الدرس الثاني و العشرون : إعجاز القرآن الكريم

تمهيد:

لقد تقدّمت الإشارة في الدرس السابق إلى أنّ القرآن الكريم كلام إلهيّ معجز، فهو يملك كلّ خصائص المعجزة (من كونه خارقاً إلهيّاً للعادة، وأنّه لا يقبل التّقليد والمعارضة، وطرحه دليلاً على صحة النّبوّة). ومن هنا فهو أفضل دليل قاطع على صدق دعوى النّبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أنّ الدّين الإسلامي المقدّس على حقّ، وأنّ من أكبر النّعم الإلهيّة على الأمّة الإسلاميّة أن يكون هذا الكتاب الشّريف قد نزل بصورة يبقى معها ـ وإلى الأبد ـ معجزة خالدة، وأن يملك في داخله الدّليل على صدقه وصحَّته واعتباره. هذا الدّليل الّذي يمكن لأيّ فرد فهمه واستيعابه وتقبّله دون احتياجه لتعلّم وتخصّص.

عناصر الإعجاز في القرآن الكريم

بعد المعرفة الإجماليّة بأنّ القرآن الكريم كلام إلهيّ معجز، وصل الدّور لتوضيح بعض عناصر الإعجاز القرآنيّة.

أ ـ فصاحة القرآن وبلاغته: إنّ أوّل عنصر من عناصر الإعجاز في القرآن الكريم هو فصاحته وبلاغته، أي: أنّه تعالى استخدم لعرض مقاصده وفي كلّ


189


موضوع أعذب الألفاظ وأجملها، وأجود التّراكيب سبكاً واعتدالاً وإتقاناً ووقعاً، ومن خلال ذلك يوصل المعاني المقصودة للمخاطبين بأفضل الأساليب وأقربها للفهم، لا يتيسّر اختيار أمثال هذه الألفاظ والتّراكيب المتناسقة الملائمة للمعاني العالية والدّقيقة، إلّا لمن كانت له إحاطة تامّة بكلّ خصوصيّات الألفاظ ودقائق المعاني، والعلاقات المتبادلة فيما بينها، ليُمْكِنُه اختيار أفضل الألفاظ والعبارات، مع ملاحظة كلّ أبعاد المعاني المقصودة وجوانبها، وملاحظة مقتضى الحال والمقام. ومثل هذه الإحاطة العلميّة الشّاملة لا يمكن توفّرها في أيّ إنسان بدون الاستعانة بالوحي والإلهام الإلهيّ.

وأمّا التّعرف على أنّه معجزة في الفصاحة والبلاغة، فلا يتيسّر إلّا لأولئك الّذين يملكون الخبرة والتّخصّص في فنون الكلام المختلفة، ومقارنة ما يتميّز به القرآن الكريم مع سائر أنواع الكلام الفصيح والبليغ، واختبار قدراتهم بالقياس إليه. ومثل هذه المهمّة لا يقوم بها إلّا الشّعراء والبلغاء العرب، وذلك لأنّ أعظم ما كان يتميّز به العرب من فنّ في عصر نزول القرآن هو البلاغة والأدب، إذ بلغ ذروته آنذاك.

إقرار واعتراف

لقد أقرّ بلغاء العرب حتّى المشركين بإعجاز القرآن, فهذاالوليد بن المغيرة المخزوميّ يقول: "والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق, وإنّه ليعلو ولا يُعلى عليه"1 وعتبة بن ربيعة، والطّفيل بن عمرو ـ بأنّ القرآن بلغ الغاية في فصاحته وبلاغته وبتفّوقه على أرقى النّتاجات


190


الأدبيّة والبلاغيّة البشريّة2 ، وبعد قرن من نزوله حاول بعض المنافقين والزنادقة - أمثال ابن أبي العوجاء وابن المُقَفَّع وأبي شاكر الدّيصاني وعبد الملك البصريّ - أن يجرّبوا حظّهم في معارضة القرآن ومجاراته، وقد بذلوا كلّ ما في وسعهم خلال عام واحد في هذا المجال، ولكنّهم أخيراً اعترفوا بعجزهم أمام القرآن الكريم، وحين اجتمعوا في المسجد الحرام ليتدارسوا أعمالهم وجهودهم خلال ذلك العام، مرّ عليهم الإمام الصّادق عليه السلام وتلا عليهم هذه الآية الشّريفة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا3.

ب ـ أميّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ القرآن الكريم ـ بالرّغم من صغر حجمه نسبيّاً ـ كتاب يشتمل على مختلف أنواع المعارف والعلوم والأحكام والتّشريعات الفرديّة والاجتماعية، ويحتاج البحث عن كلّ قِسم منها، ودراستها دراسة كاملة إلى جماعات متخصّصة تبذل كلّ جهودها العلميّة وخلال أعوام طويلة، ليكتشفوا ـ بالتدريج ـ بعض كنوزها وأسرارها المخبوءة، وليتوصّلوا ـ من خلال ذلك ـ إلى حقائق أكثر، وإن كان اكتشاف كلّ حقائقه وأسراره وكنوزه لا يتيسَّر إلّا لأولئك الّذين يمتلكون العلم والتأييد والمدد الإلهيّ. إنّ هذه المجالات المختلفة الّتي استعرضها القرآن الكريم تشتمل على أكثر المعارف دقّةً وسمُوّاً، وأرفع التّعاليم الأخلاقيّة وأكثرها قيمة، وأكمل القوانين الحقوقيّة والقانونيّة والجزائيّة عدالة وإحكاماً، وأثرى المناسك العباديّة والأحكام الفرديّة والاجتماعيّة حكمة، وأكثر المواعظ والنّصائح تأثيراً ونفعاً، وأفضل الحكايات التّاريخيّة عظة وتربية، وأنجع الأساليب التّربويّة والتّعليميّة.

وبإيجاز فإنّه يشتمل على كلّ الأصول والمبادئ الّتي يحتاجها البشر من أجل


191


 تحقيق سعادتهم الدّنيويّة والأخرويّة. ولقد امتزج كلّ ذلك بأسلوب رائع بديع لم يسبق له مثيل، بحيث يمكن لفئات المجتمع ـ جميعاً ـ الاستفادة والتّزوّد منها، كلٌّ بحسب استعداده وقابليّته.
بيت القصيد

إنّ جمع كلّ هذه المعارف والحقائق في مثل هذا الكتاب يفوق قدرة البشر العاديّين، ولكن ممّا يزيد الدّهشة والإعجاب أكثر، أنّ هذا الكتاب العظيم ظهر على يد إنسان لم يعرف الدّرس والتّعلّم خلال حياته أبداً، ولم يمسك ـ يوماً ـ بيده قلماً وقرطاساً، وقد نشأ في محيط بعيد عن الحضارة والثّقافة. والأعجب من ذلك أنّه لم يسمع منه ـ خلال أربعين عاماً قبل بعثته ـ مثل هذا الكلام المعجز، وخلال أيّام رسالته وبعثته أيضاً كان ما يصدر منه من آيات قرآنيّة ووحي إلهي يتميّز بسبكه وأسلوبه الخاصّ، وهو يختلف ـ تماماً ـ عن سائر كلامه وأحاديثه، وهذا الفرق الواضح بين هذا الكتاب وسائر أحاديثه مشهود وملموس للجميع.

والقرآن الكريم يشير إلى هذه الأمور فيقول:
﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ4.

وفي آية أخرى يقول:
﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ5.

وثمّة احتمال كبير في أن تكون الآية (23) من سورة البقرة:
﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ مشيرة لهذا العنصر الإعجازي، أي: أنّ هناك احتمالاً كبيراً في رجوع ضمير (مثله) إلى (عبدنا). والحاصل: إذا افترضنا ـ محالاً ـ قدرة المئات من الجماعات المتخصّصة والمثقّفة ـ وبالتعاون


192


والاشتراك فيما بينها ـ على الإتيان بمثل هذا الكتاب، ولكن لا يمكن لفرد أميّ واحد القيام بذلك، إلّا إذا كان مؤيّداً بالوحي كما هو الحال مع النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

ج ـ التناسق وعدم الاختلاف: إنّ القرآن الكريم كتاب نزل خلال ثلاثة وعشرين عاماً من حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي فترة شهدت مرحلة مضطربة مليئة بالحوادث الملتهبة، وزخرت بالكثير من التّحدّيات والمحن والحوادث المرّة والسّعيدة، ولكن كلّ هذه المتغيّرات والمؤثّرات لم يكن لها أيّ تأثير في تناسق محتويات القرآن وأسلوبه المعجز. ويشكّل هذا التّناسق وعدم الاختلاف في شكله ومضمونه جهة أخرى من جهات إعجازه. وقد أشير إليها كما أشير للعلامتين السّابقتين في القرآن الكريم:
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا 6.

وتوضيحه: إنّ كلّ إنسان يواجه ـ على الأقلّ ـ نوعين من المتغيّرات.

1- إنّ معلوماته وخبراته تأخذ بالتّزايد والنّمُوّ، وهذا النّمُوّ والزّيادة في ثقافته ومعلوماته وخبراته وقدراته تنعكس وتؤثر في أحاديثه وكلامه، وبطبيعة الحال، سوف يبرز الاختلاف الواضح بين أحاديثه خلال عشرين عاماً.

2- إنّ حوادث الحياة المختلفة تؤدّي إلى ظهور حالات نفسيّة ومشاعر وأحاسيس مختلفة، أمثال: اليأس والأمل، والفرح والحزن، والقلق والهدوء، ولمثل هذا الاختلاف في الحالات تأثير كبير في تفكير المرء وفي أقواله وأفعاله، وبطبيعة الحال، مع اشتداد هذه التغيّرات واتساعها فإنّ أحاديثه سوف يطرأ عليها اختلاف كبير. وفي الواقع إنّ تغيّرات الكلام خاضعة لتغيّرات الحالات النفسيّة، وهي بدورها خاضعة لتغيّر الظّروف الطّبيعيّة والاجتماعية. فإذا افترضنا أنّ القرآن الكريم من اختراع النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه


193


 كإنسان خاضع لكلّ المتغيّرات المذكورة، فمع ملاحظة الظّروف المتغيّرة الحادّة الّتي شهدتها حياته، فلا بدَّ أن تظهر في كلامه اختلافات كبيرة في شكله ومحتواه، مع أنّه لم يشاهد أيّ أثر لمثل هذه الاختلافات.

إذاً، فهذا الانسجام وعدم الاختلاف في مضامين القرآن، وفي مستوى بلاغته المعجز، يعدّ علامة أخرى على صدور هذا الكتاب الشّريف من مصدر العلم الثّابت واللّامتناهي لله تعالى، الحاكم على الطّبيعة وغير المحكوم لكلّ الظّواهر مهما اختلفت وتغيّرت.

ملاحظة:

لقد اقتضت الحكمة والعناية الإلهيّة أن تكون معجزة كلّ نبيّ متلائمة مع العلم والفن الشائع في ذلك الزمان، حتّى يدرك جيّداً امتيازها وتفوّقها المعجز على كلّ المحاولات والمنجزات البشريّة؛ لأنّ إقرار أصحاب العلم وأرباب الفنّ بعجزهم عن مجاراة المعجزة، كافٍ في إثبات إعجازها بالنّسبة لعامّة النّاس.

الإمام الهادي عليه السلام وابن السكّيت

لقد أجاب الإمام الهادي عليه السلام ابن السكّيت عندما سأله:

لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السّحر؟ وبعث عيسى بآلة الطبّ؟ وبعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وعلى جميع الأنبياء عليهم السلام بالكلام والخطب؟.

فقال الإمام عليه السلام:

"إنّ الله لمّا بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السّحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزّمانات، واحتاج النّاس إلى الطبّ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما


194


أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم. وأن الله بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم"7


195


خلاصة الدرس


هناك عناصر عدّة لإعجاز القرآن الكريم، منها:

أ ـ فصاحة القرآن وبلاغته: من حيث ألفاظه وتراكيبه وأسلوبه وملاحظة مقتضى الحال.

وقد أقرّ بلغاء العرب حتّى المشركين منهم بإعجاز القرآن المجيد، كالوليد بن المغيرة المخزومي وعتبة بن ربيعة، والطفيل بن عمرو وغيرهم.

ب ـ أمّيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ ما يؤكّد إعجاز القرآن البلاغي والفصاحي والمضموني؛ أنّ هذا الكتاب العظيم ظهر على يد إنسان لم يعرف الدرس والتعلّم خلال حياته أبداً، ولم يمسك قلماً وقرطاساً، وقد نشأ في محيط بعيد عن الحضارة والثقافة.

ج ـ التناسق وعدم الاختلاف: حيث إنّ القرآن الكريم وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاماً ـ مدّة نزوله ـ لم يطرأ على تناسقه وروحه أيّ اختلاف رغم الظروف المتباينة والحالات النفسيّة والمشاعر والأحاسيس المختلفة.

 

أسئلة حول الدرس

1ـ تحدّث حول إعجاز القرآن الكريم من جهة الفصاحة والبلاغة (باختصار).

2ـ كيف نستفيد من أميّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إعجازَ القرآن الكريم؟

3ـ تحدّث حول التناسق وعدم الاختلاف، وكيفيّة دلالته على الإعجاز القرآني.

 

هوامش

1- مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، ج 9-10، ص 387.
2- أعلام الورى، ص 27 و 28، وص 49، وسيرة ابن هشام، ج 1، ص 293 وص 410.
3- سورة الإسراء، الآية: 88، وانظر تفسير (نور الثقلين) حول هذه الآية.

4- سورة العنكبوت، الآية: 48.
5- سورة يونس، الآية: 16.
6- سورة النساء، الآية: 82.
7- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 24.