12 تشرين الثاني 2018 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1440 هـ
En FR

القرآن الكريم :: في كنف الوحي

سورة الفلق‏



بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾.

1- شرح المفردات

1- أعوذ: "العوذ" هو الاعتصام والتحرز من الشر بالإلتجاء إلى من يدفعه.
2- الفلق: الشق والفرق ويطلق أيضاً على الصبح لأنه يزيل الظلام.
3- الغسق: أول ظلمة الليل.
4- وقب: "الواقب" هنا الداخل. وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
5- النفاثات: "نفث" أي نفخ.

2- هوية السورة
نزلت هذه السورة في مكة المكرمة1 عدد آياتها خمسة.

محتوى السورة وفضيلتها
تتضمن السورة تعاليم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وللناس عامة تقضي أن يستعيذوا باللَّه من شر كل الأشرار وأن يوكلوا أمرهم إليه ويأمنوا من كل شر في اللجوء إليه وبشأن نزول السورة ذكرت الرواية المنقولة في أغلب كتب التفسير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصيب بسحر بعض اليهود، ومرض على أثر ذلك فنزل جبرائيل عليه السلام وأخبره أن آلة السحر موجودة في بئر، فأرسل من يخرجها ثم تلا هذه السورة، وتحسنت صحته.

المرحوم الطبرسي ومحققون آخرون شككوا في هذه الرواية التي ينتهي سندها إلى عائشة وابن عباس لما يلي:

أولاً: السورة كما هو مشهور مكية ولحنها مثل لحن السور المكية، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جابه اليهود في المدينة وهذا يدل على عدم أصالة الرواية.

ثانياً: لو كان اليهود بمقدورهم أن يفعلوا بسحرهم ما فعلوه بالنبي حسب الرواية لاستطاعوا أن يصدوه عن أهدافه بسهولة عن طريق السحر، واللَّه سبحانه قد حفظ نبيه كي يؤدي مهام النبوة والرسالة.

ثالثاً: لو كان السحر يفعل بجسم النبي ما فعله لأمكن أن يؤثر في روحه أيضاً، وتكون أفكاره بذلك لعبة بيد السحرة، وهذا يزلزل مبدأ الثقة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. والقرآن الكريم يرد على أولئك الذين أتهموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه مسحور إذ قال: ﴿... وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا* انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا(الفرقان:9-8).

"مسحور" في الآية تشتمل من أصيب بسحر في عقله أو في جسمه، وهذا دليل على ما نذهب إليه.

على أي حال لا يجوز أن نمس من قداسة مقام النبوة بهذه الروايات المشكوكة على آيات لم ينزل مثلهنّ (المعوذتان)2.

عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "من أوتر بالمعوذتين وقل هو اللَّه أحد قيل له: (يا عبد اللَّه أبشر فقد قبل اللَّه وترك)"3.

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأحد أصحابه: "ألا أعلمك سورتين هما أفضل سور القرآن، أو من أفضل القرآن؟ قلت: بلى يا رسول اللَّه، فعلمني المعوذتين، ثم قرأ بهما في صلاة الغداة، وقال لي: إقرأهما كلما قمت ونمت"4.

وواضح أن هذه الفضيلة نصيب من جعل روحه وعقيدته وعمله منسجماً مع محتوى السورة.

في كنف السورة

في السورة المباركة استفادات عديدة

1- الاستعاذة
بما أن الإنسان خلق ناقصاً ضعيفاً، جاهلاً محتاجاً فقيراً، فإذن هو لا بد أن يلجأ إلى كامل قوي عالم غني، ولكن الإنسان وقع في خطأ تشخيص هذا الكامل، فركن إلى ما لا يركن إليه، وغفل عن رب الأرباب، رب العالمين، المحيط بكل شي‏ء، العالم بالسر وأخفى، الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد.

والإنسان عادة ما يستعيذ ويلجأ إلى آخر؛ عندما يفقد ثقته بنفسه في مواجهة شر داهم، ويظن أن ما يستعيذ به قادر على أن ينجيه مما هو فيه، فيلجأ إليه، كمن يلجأ الذي يطارده الوحش إلى كهف أو حصن منيع.

وقد تكون الأخطار والشرور التي يخشى منها الناس مجرد أوهام وظنون ووساوس شيطانية، وبعض الناس لخطأهم في تشخيص من يلجأون إليه تعوّذوا مثلاً بالجن والسحر والأصنام؛ وكان عليهم الاستعاذة باللَّه خالق كل شي‏ء، وهذا ما أمر اللَّه به في آيات عدّة ومنها هذه الآية:(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق).

فالاستعاذة حالة نفسية (لجوء وركون)، قوامها: الخشية من الخطر، والثقة بمن يستعاذ به.

2- الشرور
ورد العديد من الآيات الكريمة التي تتحدّث عن الشرور نأتي على بعضها ليتكامل البحث:

أ- توهُّم الشر والخير
إن الإنسان باعتبار ضعفه وجهله قد يتوهّم أن ما غايته خير شراً، وما نهايته شر خيراً، فيتطلع إلى ظواهر الأمور وبداياتها ولا يتطلع إلى عمقها ونهاياتها.

يقول تعالى:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(البقرة:216).

فاللَّه سبحانه يفتح أمام المؤمنين نافذة ليطلوا منها على عالم أوسع من هذه المشاعر الشخصية الضيقة التي تنتابُ الكائن البشري، ويعلِّمهم: أن المشاعر الذاتية بالكره والحب، وتوهم الخير والشر، ليست معياراً لفهم المصلحة الحقيقية للفرد والمجتمع، فرب شي‏ء تكرهونه ويكون فيه خير كثير، ورب شي‏ء تحبونه وهو ينطوي على شر بليغ. واللَّه تعالى هو المحيط بخفايا الأمور، ولا يستطيع البشر مهما بلغ وعيهم وفطنتهم إلا أن يفهموا جانباً من تلك الخفايا والمصالح البعيدة في الأحكام التي كتبها على المؤمنين.

فعلى الإنسان المؤمن أن يفهم أن كل هذه القوانين والأحكام هي لصالحه، تشريعية كانت كالجهاد والزكاة والصوم، أم تكوينية كالموت والمصائب التي تحل به أو بأحبائه، ولذلك عليه بالتسليم للَّه والاستعاذة به ولا يحكم فيها علمه المحدود، فعلمه بالنسبة لمجهولاته كذرة بالنسبة إلى الكون الشاسع.

ب- الشر والخير بلاء
قال تعالى:﴿... وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَة...(الأنبياء:35).

فالدنيا دار امتحان وابتلاء، والآخرة هي دار القرار، واللَّه تعالى يختبر الناس بالشر والخير .

في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: مرض أمير المؤمنين عليه السلام فعاده قوم.

فقالوا: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟

قال عليه السلام: أصبحت بشرّ.

قالوا: سبحان اللّه هذا كلام مثلك؟!.

فقال عليه السلام: "يقول اللّه تعالى: (...وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، فالخير الصحة والغنى، والشر المرض والفقر ابتلاءً واختباراً"5.

ثم إن المصائب هي وسيلة مهمّة لتكامل الإنسان.

يقول إمام الصابرين علي عليه السلام: "ألا وإن الشجرة البريّة أصلب عوداً والرواتع الخضراء أرق جلوداً، والنباتات العذية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً"6.

يقول أحد الحكماء: "البرنامج العملي للعظماء هو لا تتحمّل المشكلات فقط بل أحببه".

ويقول: "لقد طالعت كثيراً في حياة الرجال النادرين فوصلت إلى هذه النتيجة وهي أن سبب نجاح أغلبهم هو الموانع التي واجهوها في حياتهم".

ج- شر الخلق
يقول تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ(الأنفال:22).

ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ(الأنفال:55).

ويقول جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة(البينة:6).

د- خير البرية
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(البينة:7-8).

3- النفاثات في العقد
على بعض التفاسير أن النفاثات في العقد إشارة إلى النساء اللاتي كن يوسوسن في أذن الرجال وخاصة الأزواج ليثنوهم عن عزمهم المعقود وليوهنوا عزائمهم في أداء المهام الصالحة.

في الحقيقة إن للنساء دوراً بارزاً في الإفساد أو الإصلاح، والتاريخ ملي‏ء بكلا النموذجين، فمثال على النموذج الفاسد ما يروى عن سبب قتل النبي يحيى عليه السلام:"أن امرأة بغياً افتتن بها ملك بني إسرائيل، وكان يأتيها، فنهاه يحيى، ووبّخه على ذلك، وكان مكرّماً عند الملك، يطيع أمره ويسمع قوله، فاضمرت المرأة عداوته، وطلبت من الملك رأس يحيى وألحّت عليه، فأمر به فذبح، وأهدي إليها رأسه..."7.

ومثال على النموذج الصالح: انظر إلى "دلهم بنت عمرو"، زوجة زهير بن القين التي قالت لزوجها عندما حطّوا الرحال في "زرود" وجاء إليه رسول الحسين، فتحيَّر ووجم ولم يعرف جواباً فبادرته قائلة: سبحان اللَّه أيبعث إليك ابن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ولا تجيبه؟ ما ضرّك لو أتيته فسمعت كلامه ثم انصرفت؟ فكان موقفها ودعمها الروحي وتشجيعها سبباً لتحويل زهير إلى معسكر الحسين عليه السلام.

4- شر الحاسدين
الحسد شجرة خبيثة، لها فروع خبيثة، كالحقد والعداوة والإيذاء والكبر والقتل الخ، وقد ورد الكثير في ذمِّه، قال الصادق عليه السلام:"إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب"8.

وعن الصادق عليه السلام: "آفة الدين الحسد والعجب والفخر"9.

وهنا نورد كلاماً للإمام الخميني قدس سره للفائده:

آفة الحسد
عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال:

قال اللَّه عزَّ وجلّ‏َ لموسى بن عمران عليه السلام: "يا بن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي, ولا تمدن عينيك إلى ذلك, ولا تُتَبعِهُ نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي, صادٌ لقسمي الذي قسمت بين عبادي ومن يك كذلك فلست منه وليس مني".

يقول الإمام الخميني قدس سره في معرض شرحه للحديث المتقدم:

إن "الحسد" حالة نفسية يتمنى صاحبها سلب الكمال والنعمة التي يتصورها عند الآخرين، سواء أكان يملكها أم لا، وسواء أرادها لنفسه أم لم يردها، وهذا يختلف عن "الغبطة" لأن صاحب الغبطة يريد النعمة التي توجد لدى الغير، أن تكون لنفسه، من دون أن يتمنى زوالها عن الغير.

وأما قولنا "النعمة التي يتصورها عند الآخرين" فنعني به أنّ‏َ تلك النعمة قد لا تكون بذاتها نعمة حقيقية. فطالما تبين أن الأمور التي تكون بحد ذاتها من النقائض والرذائل، يتصورها الحسود من النعم والكمالات، فيتمنى زوالها عن الآخرين، أو أن خصلة تعدَّ من النقائص للإنسان ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد في مرتبة الحيوانية فيراها كمالاً، ويتمنى زوالها فهناك بين الناس، مثلاً أشخاص يحسبون الفتك بالغير وسفك الدماء موهبة عظيمة. فإذا شاهدوا من هو كذلك حسدوه، أو قد يحسبون سلاطة اللسان وبذاءته من الكمالات وتصور وجود النعمة، لا النعمة لنفسها، فالذي يرى في الآخرين نعمة حقيقية كانت أو موهومة ويتمنى زوالها، يعدُّ حسوداً.

اعلم أن للحسد أنواعاً ودرجات حسب حال المحسود وحسب حال الحاسد وحسب حال الحسد ذاته أما من حيث حال المحسود، فمثل أن يحسد شخصاً لما له من كمالات عقلية، أو خصال حميدة، أو لما يتمتع به من الأعمال الصالحة والعبادية، أو لأمور خارجية أخرى، مثل امتلاك المال والجاه والعظمة والاحتشام وما إلى ذلك، أو أن يحسد على ما يقابل هذه الحالات من حيث كونها من الكمال الموهوم الموجود في المحسود.

وأما من حيث حال الحاسد فقد ينشأ الحسد أحياناً من العداوة، أو التكبر، أو الخوف وغير ذلك من الأسباب والعوامل.

وأما من حيث حال الحسد نفسه، الذي نستطيع أن نقوله أنها الدرجات. والتقسيمات الحقيقية للحسد دون ما سبق ذكره فلشدته وخفته مراتب كثيرة تختلف باختلاف الأسباب كما تختلف باختلاف الآثار.

*في كنف الوحي، إعداد ونشر جمعية المعارف الاسلامية الثقافية، طـ1 ،ايلول2004م ، ص99-107.


1- قيل نزلت في المدينة.
2- نور الثقلين، ج‏5، ص‏716.
3- نور الثقلين، ج‏5، ص‏716.
4- نور الثقلين، ج‏5، ص‏716.
5- الدعوات للراوندي، ص‏168.
6- نهج البلاغة، الكتاب 45.
7- بحار الأنوار، المجلسي، ج‏14، ص‏181.
8- بحار الأنوار، ج‏73، ص‏237.
9- بحار الأنوار، ج‏73، ص‏248.

17-08-2009 عدد القراءات 4008



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا