريفين الأخيرين، وجود علاقة بين الحضانة والولاية التربوية، فالحضانة نحو من الولاية التربوية على الطفل.

الطبيعة الأنثوية العاطفية وولاية الحضانة

اعتبر الفقه التربويّ الإسلاميّ أنّ الأم هي محور حضانة الطفل، حيث أُسندت إليها مهمّة التربية البدنية للطفل. والحكمة الإلهية في ذلك أنّ حضانة الأمومة للطفل على مقتضى قانون الطبيعة العام9، حيث نرى مثلاً أنّ أنثى الطير تحضن البيض بضمّه إلى نفسها تحت جناحها، لذا اعتبر الجوهريّ أنّ المدلول اللغويّ للحضانة مأخوذ من الحضن بهذا المعنى كما ألمحنا10، وكذلك الأمر في باقي أنواع الحيوانات، حيث غرست يد الله تعالى في قلب الأم/ الأنثى صفات فطرية وجدانية - عاطفية كالحبّ والحنان والشفقة والرأفة والرحمة والقدرة على الصبر والتحمّل التي تجعل طبيعتها أكثر أهلية وقابلية من الذكر/ الأب للقيام بوظيفة احتضان الطفل ورعايته وحفظه وصيانته والاهتمام بشؤونه وتأمين احتياجاته المذكورة وتحمّل كلّ المتاعب والصعاب ببسمة ورحابة صدر في سبيل ذلك11، فالحضانة أولاً حقّ طبيعيّ فطريّ للأم.

وقد أنزل الله تعالى الدين الإسلاميّ مطابقاً لمقتضى الفطرة الإنسانية12، لذا ستكون أحكامه التشريعية متناغمة مع ما جهّزت به طبيعة المرأة بالتكوين، يقول العلّامة الطباطبائي: "إنّ التكليف الإلهي يتبع بحسب طبعه الفطرة التي فطر الناس عليها، ومن المعلوم أنّ الفطرة التي هي نوع الخلقة لا تدعو إلا إلى ما جهّزت به، وفي ذلك سعادة الحياة البتة"13. وبناءً عليه أوكلت وظيفة ولاية التربية الحضانية للطفل إلى الأم، يقول الشهيد


253


الثاني في هذا السياق: "وهي - أي الحضانة - بالأنثى أليق منها بالرجل لمزيد شفقتها وخلقها المعدّ لذلك بالأصل"14.

ويقول السيد محمد جواد العاملي: "... قدّمت الأُمّ على الأب في الحضانة، فإنّما ذلك لمكان زيادة الرقّة والشفقة"15.

وانطلاقاً من هذه النقطة عرّف المقداد السيوري الحضانة شرعاً بأنّها: "ولاية وسلطنة تستحقّها الأم مدّة معلومة"16. فالولاية التربوية الحضانية للطفل في المرحلة المبكرة تتمحور حول الأم، فهي الأحقّ بطفلها ولها الأولوية في مجال التربية البدنية له في السنتين الأولتين بالاتفاق، وبذلك يجتمع لها حقّان: حقّ الرضاع وحقّ الحضانة - بناءً على كونهما حقّين لا حقّاً واحداً - 17.

التمييز في الحضانة ما بين الفعل التربويّ والنفقة الاقتصادية
إنّ البحث عن حقّ الأم في حضانة الطفل من الناحية المادّية يقتصر على مجموع الأفعال التي تقوم بها الأم كمربّية وحاضنة للطفل، كإطعامه، وإلباسه، وغسله، وتنظيفه... إلخ، أمّا تحمّل التكاليف الاقتصادية لهذه الأفعال فهو على عاتق الأب، وخروج ولاية الحضانة عن دائرته لا يسقط الواجب الاقتصاديّ الأبويّ عنه بحقّ الطفل لجهة تأمين احتياجاته كافّة، فثمن الطعام واللباس والشامبو والحفاضات والدواء والسرير و... إلخ، كل ذلك من الموازنة المالية للأب في النفقة داخل الأسرة، ولا يجب على الأم قانونياً أن تدفع من مالها الخاص ثمن أيّ حاجة من حاجات الطفل، إلا إنْ تبرّعت بذلك عن طيب نفس، وعادة ما يحصل هذا انطلاقاً من شعورها بالأمومة والحبّ لأولادها، وباختصار ما هو حقّ للأم في الحضانة القيام بالأفعال التربوية البدنية تجاه الطفل دون تحمّل أي أعباء اقتصادية في هذا المجال.


254


قال الشهيد الثاني: "لو احتاج الطفل إلى نفقة زائدة على الرضاع والحضانة فهي على الأب الموسر أو مال الولد إن كان له مال كأجرة الرضاع، ومنها ثمن الصابون لغسل ثيابه وخرقه، دون نفس الفعل فإنّه على الأم، لأنّه من متعلّقات الحضانة"18.

عموم ولاية الأب وحقّ الحضانة

تقدّم في الدرس الثالث عشر أنّ وليّ الطفل بمعنى من له حقّ التصرّف في شؤونه وتدبير أموره هو الأب لا الأم، وبناءً عليه قد يطرح السؤال التّالي: كيف يجتمع عموم الولاية الأبوية مع حقّ الأم وأولويّتها في حضانة طفلها؟

والجواب عن هذا السؤال يقع في ثلاث نقاط:

أولاً: إنّ خروج الحضانة عن عموم دائرة الولاية الأبوية على الطفل هو تخصيص لها19، والاستثناء من القواعد التشريعية العامّة يُعتبر أمراً عقلائياً في التقنين، فما من عام إلّا وقد خصّ. يقول ابن إدريس الحلّي في سياق بحثه عن الحضانة: "لا خلاف أنّ الأب أحقّ بالولد في جميع الأحوال، وهو الوالي عليه والقيّم بأمره، فأخرجنا بالإجماع الحولين في الذكر وفي الأنثى السبع سنين..."20.

ثانياً: إنّ بعض الفقهاء - كالشيخ الجواهري كما سيأتي - ذهب إلى أنّ الحضانة ليست نوعاً من الولاية حتى يأتي الإشكال، بل هي عبارة عن أحقّية الأم على غيرها في القيام بالأفعال المذكورة سابقاً فيما يتعلّق بالتربية البدنية للطفل.

وثالثاً: لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار، أنّ منح حقّ الحضانة للأم في الأفعال التربوية البدنية للطفل لا يسري إلى باقي شؤون حياته، بل تبقى الولاية فيما هو خارج دائرة الحضانة من حقوق الأب على نفس ومال الطفل...21.


255


التوافق التربويّ في ولاية الحضانة
إنّ البحث عن ولاية الحضانة على الطفل يقع في صورتين:
الأولى: اجتماع الزوجين في بيت الأسرة تحت سقف واحد.
الثانية: افتراق الزوجين بالطلاق.

وما ينبغي أن يُقال من الناحية التربوية - وقبل البحث من الزاوية الفقهية المحضة عن الموضوع - هو التأكيد على أنّ التربية بمختلف جوانبها ينبغي أن تكون توافقية بين الأم والأب مهما أمكن، سواء استمرّت حياتهما معاً أم افترقا، لأنّ التوافق التربويّ بين الوالدين ينعكس إيجاباً على هوية الطفل، بحيث لا يشعر بالتناقضات نتيجة النزاع والاختلاف الحادّ في وجهات النظر، ولا يعيش حالة من القلق والاضطراب وفقدان التوازن في الشخصية ممّا يؤثّر سلباً عليه تربوياً.

وهذه المسألة تُحيلنا إلى الحديث عن العلاقة بين القانون والأخلاق - التي سيأتي بحثها في درس حقّ الطفل في الرضاعة الطبيعية22 -، فانطلاقاً من قضية المواءمة بين القانون والأخلاق، ينبغي للزوجين أن لا يتحاكما في الولاية التربوية على ضوء العقلية الهندسية القانونية، بل على ضوء روح القيم الأخلاقية والعواطف الإنسانية.

وبناءً عليه، سواء استمرّت حياة الزوجين تحت سقف واحد، أو انفصلا بالطلاق، فإنّ التوافق أولى من التنازع، وفضّ التنازع بالتصالح أولى من اللجوء إلى المحاكمة القانونية، خصوصاً أنّ طلاق الزوجين لا يُسقط المسؤوليات التربوية المشتركة عن عاتقهما، بمعنى لزوم تهيئة البيئة الإيجابية الحاضنة لنموّ الطفل نموّاً صالحاً خالياً من الاضطرابات والصراعات وأجواء التشنّج والحقد والتعبئة بالكراهية... إلخ، فالطلاق ينبغي أن لا يُفسد على الأبناء حقّ العيش حياة طيبة تشعّ فيها كيمياء السعادة وأريج التوافق بين أبيهم وأمّهم، وعلى الوالدين أن يعيشا حالة التغافل عن شؤونهما الشخصية والتضحية لمصلحة الأطفال، لا أن يسأل كلّ واحد منهما: ماذا أوجب أو حرّم عليّ الفقه الإسلاميّ في هذا المجال ونقطة على آخر السطر.


256


وفي نفس هذا المجال، على الأبوين حال الطلاق أن لا يمنع أحدهما الآخر من الاجتماع بالطفل والتواصل معه وزيارته أو الإقامة معه فترة معيّنة انطلاقاً من مصلحة الطفل ومراعاة للآداب الأخلاقية والعواطف الإنسانية، بل حتّى قانونياً هذا هو الشأن نسبيّاً، حيث لا يجوز للأم منع أب الطفل من رؤيته في أيّ وقت شاء، وكذا العكس، فـ "إذا انتقلت الحضانة إلى الأب إمّا لتزويج الأم أو لانقضاء المدّة لم يمنع من الاجتماع بأمّه، فالذكر يذهب إلى أمّه والبنت تأتي أمّها... وكذا لو مرض الولد لم تمنع الأم من مراعاته وتمريضه، وإن مرضت هي لم يمنع ولدها من التردّد إليها ذكراً كان أو أنثى"23.

يقول الشيخ الجواهري: "ينبغي أن لا يمنع الولد من زيارتها والاجتماع معها، كما لا تمنع هي من زيارته والاجتماع معه، لما في ذلك من قطع الرحم والمضارّة بها..."24.

وعلى كلّ حال، سنُسلّط الضوء على المعالجة الفقهية لمسألة الحضانة في عدّة نقاط.

النقطة الأولى: هل حقّ الحضانة اختصاصيّ أم اشتراكيّ؟

وقع البحث بين الفقهاء، في أنّ حقّ الولاية للأم حال الزواج في الحضانة والأمور الراجعة إليها، هل هو اختصاصيّ بمعنى أنّه يحقّ لها قانوناً أن تتفرّد بولاية الحضانة بنحو لا يكون للأب أيّ نصيب في التدخّل، ويكون رأيها وقرارها هو المرضيّ والممضيّ في هذا الشأن حتّى لو تعارض مع رأي الزوج/ الأب، وليس له أن يُزاحمها في حقّها هذا، أم أنّ حقّ الحضانة للأم ينبغي أن تُمارسه بالشراكة مع الأب، بمعنى أنّ نظره دخيل أيضاً وولايته باقية، فالولاية بينهما بالاشتراك؟

يُصرّح العديد من الفقهاء بتبنّي الرأي القائل بأنّ حقّ ولاية الحضانة للأم المتزوّجة (بآخر غير الأب) هو بالاشتراك بينها وبين الأب، و"معنى ذلك، أنّه لا بدّ من توافقهما واجتماع نظريهما، ولا يمضي تصرّف أحدهما إلَّا برضا الآخر... (و) معنى كونه بينهما بالمساواة أنّه لا يُقدّم قول أحدهما عند المعارضة، بل يسوّي بينهما"25.


257


ويقول المقداد السيوري: "فمع اجتماع الزوجين لا كلام في كون الولد بينهما بحيث يقوم كلٌّ منهما بما يجب عليه في تربيته"26.

وقد ادّعى بعض الفقهاء الإجماع على ذلك في السنتين الأولتين، قال ابن فهد الحلّي: "وقع الإجماع على اشتراك الحضانة بين الأبوين مدّة الحولين"27. وإن كان في الحقيقة دعواه الإجماع ليست في محلّها كما عبّر السيد محمد العاملي28. إذ يوجد رأي فقهيّ آخر، يرى أنّ حقّ الأم في الحضانة اختصاصيّ لا اشتراكيّ.

وعلى كلّ حال، سواء أكانت الحضانة من حقّ الأم منفردة قانونياً، أم من حقّ الأم بالاشتراك مع الأب، فإنّه من الأفضل من الناحية التربوية والأخلاقية والعاطفية كما أشرنا أن يتشارك الوالدان ويتوافقا في ولاية الحضانة على الطفل، فلا يستبدّ كلّ من الأم أو الأب برأيه في هذا المجال في فترة ولايته، فإنّ ذلك سيترك أثراً سلبياً على مجمل الحياة الأسرية عموماً وعلى حياة الطفل بشكل خاصّ.

المدّة الزمنية لولاية الحضانة
إنّ ولاية الحضانة لها أمد خاصّ تقف عنده، فلا شكّ في أنّها تسقط بعد بلوغ الطفل لأنّه لا ولاية لأحد عليه كما تقدّم في الدرس السابق، ويكون له الخيار في الانضمام إلى أيٍّ من الوالدين، كما أنّه لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الأم لها ولاية التربية الحضانية مدّة الرضاع أي السنتين الأولتين من عمر الطفل سواء أكان ذكراً أم أنثى.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "الأم أحقّ بحضانة الولد وتربيته وما يتعلّق بها من مصلحة حفظه مدّة الرضاع أي الحولين إذا كانت حرّة مسلمة عاقلة، ذكراً كان أو أنثى، سواء أرضعته هي بنفسها أو بغيرها، فلا يجوز للأب أن يأخذه في هذه المدّة منها وإن فطمته"29.

إذاً ينحصر النقاش حول المدّة الزمنية لولاية الحضانة ما بعد السنتين ودون سنّ البلوغ، فإلى أيّ وقت تمتد ولاية الحضانة للأم على الطفل؟


258


في الجواب عن هذا السؤال طرح الفقهاء عدّة آراء30، نعرضها ضمن الفقرة التالية بشكل مختصر31:

الرأي الأول: أنّ الأم أحقّ بالطفل والطفلة إلى سبع سنين32.

الرأي الثاني: ذهب إليه الشيخ الصدوق33، أن الأم أحقّ بالطفل والطفلة إلى أن تتزوّج الأم34.

الرأي الثالث:
الأم أحقّ بالطفل إلى سنتين والطفلة إلى سبع سنين، كما تقدّم في قول ابن إدريس الحلّي.

الرأي الرابع:
الأم أحقّ بالطفل إلى سنتين والطفلة إلى تسع سنين - رأي الشيخ المفيد -.

الرأي الخامس:
الأم أحقّ بالطفل إلى سبع سنين، وأحقّ بالطفلة ما لم تتزوّج الأم35.

الرأي السادس:
الأم أحقّ بالطفل والطفلة إلى سنتين هي مدّة الرضاع.

شروط الحضانة
36
اشترط الفقهاء توفّر صفات خاصة في الأم -وعدّاها بعضهم إلى الأب أيضاً37 - من أجل أن تثبت لهما ولاية الحضانة، وهذه الشروط مهمّة من الناحية التربوية بغضّ النظر عن الجنبة الفقهية المحضة:
1- الإسلام، حيث تقدّم أنّ الحضانة نحو من الولاية، والمرأة غير المسلمة لا ولاية تربوية لها على الطفل المسلم بإسلام أبيه. كما أنّ إعطاء حقّ حضانة الطفل لها


259


سيؤثّر تربوياً على الطفل، لأنّ دين أمّه وبيئتها الاجتماعية ستنعكس على شخصية الطفل، كما ورد في الحديث من أنّ "أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه"38...

يقول الشهيد الثاني: "فالكافرة لا حضانة لها على الولد المسلم بإسلام أبيه، لأنّه لا حظّ له في تربية الكافرة، لأنّها تفتنه عن دينه، وهو ينشأ على ما يألفه منها، ولأنّه لا ولاية للكافر على المسلم للآية39"40.

وقال الجواهري: "لا حضانة للكافرة مع الأب المسلم لكون الولد حينئذ مسلماً بإسلام أبيه، ولم يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، بناءً على أنّها ولاية، بل وإنْ قلنا: إنّها أحقّية، فإنّ "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه"41، والمسلم أحقّ من الكافر الذي يخشى على عقيدة الولد ببقائه عنده ونموّه على أخلاقه وملكاته"42.

2- العقل، بمعنى أن تكون الأم عاقلة، فلا حضانة للمجنونة - تقدّم شرح معنى الجنون في الدرس السابق -، لأنّ المجنون لا يتأتّى منه الحفظ والتعهّد بل هو في نفسه محتاج إلى من يحضنه، فلا يُعقل أن يكون حاضناً لغيره.

3- الصحة البدنية، أي أن لا تكون الأم مريضة مرضاً معدياً للطفل، فهذا يستلزم سقوط حضانتها بذلك تحرّزاً من تعدّي الضرر إلى الولد، وأيضاً يُشترط أن لا تكون الأم مريضة مرضاً مزمناً مانعاً لها عن الاشتغال بتربية الطفل وتدبير أمره. وقد أنكر بعض الفقهاء هذا الشرط، لأنّه لا يشترط في ولاية الحضانة مباشرة الأم بالتربية، فيمكن التوصّل إلى مقتضى الولاية بالاستنابة، لأنّه يجوز لمن له حقّ الحضانة من الأبوين إيكالها إلى شخص آخر، وحينها لا تسقط ولاية الحضانة للأم على الطفل43.


260


4- الأمانة، وذلك حرصاً على عدم الإهمال أو التقصير في تربية الطفل وحفظ أموره وتدبير شؤونه، فلا حضانة لمن لا أمانة لها.

5- العدالة وعدم الفسق، قال الشهيد الثاني: "لا حضانة للفاسقة، لأنّ الفاسق لا يلي، ولأنّها لا تؤمن أن تخون في حفظه، ولأنّه لا حظّ له - أي الطفل - في حضانتها، لأنّه ينشأ على طريقتها، فنفس الولد كالأرض الخالية ما أُلقي فيها من شيء قبلته44"45.

وقد ناقش بعض الفقهاء في بعض هذه الشروط46، في حين أنّ بعضهم الآخر قد نفاها، معتبراً أنّ المعيار هو مصلحة الطفل وعدم إلحاق الضرر به. لذا قال الشيخ الجواهري: "والجميع (أي الشروط) كما ترى تهجس لا يجوز الخروج به عن إطلاق الأدلة"47.


261


المفاهيم الرئيسة

- الحضانة لغة بمعنى التربية والحفظ والصيانة، واصطلاحاً هي عبارة عن تلبية الاحتياجات البدنية للطفل من إلباسه ولفّه في ثيابه، وتنظيفه، وغسل ثيابه، وحمله، ووضعه في سريره،
والهزّ له لينام، وتمريضه وإعطائه الدواء...

- اعتبر الفقه التربويّ الإسلاميّ أنّ الأم هي محور حضانة الطفل، لأنّ يد الله تعالى غرست في قلب الأم / الأنثى صفات فطرية وجدانية -عاطفية كالحب والحنان والشفقة والرأفة والرحمة والقدرة على الصبر والتحمّل التي تجعل طبيعتها أكثر أهلية وقابلية من الذكر/ الأب للقيام بوظيفة احتضان الطفل ورعايته وحفظه وصيانته.

- إنّ حضانة الأم للطفل تقتصر على مجموع الأفعال التي تقوم بها الأم كمربّية وحاضنة للطفل، كإطعامه، وإلباسه، وغسله، وتنظيفه... إلخ، أمّا تحمّل التكاليف الاقتصادية لهذه الأفعال فهو على عاتق الأب.

- ينبغي من الناحية التربوية والأخلاقية أن تكون الحضانة توافقية بين الأب والأم، لأنّ التوافق التربوي بينهما ينعكس إيجاباً على شخصية الطفل.

- هناك عدّة آراء حول السقف الزمنيّ لولاية حضانة الأم على الطفل، ولكن موضع الاتّفاق هو أنّ الأم أحقّ بحضانة الولد وتربيته وما يتعلّق بها من مصلحة حفظه لمدّة سنتين سواء أكان ذكراً أم أنثى، وذهب مشهور الفقهاء إلى أنّه بعد السبع سنين، الأب أحقّ بالطفل الذكر، وذهب مشهور الفقهاء إلى أنّ الأم أحقّ بالبنت إلى سبع سنين.

- اشترط بعض الفقهاء توفّر صفات خاصة في الأم من أجل أن تثبت لها ولاية الحضانة، وهذه الشروط مهمّة من الناحية التربوية، وهي: إسلام الأم، فالكافرة لا ولاية لها على الطفل المسلم، العقل فلا حضانة للمجنونة، الصحّة البدنية بأن لا تكون الأم مريضة مرضاً معدياً أو مضرّاً بالطفل، الأمانة وعدم الإهمال أو التقصير في تربية الطفل.

أسئلة الدرس

1- لماذا جعل الله تعالى حقّ ولاية الحضانة التربوية على الطفل للأم وليس للأب؟

2- هل حضانة الأم لطفلها يعني أن تقوم هي بتغطية التكاليف المالية التي يحتاجها الطفل من موازنتها الخاصة؟

3- ذكرنا سابقاً أنّ الأب له عموم الولاية التربوية على الطفل، فكيف يمكن الجمع بين عموم الولاية التربوية للأب على الطفل وبين منح حقّ ولاية الحضانة للأم؟

4- اذكر ثلاثة آراء للفقهاء حول المدّة الزمنية لحقّ الحضانة الممنوح للأم.

5- ما هي المواصفات التي اعتبرها بعض الفقهاء شروطاً لكي تثبت للأم ولاية الحضانة على طفلها؟

6- هل حقّ الأم في حضانة أطفالها يقبل التنازل عنه أم أنّه حكم واجب بحقّها؟

7- هل الأفضل أن تكون ممارسة حقّ الحضانة لكلٍّ من الأب أو الأم في فترة حضانته بالتوافق التربوي أم بالاختلاف؟

هوامش

1- الجعفي، المفضل بن عمر، التوحيد، ص15-16.
2- معجم مقاييس اللغة، ج2، ص73.
3- الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفي. العين، ج3، ص57.
4- الصحاح، ج5، ص2101. ولسان العرب، ج13، ص122.
5- العين، ج3، ص105.
6- تحرير الأحكام، ج3، ص93.
7- الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج5، ص458. ويراجع: السبزواري، محمد باقر، كفاية الفقه المعروف بكفاية الأحكام-، ج2، ص292. والبحراني، يوسف، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، ج25، ص83. آل عصفور، حسين، الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع، ج10، ص334. الطباطبائي، علي، رياض المسائل، ج10، ص514.
8- نهاية المرام، ج1، ص460.
9- يراجع: مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، ج25، ص276.
10- الصحاح، ج5، ص2101.
11- الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج5، ص461.
12- يراجع: الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص389. وج2، ص274. وج7، ص247. وج9، ص241. وج16، ص178 وما بعد.
13- المصدر نفسه، ج6، ص293.
14- مسالك الأفهام، ج8، ص421.
15- مفتاح الكرامة، ج17، ص508.
16- السيوري، مقداد بن عبد الله، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، ج3، ص271.
17- وتظهر الثمرة في ما إذا أسقطت حقّ إرضاعها فعلى الأوّل حقّ حضانتها باق بحاله، وعلى الثاني لا حقّ لها أصلاً، وفي المسألة قولان: أحدهما للمحقّق في الشرائع وهو الثاني، والآخر حكي عن ابن إدريس وهو الأوّل. يراجع: الآراكي، محمد علي، كتاب النكاح، ص769-785.
18- مسالك الأفهام، ج8، ص421.
19- يراجع: جواهر الكلام، ج31، ص293.
20- السرائر، ج2، ص653.
21- يراجع: فياض، حسن، منتخب الأحكام المطابقة لفتاوى السيد علي الحسيني الخامنئي، ص248.
22- يراجع: عجمي، سامر، حياتنا الجنسية كيف نعيشها، الباب الثالث، الفصل الأول، ص249 وما بعد.
23- التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، ج3، ص274.
24- جواهر الكلام، ج31، ص292.
25- الآراكي، محمد علي، كتاب النكاح، ص771.
26- التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، ج3، ص271.
27- ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد بن فهد، المهذب البارع في شرح المختصر النافع، ج3، ص426.
28- يراجع: نهاية المرام، ج1، ص466.
29- تحرير الوسيلة، ج2، ص312.
30- يراجع حول هذه الآراء: المبسوط، ج6، ص39. والمهذب البارع، ج3، ص427.
31- هناك تفصيلات فقهية عديدة حول مسألة الحضانة تراجع فيها الكتب المتخصصة في ذلك.
32- يراجع: من لا يحضره الفقيه، ج3، ص436.
33- المقنع، ص360.
34- يراجع: من لا يحضره الفقيه، ج3، ص436.
35- الطوسي، محمد بن الحسن، الخلاف، ج5، ص131.
36- يراجع حول شروط الحضانة: مسالك الأفهام، ج8، ص 422 وما بعد. ورياض المسائل، ج10، ص523 وما بعد. وجواهر الكلام، ج31، ص287 وما بعد.
37- يراجع: رياض المسائل، ج10، ص523.
38- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه". صحيح البخاري، ج7، ص211. وابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، ج2، ص315. ومن لا يحضره الفقيه، ج2، ص49، ح1668.
39- قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً سورة النساء، الآية 141.
40- مسالك الأفهام، ج8، ص 422.
41- من لا يحضره الفقيه، ج4، ص334. الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
42- جواهر الكلام، ج31، ص287.
43- في هذا الشرط يظهر أثر رأي الشيخ الجواهري بأن الحضانة ليست ولاية بل حق للأم، وبناء عليه مع عدم قدرتها على أداء هذا الحق لا ينوب غيرها عنها، بل تكون الولاية والخيار بيد الأب في توكيل من يراه مناسباً لحضانة طفله.
44- إشارة إلى ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته". نهج البلاغة، من وصية له لولده الحسن كتبه إليه بحاضرين منصرفاً من صفين، رقم269، ص526.
45- مسالك الأفهام، المصدر السابق.
46- الحدائق، ج25، ص93.
47- جواهر الكلام، ج31، ص289.
 
     
السابق الصفحة الرئيسة التالي