27 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 10 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

نور الأسبوع :: صفر

أربعٌ بأربعٍ





عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله): «مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَمَنْ خَافَ النَّارَ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ تَرَقَّبَ الْمَوْتَ أَعْرَضَ عَنِ اللَّذَّاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَات‏»

يرجعُ السلوكُ الحَسَنُ الصادرُ عن الإنسانِ في حياتِهِ الدنيا إلى حالاتٍ تعرضُ لنفسِه، فتقودُهُ للالتزامِ بهذا السلوك، وعلى الإنسانِ أن يَجْهَدَ لكي تتوافرَ هذه الحالاتُ لديه وتقوى، فتكونُ حاضرةً على الدوام، وبها يكونُ الفوز. وفي هذه الروايةِ عنِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله) إشارةٌ إلى أربعٍ بأربع:

1- الإشتياقُ إلى الجَنّة: بما أنّ عَمَلَ الخيرِ في هذه الدنيا مِن أسبابِ الفوزِ بالجنة، كان الشوقُ إلى الجنّةِ دافعاً للمسارَعةِ إلى الخير ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وَتَكَرَّرَ في الكثيرِ من الرواياتِ بيانُ ثمارِ الشَّوقِ إلى الجنةِ والحافزِ الذي يجعلُهُ في نفْسِ الإنسانِ للإقدامِ على فِعلِ الخير. وَيَصِفُ أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) هذا الشوقَ في المتّقينَ فيقول: «وَلَوْلَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ»

2- الخوفُ من النار: فأسلوبُ الشيطانِ في تسويلِهِ المعصيةَ للإنسانِ بيانُ ملذّاتِها العاجلة، وَجَعْلُ الإنسانِ في غفلةٍ عن عواقبِ المعاصي على المستوى الدُنيويِّ أو الأخرويّ. والخوفُ من تلكَ العاقبةِ هو بابُ توقّي المعاصي، فعنِ الإمامِ الباقرِ (عليه السلام): «تَحَرَّزْ مِنْ إِبْلِيسَ بِالْخَوْفِ الصَّادِقِ». ولذا، الحذَرُ منَ الماضي ومنَ المستقبلِ دائم، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ، وَعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهَالِكِ، فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً، وَلَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْخَوْف‏»

3- توقُّعُ الموت: والمرادُ أن يكونَ الأجلُ حاضراً في نفسِ الإنسان، فيردعُهُ عن اتّباعِ الملذّات، فعن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «اذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ، وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ، وَدَاعِيَ الشَّتَات‏. اذْكُرُوا مُفَرِّقَ الْجَمَاعَاتِ، وَمُبَاعِدَ الْأُمْنِيَّاتِ، وَمُدْنِيَ الْمَنِيَّاتِ، وَالْمُؤْذِنَ بِالْبَيْنِ وَالشَّتَات‏».

والفائدةُ المرجوَّةُ مِن تذكُّرِ الموتِ هو الاستعدادُ التامُّ لرحلةِ الآخرة، وبهذا لا يفاجئُ الموتُ الإنسان، ففي وصيّةِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام) لابنِهِ الحسنَ (عليه السلام): «يَا بُنَيَّ، أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ، وَلَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَك‏»

4- الزهدُ في الدنيا: فَعَدَمُ التعلُّقِ بهذه الدنيا يُهَوِّنُ على الإنسانِ كُلَّ مصيبةٍ تلمُّ به، كما أنه لا يأسى على خيرٍ في هذه الدنيا لم يصلْهُ، فعنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «الزُّهْدُ كُلُّهُ فِي كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي، فَهُوَ الزَّاهِدُ».

وَيَصِفُ أميرُ المؤمنينَ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، فيقولُ: «عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ.... فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، ولَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، ولَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ. وكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ».

وفي الختامِ نرفعُ آياتِ العزاءِ لصاحبِ العصرِ والزمانِ (عجل الله فرجه الشريف)، ولوليِّ أمرِ المسلمين، وللمجاهدينَ جمعياً بذِكرى وفاةِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وشهادةِ الإمامِ الرضا (عليه السلام).

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

14-10-2020 عدد القراءات 199



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا