6 تموز 2020 م الموافق لـ 14 ذو القعدة1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: هكذا تكون سعيداً

مفاعيل التوبة



وهنا يُطرح تساؤل حول تلك التسجيلات التي تمّت، وأولئك الشهود الذين حدَّثنا عنهم القرآن الكريم، فكيف يكون حالها مع التائب؟
الجواب من الإمام جعفر الصادق عليه السلام حينما يقول - في ما ورد عنه -: "إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبَّه الله، فستر عليه في الدنيا والآخرة"، فسأله صاحبه ابن وهب: وكيف يستر عليه؟ فأجابه عليه السلام: "يُنسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ثم يوحي إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض: اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى الله حين يلقاه، وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب"1

ومن بشارة هذه الرواية التي جعلها الإمام الخميني قدس سره من أحاديث كتابه القيِّم "الأربعون حديثاً" أنَّ ستر الله تعالى على التائب ليس فقط في الآخرة، بل هو في الدنيا والآخرة، وهذا ما يسكن قلب التائب الذي يخاف من انكشاف أمره في الدني، وعذاب الله في الآخرة.

وقد فتح الله تعالى باب التوبة برحمة للراغبين بسلوك طريق الذكر فتحاً واسعاً عبَّرت عنه رواية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال: وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثم قال وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه، ثم قال: وإن يوماً لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثم قال: وإن الساعة لكثيرة، من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته"2.

ومعنى قبل أن يعاين أي قبل معرفته لحظة المصير الأخير في دنياه وهو الموت. وهذا ما تُشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وقد عبَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام عن فرحة الله لتوبة عبده الآبق، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "الله أشد فرحاً بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد"3.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "إن الله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من رجلٍ أضلّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها"4.

ألا يستدعي هذا أن نتوب إلى الله تعالى ونعود إليه وليخاطب كلٌّ منّا نفسه:
"أيتها النفس الشقيةُ التي قضيت سِنِي عمرك الطويلة في الشهوات ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة، أبحثي عن الرحمة، واستحي من مالك الملوك، وسيري قليلاً في طريق الهدف الأساس المؤدي إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام قليلة فانية لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة".

وهنا ينبري السؤال الأهم:
كيف يتوب المذنب إلى الله تعالى؟

قد يظن بعض الناس أنه يكفي للتوبة والعودة إلى الله تعالى أن يندم الإنسان بقلبه، وهذا ما نلاحظه في أجوبة تلك العيّنات في الدراسة السابقة، فعند سؤالهم:
هل يكفي الندم في التوبة كانت الحصيلة:

الإجابة

النسبة

نعم

20.65%

كلا

69.354 %

والنصوص الدينية توكِّد أن الندم وحده لا يكفي بل لا بُدّ أن ينضم إليه بنود في برنامج التوبة إلى الله تعالى. نعم التوبة التي ضَمِنَ الله قبولها من العبد هي برنامج، وليست موقفاً آنيّاً يصدر عن الإنسان.

وقد حدّد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بنود هذا البرنامج حينما استغفر أحدهم الله تعالى أمامه معبِّراً عن توتبته إلى الله تعالى، فإذا بالإمام علي عليه السلام يقول له:..."أتدري ما الاستغفار؟! إن الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معانٍ:
أولها: الندم على ما مضى.
الثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً.
الثالث: أن تُؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله سبحانه ليس عليك تبعة.
الرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.
الخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السُّحت فتذيبه بالأحزان حتى تُلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: استغفر الله.

1- الندم
وهو تعبير وجداني عاطفي يعبِّر عن مؤاخذة النفس على ما اقترفت من ذنوب.

2- العزم

وهو عبارة عن الإرادة الصلبة القوية بأن لا يعود إلى ارتكاب الآثام.

3- أداء حقوق الناس

في هذا البند بدأ وقت تسجيل برنامج التوبة.
فيا أيها القارئ الحبيب إن أردت أن تدخل في برنامج التوبة فأشعِرْ قلبك بالندم على ما فرطت واعقد العزم على الثبات في خط رضا الله تعالى واحمل قلماً وائت بورقة أو دفتر وحاول أن تستذكر حقوق الناس عليك، فإنّ التخلص من هذه الحقوق أمر في غاية الأهمية، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث عن الذنب: "... أمّا الذي لا يُغفر، فمظالم العباد بعضهم لبعض، إن الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه، فقال: "... وعزَّتي وجلالي لا يجوزني ظلمُ ظالم..."5

وفي حديث آخر للإمام زين العابدين في نقله عن أبيه الحسين عليه السلام عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا كان يومُ القيامة بعث الله تبارك وتعالى الناس من حُفَرِهم غُرْلاً مُهْلاً جُرْداً مُرْداً6 في صعيد واحد تسوقُهم النار، وتجمعهم الظلمة حتى يقفوا على عقبة المحشر، فيركب بعضهم بعضاً ويزدحمون دونها، فيُمنَعون من المُضِيّ، فتشتدُّ أنفاسُهم ويكثر عرَقُهم وتضيقُ بهم أُمورُهم، ويشتدُّ ضجيجُهم وترتفعُ أصواتُهم. قال: هو أوّل هَوْل من أهوال يوم القيامة. فيُشرفُ الجبّار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلالٍ من الملائكة، فيأمرُ ملَكاً من الملائكة فينادي فيهم: يا معشر الخلائق أَنصِتوا واستمعوا مناديَ الجبّار. قال: فيسمع آخرهم كما يسمع أوّلُهم. قال: فتنكسرُ أصواتهم عند ذلك وتخشعُ أبصارُهم وتضطربُ فرائصُهم وتفزعُ قلوبُهم، ويرفعون رؤوسَهم إلى ناحية الصوت مُهْطِعين إلى الداعي7. فعند ذلك يقول الكافر: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ8 قال: فيشرف الله عزَّ وجلَّ ذِكْرُه الحَكَمُ العدْلُ عليهم، فيقول: أنا الله لا إله إلاّ أنا الحكَمُ العدْلُ الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يُظلَم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القويّ بحقّه ولصاحب المظلمة بالقِصاص من الحسنات والسّيئات، وأُثيب على الهبات، ولا يجوز هذه العقبةَ اليوم عندي ظالمٌ ولأحد عنده مَظْلمةٌ إلاّ مظلمة يهَبُها لصاحبها، وأُثيبه عليها، وآخذ له بها عند الحساب، فتلازموا أيّها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا، وأنا شاهدٌ لكم بها عليهم وكفى بي شهيداً. قال: فيتعارفون ويتلازمون، فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حقّ إلاّ لزمه بها. فيمكثون ما شاء الله، فيشتدُّ حالهم، فيكثر عرقهم ويشتدُّ غمُّهم وترتفع أصواتهم بضجيج شديد، فيتمنَّوْن المَخْلَصَ منه بترك مظالمهم لأهلها.

ويطلع الله عزَّ وجلَّ على جهدهم فينادي منادٍ من عند الله تبارك وتعالى يسمعُ آخرهم كما يسمع أوّلُهم: يا معاشر الخلائق أنصِتوا لداعي الله تبارك وتعالى واسمعوا، إنّ الله تبارك وتعالى يقول لكم: أنا الوهّاب، إن أحببتم أن تُواهبوا فتَواهَبوا وإن لم تُواهبوا أخذتُ لكم بمظالمكم. فيفرحون بذلك لشدّة جُهدهم، وضيق مسلكهم، وتزاحمهم. فيَهَبُ بعضُهم مظالمَهم رجاءَ أن يتخلّصوا ممّا هُم فيه، ويبقى بعضُهم فيقولون: يا ربُّ مظالمنا أعظم من أن نهَبَها.

قال: فينادي منادٍ من تلقاء العرش: أين رضوان خازن الجِنان، جِنان الفردوس؟ فيأمر الله عزَّ وجلَّ أن يُطلِعَ من الفردوس قصراً9 من فضّة بما فيه من الآنية والخدم. فيُطلعه عليهم في حَفافة القصر والوصائف10 والخدم. فينادي منادٍ من عند الله تبارك وتعالى: يا معشرَ الخلائق ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر. قال: فيرفعون رؤوسهم فكلُّهم يتمنّاه. قال: فنادى منادٍ من عند الله تبارك وتعالى: يا معشرَ الخلائق، هذا لكلّ من عفى عن مؤمن. فيعفون كلُّهم إلاّ القليل.

قال: فيقول الله عزَّ وجلَّ: لا يجوز إلى جنتي اليوم ظالم، ولا يجوز إلى ناري اليوم ظالم، ولأحد من المسلمين عنده مظلمة حتى يأخذها منه عند الحساب، أيُّها الخلائق استعدّوا للحساب. ثمّ يُخلي سبيلهم، فينطلقون إلى العقبة يَكْرُدُ11 بعضُهم بعضاً حتى ينتهوا إلى العرصة، والجبّار تبارك وتعالى على العرش، قد نُشِرَت الدواوين، ونُصِبَت الموازين، وأُحضر النبيّون والشهداء وهم الأئمّة، يشهد كلُّ إمام على أهل عالمه بأنّه قد قام فيهم بأمر الله عزَّ وجلَّ ودعاهم إلى سبيل الله.

أظن أن هذه الرواية تُحفِّزك أيها القارئ الحبيب لتستذكر كل حق للآخر عليك ولم تؤدّه، سواء كان في أخذ مال بغير حق، حتى لو كان من الأب بدون علمه، أو من الزوج كذلك بدون علمه، أو كان بإتلاف مال للآخر ككسر زجاج منزل أو اصطدام سيارة متوقّفة، أو كان أمانةً قديمة لم تعرف بسبب ظروف ما...إلخ.

وحكم ردّ حقوق الناس يشمل ما أخذه أو فعله الإنسان في أموال الآخرين وهو صغير لم يبلغ مرحلة التكليف، فإنّه في صغره وإن كان لا يأثم ولا يُسجّل عليه العقاب، إلا أنه حينما يكبر ويبلغ يكون مسؤولاً عن كل فعل قام به يتعلّق بحقوق الآخرين.

أيها القارئ الحبيب استذكر جيد، وسجّل كل ذلك، ثم اسعَ لردِّ حقوق أولئك الناس.
قد يكون الأمر محرجاً للإنسان من خلال الصعوبة المعنوية في كشف شخصيته السابقة أمام الآخرين. لكنَّ لله تعالى خفّف عن التائب ولم يطلب منه أن يكشف نفسه، فإنه يستطيع أن يوصل الحق بأية طريقة يضمنها بدون الحاجة أن يعرف الآخر القصّة الكاملة لهذا الحق.

وفي حال لم يتمكن التائب من معرفة صاحب الحقّ، أو من الوصول إليه، فهناك طريق آخر رسمته الشريعة الإسلامية وهو التصدّق بهذا المال بإذن الحاكم الشرعي - إلى الفقراء عن نيّة صاحبه، ليكون هذا الفعل جواباً لصاحب الحق حينما يسأله عنه يوم القيامة. وهذا ما يسمّى بردّ المظالم.

* كتاب هكذا تكون سعيداً، سماحة الشيخ أكرم بركات.


1- الكليني، محمد بن يعقوب الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، ط4، قم، دار الكتب الإسلامية، ج2، ص 431.
2- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج6، ص 19.
3- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج1، ص 541.
4- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص 435.
5- المصدر السابق، ص 443.
6- وفي المصدر عزلاً بهماً وعزلاً: لا سلاح لهم. بُهْماً: ليس معهم شيئاً لحية.
7- أي يمدّون أعناقهم لسماع صوته. مُهْطِعين أي مسرعين وأهطع إذا مدّ عنقه.
8- سورة القمر، الآية: 8.
9- أي يظهره لهم.
10- الوصائف: جمع الوصيفة أي الجارية.
11- الكرد: الطرد والدفع.

30-08-2014 عدد القراءات 3362



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا