25 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 08 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

وصايا رساليّة :: السيد مصطفى الخميني

الفطرة على التوحيد



 

وصيّةٌ من راقم هذه الحروف إلى القارئ الأخ الكريم وإلى قرّة عيني العزيز: اعلم: أنّ الإنسان فيه قوّة الخيرات والشّرور، وفيه مادّة الحسنات والسّيّئات، ولا تغلّب لهذه القوة وتلك المادة إلى جانبٍ من الجوانب وناحيةٍ من النواحي باقتضاءٍ من ذاتها، بل هي تابعةٌ للصّور الواردة عليها، فإنْ خيراً فهي إلى الخير متحرّكةٌ، وإنْ شراً فهي إليه مائلةٌ ومجبولةٌ. وتلك الصّور الواردة ليست خارجةً عن اختيار الإنسان إلا أنّ منها ما تحت إرادة الآباء والأمهات، فإذا كانت الأصلاب شامخةً والأمهات مطهّرةً، يولد الإنسان الجامع للهيئات الحسنة، القابلة للحركة نحو الخيرات المطلقة، ويأتيان بالمولود المجبول على الحسنات والمشغوف بالخيرات، وإذا كانت الأصلاب والأرحام منحرفةً ومظلمةً، فتكون النّطف محجوبةً بالحجب الظلمانية1، وبالقوى والطّبائع المنحرفة الشّيطانيّة، فيأتيان بالمتهوّدين والمتنصّرين، كما ورد: أن أبويه يهوّدانه وينصّرانه، وإلا فكلّ مولودٍ يولد على الفطرة2، ويكون مجبولاً على التّوحيد والحركة نحو الكمال المطلق.

صيانة الفطرة بهداية القرآن

وإذا بلغ الإنسان حدّ الاختيار والإرادة، فلا بدّ من المحافظة على تلك الصّور الواردة حتى تُحفظ القوى والطّبائع الإلهيّة المودعة فيه، وتسير إلى جانب الحقّ والحقيقة، وتسافر إلى دار الله، وهي دار الوجود والبقاء، ومن الأسباب الّتي تُمكِّن الإنسان من صيانة تلك الخمائر والسّجلّات في ذاته، هي تطبيق روحيّاته على الكتاب العزيز والقرآن الكريم والصّراط المستقيم، وأنّه إذا قرأ هذه الآيات في ابتداء سورة البقرة، لا يقتنع بمجرد اللّقلقة، وتحسين الصّوت، وتجويد الحروف والكلمات، بل يكون على بصيرة من أمره، مهتدياً بالآيات، ومترنّما ومترقّياً بالحروف والكلمات، مواظباً على إيلاجها في قلبه، وإرساخها في روحه ونفسه، ويستمدّ منها، ويتغذّى بغذائها، كما يتغذّى بسائر الأغذية، ويجاهد في سبيل ربّه بهدى الرّبوبيّة، حتّى يكون من المفلحين الفائزين الذين مدحهم إله العالمين، من غير اغترار بما في تخيّلاته وتسويلاته من المفاهيم القالبيّة، الخالية عن المعاني والأنوار القلبيّة. والله ولي التّوفيق3.

* من كتاب بصر الهدى، سلسلة وصايا العلماء، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- وهي الحجب الرّاجعة إلى نقص المخلوق وقواه ومداركه؛ بسبب الإمكان والفقر والاحتياج والحدوث وما يتبع ذلك.
2- راجع عوالي اللآلي، ج 1، ص 35، والدّر المنثور، ج 5، ص 155.
3- الخمينيّ، الشّهيد السّيّد مصطفى، تفسير القرآن الكريم، ج 3، ص 94 -95.

20-02-2014 عدد القراءات 4763



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا