25 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 08 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: وصايا الأولياء

قضاء حاجة الإخوان



نصُّ الوصيّة:
رَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعْبَةَ فِي تُحَفِ الْعُقُولِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُنْدَبٍ: "يَا ابْنَ جُنْدَبٍ الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَاضِي حَاجَتِهِ كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ الله يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَمَا عَذَّبَ الله أُمَّةً إِلَّا عِنْدَ اسْتِهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ..."1.

تمهيد

هناك مسألة مهمة ينبغي للمؤمن أن يتنبّه إليها، وهي مسألة لها دور كبير في طريق تطوّره ورقيّه الروحي والنفسي والمعنوي، وهذه المسألة هي كيفية تعاطي الإنسان المؤمن مع النصوص الشرعية وكيفية تلقّيه لها، سيّما الأخبار والروايات والوصايا الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، فإنَّ طريقة تلقّي الإنسان المؤمن لكلام أهل البيت عليهم السلام والكيفية التي بها يسمع ويتلقف كلامهم لها دورٌ كبيرٌ وأساس في تفاوت الناس من حيث مراتب الاستفادة والتأثر والتفاعل مع كلماتهم عليهم السلام.

وصايا المعصومين عليهم السلام خطابٌ مباشرٌ لنا

للمؤمن مع كلام أهل البيت عليهم السلام حالتان: فتارة هو يتلقّى كلام أهل البيت عليهم السلام ويستمع له من باب أنّه قصص الأولين وأنّه كلام قيل لغيره، وهو إنما يستمع إليه لما فيه من حكمة وعبرة حصلت في الزمان الغابر لا تتصل به ولا تعنيه بشكل مباشر، إلا أنّه يستأنس بها، وبما فيها من حكاية عن أحوال أهل ذلك الزمان، وفي أحسن الأحوال تراه ينقلها لأهله ومجتمعه كشواهد أخلاقية وحكايات ونصائح تحكي عن المجتمع أو الفرد المثالي.

وتارة يكون المؤمن ملتفتاً وفاهماً ومستوعباً إلى أَنَّ كلامهم عليه السلام يُمثّل خطاباً مباشراً له، فالإمام المعصوم عليه السلام يُخاطبه بشخصه، وناظرٌ إليه بخصوصه ومراقب له ومنتظر منه الامتثال لهذه التوجيهات التي خاطبه بها كأحسن ما يكون الانقياد والامتثال.

وبين هاتين الحالتين اختلافٌ كبيرٌ في كيفية التفاعل والتأثّر بكلامهم، ففي الحالة الثانية سيكون التأثير كبيراً لكلامهم عليه السلام على روحية المؤمن، بحيث يكون كلامهم عليه السلام بالنسبة إليه النور والدستور والطريق التي سوف يسير على أساسه في حياته ويتفاعل به مع مَن هم حوله، وسوف يؤدّي الانقياد التام إلى توجيهاتهم عليه السلام والشعور الدائم بأنّه تحت نظرهم ورقابتهم عليه السلام إلى السعي نحو نيل أعلى مراتب الكمال، والرقي في أشرف منازل الورع والتقوى, ليكون بذلك من المقرّبين لديهم عليه السلام.

الغفلة عن كلامهم توجب أذيتهم عليه السلام

أمّا في الحالة الأولى وما شابهها من حالات الغفلة والسهو عن كلام أهل البيت عليهم السلام، فإنّ المؤمن في تلك الحال يكون من أكبر الغابنين لنفسه، ومن أكثر الخاسرين لأعظم الفرص والمفرّطين بأقدس الكنوز، وفوق ذلك كلّه يكون الغافل الساهي ممن يُسبّب الأذى للمعصومين عليهم السلام، ويُدخل الحزن على قلوبهم الشريفة، ويجعل كلامهم في معرض التوهين بإهماله وتهاونه بقداسة ما يصدر عنهم عليه السلام، وقد روي أنّه حضر عند الإمام الباقر عليه السلام ذات يوم جماعة من الشيعة، فوعظهم وحذّرهم وهم ساهون لاهون، فأغاظه ذلك، فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه إليهم فقال: "إِنَّ كلامي لو وقعَ طرفٌ منه في قلبِ أحدِكم لصار ميتاً، ألا يا أشباحاً بلا أرواح وذباباً2 بلا مصباح، كأنّكم خشبٌ مسندةٌ وأصنامٌ مريدة، ألا تأخذون الذهبَ من الحجر؟ ألا تقتبسون الضياء من النور الأزهر؟ ألا تأخذون اللؤلؤ من البحر؟... ويحك يا مغرور ألا تحمد مَنْ تعطيه فانياً ويعطيك باقياً... كأنّك قد نسيت ليالي أوجاعك وخوفَك، دعوته فاستجاب لك، فاستوجب بجميل صنيعه الشكر، فنسيته فيمن ذكر، وخالفته فيما أمر، ويلك! إنّما أنت لصٌّ من لصوص الذنوب، كلّما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه، فارتكبته كأنك لستَ بعين الله، أو كأنَّ الله ليس لك بالمرصاد..."3.

قضاء حوائج المؤمنين من أعظم الجهاد

وبالعودة إلى وصية الإمام الصادق عليه السلام نقول: إِنَّ المتأمّل في أحكام الشريعة بشكلٍ عامّ يجد أَنَّ المولى سبحانه وتعالى قد وضع المؤمن في حالة من الجهاد دائم، فلا تكاد تخلو حالة من أحوال المؤمن لا يكون فيها على جهاد في سبيل الله، فالمؤمن إمّا مشغولٌ بالجهاد الأكبر ومنكبٌّ على محاربة نفسه التي بين جنبيه، وإمّا هو مجاهد في خدمة الدين والمجتمع والإخوان، وينبغي أنْ نلتفت إِلَى أَنَّ المؤمن لا يجدر به أن يتهاون في بعض مسائل الشريعة استصغاراً منه لها، أو ظناً بأنّها أصغر من غيرها شأناً وأقل منها قيمة وأثراً في نظر المولى تعالى، فإنَّ هذا خطأٌ كبيرٌ سببه الجهل بأحكام المولى تعالى، ووقوع المؤمن فيه شيءٌ خطيرٌ، قد يؤدّي به فيما بعد إلى ما لا تحمد عقباه، وفي أقل الأحوال يكون خارجاً عمّا شرّعه له مولاه ومخالفاً له في ما يحبه له ويريده منه، فضلاً عمّا فيه من مفاسد أخرى قد تطال الفرد والمجتمع.

ومن جملة هذه الأبواب العظيمة التي جعلها الله تعالى سبباً ومغنماً في الدنيا، وتوجب لمن عمل بها الأمن والنجاة في الآخرة، هي مسألة قضاء حوائج المؤمنين.

ولذا جاء التأكيد عليها في الكثير من الروايات منها: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "احرصوا على قضاء حوائج المؤمنين وإدخال السّرور عليهم ودفع المكروه عنهم فإنّه ليس من الأعمال عند الله عزّوجلّ بعد الإيمان أفضل من إدخال السّرور على المؤمنِين"4.

وهذه المسألة من ضمن المسائل التي كانت عرضة للغفلة والتهاون، حيث يغفل المؤمنون عن أهميتها أحياناً أو يقع منهم التهاون بها, ظناً منهم أَنَّ غيرها من الأمور العبادية قد تفوقها أهمية بحسب نظرهم القاصر، فاحتاج أهل البيت عليهم السلام إلى التنبيه على أهمّيتها والحثّ عليها، فجعلوها في ضمن وصاياهم التي تركوها للأمة, إشارة منهم إلى ضرورة عدم خلو المجتمع الديني منها، وبيّنوا عظيم الأثر والثواب المترتّب عليها، وعظيم الخطر والفساد المترتّب على تركها, لأنَّ أحكام الشريعة المقدّسة يكمّل بعضها بعضاً فلا تحصل النتيجة الكاملة المرجوة منها فيما لو وقع التهاون والإهمال في بعضها، فالمداومة ـ مثلاً ـ على الصلاة والصوم والحج من جهة، وإغفال قضايا الناس وحوائجهم من جهة أخرى، يُعطي نتيجة ناقصة في مجال تطبيق الشريعة، وهذا خلاف غرض الله تعالى من جعل التكاليف.

فقد روى الكليني قدس سره عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: "كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام فَعَرَضَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانَ سَأَلَنِي الذَّهَابَ مَعَهُ فِي حَاجَةٍ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام وَأَذْهَبَ إِلَيْهِ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ إِذْ أَشَارَ إِلَيَّ أَيْضاً فَرَآهُ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام فَقَالَ يَا أَبَانُ إِيَّاكَ يُرِيدُ هَذَا، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ، قُلْتُ: فَأَقْطَعُ الطَّوَافَ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ، قَالَ: نَعَمْ..."5.

ومن هنا ينبغي للمؤمنين إعادة النظر فيما قد يصدر عنهم في هذا المجال مما قد يكون مصداقاً لهذه الشبهة، فكثيراً ما نشاهد ونسمع من بعض المؤمنين أنّهم قد يعتذرون عن خدمة إخوانهم، فيعطّلون قضاء حوائجهم بمثل الانشغال بالصلاة أو الاعتكاف أو الزيارة وما شاكل ظناً منهم أَنَّ هذا أهمّ من ذاك، في حين أَنَّ رضا الله تعالى في هذه الحالات كان في غير ما توهّموه بحسب ما ورد في الرواية، فكيف بمن يعتذر ويتعلّل بما هو أقلّ من ذلك، فيهمل حوائج إخوانه طلباً للراحة والرخاء مثلاً ؟!!

الاستهانة بحقوق الإخوان توجب عذاب الأمة

إِنَّ الله سبحانه وتعالى هو المالك الحقيقي لهذا الكون، وهو سبحانه مالك الدين وصاحب الشرع، وبيده التصرُّف في الثواب والعقاب، وبيده أن يجعل الثواب الجزيل والخير الكثير على الأمور التي قد تكون بنظرنا القاصر مجرّد أمور صغيرة قليلة الأهمية، وبيده سبحانه أن يجعل العقاب الخطير والعذاب الأليم على أمور قد تكون حقيرة وتافهة بنظرنا القاصر الضعيف، ولذلك فإنَّ الميزان الصحيح الذي يعصمنا عن الخطأ في تقدير موقفنا وتكليفنا في هذا المقام هو أن ننظر ونراقب اهتمام المولى تعالى في ما يأمرنا به وينهانا عنه، ومن خلال اهتمام المولى بالشيء نستكشف أهميته في الشريعة، ولا يجوز لأحدٍ من المكلفين أن يستقلّوا بأن يقرّروا بأنفسهم ما هو الشيء المهم وما ليس كذلك، فمن قول الإمام عليه السلام: "الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَاضِي حَاجَتِهِ كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ الله يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَمَا عَذَّبَ الله أُمَّةً إِلَّا عِنْدَ اسْتِهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ..." نستكشف أهمية وخطورة مسألة قضاء حوائج المؤمنين عند المولى، وأنّ غرضه هو انتشار هذه الظاهرة في المجتمع الإيماني، والمبالغة في الاهتمام بها، والحثّ عليها حتى جعل لها هذه الآثار الخطيرة والكبيرة، فأعطى لمن امتثل ثواب أكبر وأقدس شهداء الإسلام، وجعلها كالتصدي للجهاد في معارك مفصلية وأساسية في تاريخ الإسلام، ولولاها لما قامت للدين قائمة، وجعل من آثار إهمالها والاستهانة بها نزول العذاب على الأُمّة التي تهمل هذه القضية الخطيرة عنده تعالى، فلا تعمل على نشرها وترويجها، وجعلها من الظواهر التي يبتني عليها المجتمع المؤمن.

بل إِنَّ الظاهر من قول الإمام عليه السلام: "وَمَا عَذَّبَ الله أُمَّةً إِلَّا عِنْدَ اسْتِهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ" أَنَّ الاهتمام بحقوق الإخوان موجبٌ لتأخير نزول العذاب على الأمة المستحقة للعذاب، مع أَنَّ الأمم لا تستحق نزول العذاب عليها إلا بارتكابها لأشياء كبيرة وخطيرة كالكفر والتجبّر والعصيان للمولى، إلا أَنَّ المولى تعالى يعطيها المزيد من الفرص ويؤخّر عنها ما تستحقه من عذاب ما دامت محافظة على مسألة حقوق فقرائها، ويسعى أهلها في قضاء حوائج بعضهم، فإذا فرّطوا في ذلك أيضاً أنزل الله تعالى عليهم العذاب, لأنّه لم يعد بينهم وبين العذاب حاجب.

فالله تعالى قد يتجاوز ويؤخّر عقاب الكافر المشرك لأجل أن يعطيه المزيد من الفرص، وليُظهر له أنّه يحبّ له أن يدخل في الدين لأجل ما عنده من صفات حسنة يحبها الله تعالى ويحبّ أن يراها في المجتمع الإيماني، كما وقع للكافر الذي كان يتآمر مع جماعة على اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأطلع الله نبيه على ذلك، فأرسل صلى الله عليه وآله وسلم إليهم علياً عليه السلام فقاتلهم وجاء بهم أسارى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقدمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعرض الإسلام على الأول فأبى، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام بقتله فقتله، ثم عرض على الثاني كذلك فأبى، فقُتل أيضاً، فلما وصل إلى الثالث الذي أبى الإسلام أيضاً فوضعه علي عليه السلام تحت السيف ليضربه "فهبط جبرائيل عليه السلام فقال: يا محمد إِنَّ ربك يقرئك السلام ويقول لك: لا تقتله فإنّه حسن الخلق، سخيٌّ في قومه، فقال الرجل وهو تحت السيف: هذا رسول ربك يخبرك؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، فقال: والله ما ملكت درهماً مع أخٍ لي قط إلا أنفقته، ولا تكلمت بسوء مع أخ لي، ولا قطبت وجهي في الجدب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: هذا ممّن جرّه حسن خلقه وسخاؤه إلى جنات النعيم"6.

* كتاب وصايا الأولياء، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- ابن شعبة الحرّاني، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرَّسول، ص291، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفّاري، الطَّبعة الثَّالثة 1404، مؤسسة النَّشر الإسلامي التَّابعة لجماعة المدرّسين، قم.
2- في بعض النُّسخ: ذبالاً، وهي: فتيلة المصباح.
3- تحف العقول عن آل الرَّسول، ص290، مرجعٌ سابق.
4- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ص313 ، ج71.
5- الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص171، ح 8، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
6- الشيخ الصدوق، الخصال، ص 96، ح41، تصحيح: علي أكبر غفاري، سنة الطبع 1403، نشر مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرسين، قم المقدسة.

23-06-2014 عدد القراءات 3822



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا