25 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 08 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: كف الأذى

الجار



تمهيد
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا1.

إنّ المجتمع الإسلاميّ يعتمد في علاقاته الاجتماعيّة على القيم التي أرستها الرسالة المحمّديّة، والتي حوت من التعاليم والإرشادات ما من شأنها أن تنتقل بالمجتمع من مجموعات لا يجمع بينها سوى القرب الجغرافي، إلى مجتمع واحد تحكمه روابط عميقة ترتكز في النفوس، قبل أن تكون مجرّد مجاملات ظاهريّة يقتضيها ذلك القرب.

ومن أكثر ما يلفت النظر في هذا المجال، ما أولاه الدين الإسلاميّ من رعاية لحالة الجوار، وما جاء فيه من كثير من الأحاديث، والتأكيد القرآنيّ عليه بالدرجة الأولى، فإذا لاحظنا هذه الآية الشريفة، التي تدعو بشكل واضح لإيلاء الجار ذي القربى والجار الجنب حقّه، فمن الواضح أنّ هنالك ما يترتّب على هذه القرابة من حقوق، وهذا ما سنحاول الإضاءة عليه في هذا الدرس.

وسنتعرّض في بداية الدرس إلى مسألة في غاية الأهميّة، عن الروابط التي تربط بين البشر لنصل من خلالها إلى فهم الأساس الذي بنيت عليه هذه الدعوة لحقّ الجوار والجار.

الروابط بين البشر
لا شكّ بأنّ ما يجمع البشر بشتّى ألوانهم وأديانهم وانتماءاتهم السياسيّة والمذهبيّة، أكبر من مجرّد السكن على كوكبنا الأزرق، وهو الرابط الإنسانيّ.

فالإنسان أخو الإنسان، وكلّنا من نسل واحد يرجع إلى آدم عليه السلام، وهذا رابط أساس لا بدّ من عدم الغفلة عنه، وقد أشارت إليه الروايات الشريفة، فعن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس إنّكم من آدم وآدم من طين، ألا وإنّ خيركم عند الله وأكرمكم عليه اليوم أتقاكم، وأطوعكم له، ألا وإنّ العربيّة ليست بأبٍ والد، ولكنّها لسان ناطق"2.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق"3.

فالرابط الأوّل بين الناس هو الرابط الإنسانيّ بالانتساب إلى آدم عليه السلام.

رابط آخر يجمع ما بين الناس، وهو الانتماء الدينيّ، فهناك قوم يتبعون ديناً ما، وآخرون يتبعون ديناً آخر، وتشكّل كلّ مجموعة منتسبة إلى دين ما طائفة، تتوحّد فيما بينها من خلال التديّن بدين واحد، ويربط بينها رابط دينيّ، فالمسلم أخو المسلم، يربط بينهما الإعتقاد والإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ4.

وثمّة رابط آخر يجمع من بين الناس، وهو الرابط بالنسب والقرابة، كالخال والعمّ والجدّ والحفيد، والصهر والعمّ والد الزوجة، فهذا الرابط يجمع ما بين الناس أيضاً، وقد يسمّى الرابط العائليّ.

ومن الروابط التي تربط بين البشر رابط القرب الجغرافيّ، فسكّان قارّة آسيا يجمعهم عنوان "الآسيويّون"وكذلك الحال في القارات الأخرى، ولكنّ الرابط الجغرافيّ، يضيق شيئاً فشيئاً لحدود المدينة والقرية، ومن ثمّ الحيّ السكنيّ وصولاً إلى الجوار.

قيمة الجار في الإسلام
لقد نظر الإسلام نظرة خاصّةً إلى الجوار، هي أبعد ما تكون عن مجرّد حالة من حالات التجمّع الإنسانيّ المشكّل للمجتمع، ولكنّه أراد من خلال ما افترضه من حقوق بين المتجاورين وآداب للتعاطي بينهم فرض السلام الاجتماعيّ المبنيّ على المودّة والاحترام المتبادل، لذا كان الوحي يتنزّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دوماً، منبّهاً وموصياً بحفظ الجار وأداء حقّه، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "قيل يا نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفي المال حقّ سوى الزكاة؟

قال: نعم برُّ الرحم إذا أدبرت، وصلة الجار المسلم، فما آمن بي من بات شبعان وجاره المسلم جائع، ثمّ قال: ما زال جبرائيل عليه السلام يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه
"5.

ماذا يربطنا بالجار؟
ذكرنا فيما سبق أنّ هنالك العديد من الروابط التي تربط بين البشر، وقد تشترك بعض هذه الروابط مع بعضها البعض كما هو حاصل لدينا في مسألة الجوار، ولهذا ينبّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّه قد يكون للجار المسلم أكثر من حقّ الجوار، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق:

حقّ الإسلام، وحقّ الجوار وحقّ القرابة.

ومنهم من له حقّان: حقّ الإسلام، وحقّ الجوار.

ومنهم من له حقّ واحد: الكافر له حقّ الجوار
"6.

من حقوق الجار
لخَّص الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام حقوق الجار في صحيفته السجاديَّة المباركة فقال:"وأمّا حقّ جارك، فحفظه غائباً، وإكرامه شاهداً، ونصرته إذا كان مظلوماً، ولا تتبّع له عورة، فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه، وإن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا قوّة إلا بالله".

وسنضيء على بعض ما ورد من هذه الحقوق، والتي تتعلّق بشكل أساسيّ بكفّ الأذى، فأوّل هذه الحقوق:

1- لا تتبع له عورة
سواء بحفظ خصوصيّته في بيته، إذا كان بيتك مشرفاً على داره، بحيث تغضّ الطرف عن النظر إلى داخله, وتكفّ بصرك عن عياله، وهذا ما كان من أخلاق العرب ما قبل الإسلام، وأكّد عليه الدين الحنيف. ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ملأ عينه من حرام، ملأ الله عينه يوم القيامة من النار، إلّا أن يتوب ويرجع"7.

وليعلم المؤمن أنّه تحت نظر الله تعالى، وأنّ الله تعالى أمره بالستر على عورات الناس، ولا سيّما الجار، وأنّ كفّ البصر عن الحرام في هذه المواطن ممّا يورث المرء حلاوة من الإيمان، ويضيف لانتصاراته على الشيطان انتصاراً آخر، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغضّ البصر، فإنّ البصر لا يغضّ عن محارم الله إلّاوقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"8.

وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: بما يستعان على غضّ البصر؟

فقال: "بالخمود تحت سلطان المطّلع على سترك"9.

فإنّه وإن كان لا يراك ناظر حين تنظر لعورات الآخرين، إلّا أنّ هنالك ناظراً يراك في كلّ سرّك وعلانيّتك ويراقبك، وملائكته تحصي عليك النظرة والطرفة، وما هو أدنى من ذلك.

2- أن تحفظه في غيبته

فترعى حال عياله وأطفاله، وتقضي لهم من حوائج الدنيا ما يحتاجون إليه، فهذا من الحقوق التي لا ينبغي التفريط فيها، ففي الرواية عن الإمام السجّاد عليه السلام: "ولا تخرج أن تكون سلماً له، تردّ عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النصيحة"10.

ولا بأس بالتنبيه إلى خصوصيّة الجار المجاهد، فإنّ رعاية حال عياله وحفظه في غيبته أوجب في الحقوق، وحقّه بجهاده يضاف إلى حقّ الجوار وحقّ الأخوّة في الإيمان، وعليه فإنّ من حقّ الجار المجاهد أن نكفّ عنه الأذى، ولا نخلفه في أهله خلافة السوء، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من اغتاب غازياً في سبيل الله أو آذاه أو خلفه بسوء في أهله، نصب له يوم القيامة علمُ غدرٍ فيستفرغ حسناته، ثمّ يركس في النار"11.

* كف الأذى. تأليف مركز نون للتأليف والترجمة. نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. ط: الأولى شباط 2010م- 1431هـ. ص: 33-38.


1- النساء: 36.
2- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 21 ص 138.
3- نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام - ج 3 ص 84.
4- الحجرات: 10.
5- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 71 ص 94.
6- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 8 ص 424.
7- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 ص 3291.
8- م. ن. - ج4 ص 3293.
9- م. ن. - ج 4 ص 3293.
10- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 71 ص 17.
11- م. ن. - ج 97 ص 50.

28-04-2010 عدد القراءات 5704



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا