25 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 08 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: كف الأذى

قضاء الحوائج



تمهيد
إنّ المجتمع البشريّ مبنيّ على التفاعل بين أفراده، فلا يمكن لإنسانٍ أن يعيش منعزلاً بشكل كامل عن سائر البشر، وينشأ من هذا التفاعل الأمور الإيجابيّة والسلبيّة على حدّ سواء.لذا قد يختلف الناس وقد يتّفقون، وقد يصل النزاع بينهم لحدٍّ لا يتصوّر من حروبٍ وعداوات, وقد يحلّ السلم بينهم بشكل مذهل، إذا تكاتف أبناء المجتمع ورعوا مصالح بعضهم، وعمّ بينهم الإخاء.

ولأنّ المجتمعات لا تترك حالها بدون قانون يرعى أحوالها وينظّم العلاقات بين الأفراد، كانت القوانين الوضعيّة والديانات السماويّة، وسنسلّط الضوء في هذا الدرس على صفة من الصفات التي أكّد عليها الإسلام بشكل كبير جدّاً، ألا وهي خدمة أفراد المجتمع الإيمانيّ لبعضهم البعض.

طرق الحقّ خدمة الخلق
قدّست الشريعة الإسلاميّة خدمة المؤمن للمؤمن وقضاء حاجته، ولو حاولنا استقصاء الروايات الكثيرة التي وردت في هذا الشأن لضاق بنا المقام، إلّا أنّه من المناسب الإشارة إلى بعض المحفّزات التي أشارت إليها الروايات الشريفة، لتحريض المؤمنين على خدمة بعضهم، فعلى الصعيد الدنيويّ، فالله تعالى يتكفّل بحاجة من يقضي حاجة أخيه المؤمن، كما جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان في حاجة أخيه المؤمن المسلم، كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه"1.

وأمّا على الصعيد الأخرويّ
1- الأمن يوم القيامة
من العذاب الإلهيّ والجزاء المستحقّ على التقصير في أداء حقّ الله تعالى، ففي الرواية عن الإمام الكاظم عليه السلام: "إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة"2.

2- الثواب

فبعد الأمن من العقاب الإلهيّ، يزيد الله تعالى من رحمته بأن يعطي قاضي حوائج المؤمنين ثواباً كبيراً، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله، كتب الله عزّ وجلّ له ألف ألف حسنة"3.

بل إنّ بعض الروايات وصفت أجر قضاء حاجة المؤمن بأكثر من أجر الجهاد في سبيل الله تعالى، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله"4.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام - في حديث طويل -: "لأن أسعى مع أخٍ لي في حاجةٍ حتَّى تقضى، أحبُّ إليَّ من أن أعتق ألف نسمة، وأحمل على ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة"5.

بل عدّت بعض الروايات قضاء الحوائج من حيث الفضل بأنّه أفضل من فضل الحجّ، وتزيد عنه بعشر مرات، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "لَقضَاءُ حاجة امرئٍ مؤمنٍ أفضل من حجّة وحجّة وحجّة، حتى عدَّ عشرَ حجج"6.

وفي قمّة الروايات التي مجّدت هذا العمل، وتحدّثت عن جزيل الثواب الموعود من الله تعالى عليه، ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة، كان كمن عبد الله دهره"7.

فأيّ ثوابٍ بعد هذا الثواب، وكيف لا يطمع المرء في خدمة الناس وقضاء حاجتهم، بل إنّ المغبون حقًّا من أضاع العمر ولم يلتفت لهذه الفرصة، التي تعتبر جواز سفر إلى السعادة الأخرويّة.

أحبُّ الناس إلى الله
ليس غريباً أن تصف الروايات من يسعون في قضاء حاجات الناس بأنّهم أحبّ الناس إلى الله عزَّ وجلّ, لأنهم يجسّدون أسمى المعاني الإنسانيّة وأرقاها، وهو العطاء، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله عزّ وجلّ: الخلق عيالي، فأحبّهم إليّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حاجاتهم"8.

لا تؤذِ ذوي الحاجة
إذا لم يرد الإنسان السعي في حاجات المؤمنين، وأراد تضييع الفرصة، أو لم يكن قادراً على ذلك، فلا بدّ أن يلتفت لمسألة في غاية الأهميّة، وهي أنّه بمقدار ما أوعد الله تعالى من الثواب على قضاء الحاجة، بمقدار ما أوعد به على أذيّة ذوي الحاجات، من خلال التصرّفات غير المناسبة، التي قد يلجأ لها المرء، للتهرّب من الحرج الذي قد يشعر به للأسباب الآنفة الذكر, ومن هذه الأعمال:

1- ترك الصدّ والمنع

مع القدرة على المساعدة، وكم هو مرعب ما جاء في الرواية عن عاقبة لهذا العمل، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة، وهو يقدر على قضائها فمنعه إيّاها، عيّره الله يوم القيامة تعييراً شديداً، وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في يدك، فمنعته إيّاها زهداً منك في ثوابها، وعزّتي لا أنظر إليك اليوم في حاجة، معذّباً كنت أو مغفوراً لك"9.

وأصعب من هذه الرواية ما روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: "من قصد إليه رجل من إخوانه، مستجيراً به في بعض أحواله، فلم يجره بعد أن يقدر عليه، فقد قطع ولاية الله عزّ وجلّ"10.

نسأل الله تعالى أن لا نكون من المخذولين يوم القيامة، الذين وصفتهم الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما من مؤمنٍ يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته، إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة"11.

2– ترك الاحتجاب

أي التهرّب كأن يقول لمن يستقبله أنّه في شغل عنه ولا يقدر على لقائه, فهذا التصرّف يعتبر من التصرّفات التي نهت عنها الروايات الشريفة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من صار إلى أخيه المؤمن في حاجته أو مسلما فحجبه، لم يزل في لعنة الله إلى أن حضرته الوفاة"12.

وما أشدّ عقوبة هذا العمل في الرواية المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب، ضرب الله عزّ وجلّ بينه وبين الجنّة سبعين ألف سور، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام"13.

خاتمة
ما ألطف ما ورد في فضل قضاء الحاجات، وأخوف ما جاء في ردّ السائل والمحتاج إلى المساعدة، فلنسع قدر الإمكان لكي نكون من الصنف الأوّل، والّذين باركهم الله، ووصفهم بأنّهم أحبّ الناس إليه.

وليقف الواحد منّا مع نفسه وقفة تأمّل، بين القليل من الجهد والعظيم من الأجر، وليفكّر في الراحة الأبقى والأجر الأسمى، وبين الراحة الزائلة بزوال الدنيا، والمال الذاهب بذهاب العمر، فأيّ الأمرين نختار؟


* كف الأذى. تأليف مركز نون للتأليف والترجمة. نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. ط: الأولى شباط 2010م- 1431هـ. ص: 73-77.


1- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 1 ص 700.
2- م. ن. -ج 1 ص 700.
3- م. ن. -ج 1 ص 700.
4- م. ن. -ج 1 ص 701.
5- م. ن. -ج 1 ص 700.
6- م. ن. -ج 1 ص 701.
7- م. ن. -ج 1 ص 701
8- م. ن. -ج 1 ص 700
9- م. ن. -ج 1 ص 702.
10- م. ن. -ج 1 ص 702.
11- م. ن. -ج 1 ص 702.
12- م. ن. -ج 1 ص 703.
13- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 1 ص 703.


 

10-05-2010 عدد القراءات 10349



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا