22 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 23 صفر 1441 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

الولاية لله تعالى



يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون1

تمهيد
من صفات حزب الله الولاية لله تعالى فما معنى الولاية لله، وكيف يكون العبد وليّاً لله تعالى؟
إنّ وليَّ الله هو من بلغ درجة من الإيمان ترتفع فيها الموانع والمبعدات والحجب فيما بينه وبين مولاه وخالقه.

الوليّ لله في أيّ درجة من الإيمان
فالوليّ لله هو المؤمن ولكن بدرجة راقية من الإيمان. ولكي نتصوّر تلك المرتبة من الإيمان والدرجة من اليقين الّتي يصل إليها الوليّ نبيّن مراتب الإيمان الّتي أشار إليها كتاب الله الكريم علَّنا نعلم بنحوٍ من العلم مرتبة الوليّ ودرجته في الإيمان:

مراتب الإيمان في القرآن
إنّ المرء يتلفّظ بالشهادتين لدخوله في الإسلام ظاهراً، سواء وافقه القلب، أم خالفه، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ2.

1- ثمّ تأتي المرتبة الأولى من مراتب الإيمان وهي الإذعان القلبيّ الإجماليّ بمضمون الشهادتين. وهذا يجعل من الإنسان ملتزماً غالباً بالفروع, وإن كان لم يسلِّم قلباً لبعضها تسليماً تفصيلياً. ويعقب هذه المرتبة الدرجةُ الثانية للإيمان وهي:

2-التسليم والانقياد القلبيّ لجلّ الاعتقادات الحقّة التفصيلية وما يتبعها من الأعمال الصالحة, يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون3.

وهؤلاء قد يحصل منهم التجاوز في بعض الموارد وإن قلّت..

3- ثمّ إنّ النفس إذا وصلت إلى هذه المرتبة من الإيمان واستقرّت عليها تخلّقَت بكلّ الأخلاق الفاضلة وسيطرت على القوى الخيالية والغضبية والشهوية, وحصلت لها ملكات: العدالة, والعفّة، والشجاعة، والحكمة، وأصبح حال الإنسان مع ربّه حال العبد المملوك مع مولاه, فكلّه انقياد للأوامر والنواهي الإلهية, ولا محلّ في نفسه وقلبه للاعتراض والسخط على قضاء الله تعالى وقدره وأحكامه سواء في التكوين أم التشريع:

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمً4.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين5.

فإذا تمحّض العبد بالعبودية ونالته جذبة إلهيّة ومَنّ الله تعالى عليه بحقيقة كونه عبداً وانتقش ذلك في نفسه، فإنّه سيشهد ويذعن ويقرّ بأنّ المُلكَ للهِ وحده, وما يملكه غيره ملكاً ظاهراً هو تخويلٌ منه تعالى وليس ملكاً حقيقياً، فلا مالك على التحقيق سواه ﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ6عندها سيصل إلى مرتبة أولياء الله المستجمعة لكلّ المقامات المعنوية العرفانية والأفعال.

ومن قصص اليقين الّتي تروى قصّة معبّرة تشير إلى مدى تأثير اليقين على الإنسان وأنّ اليقين ليس كلمة على اللسان، بل له علامات وآثار، فليس كلّ من ادّعى اليقين هو من أصحابه.

عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّاً لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله من قوله وقال له: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الّذي أحزنني، وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب، وحشر الخلايق لذلك، وأنا فيهم، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون على الأرائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون، وكأنّي الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي. فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان، ثمّ قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشابّ: ادعُ الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر"7.

الأمور الموصلة إلى القرب الولائيّ

1- الأعمال القربيّة
إذا كانت الولاية ناتجَ القرب فلا بدّ من بحث الأمور الّتي تقرِّب إلى الله تعالى قرباً يتيح هذه المنحة الربانية العظيمة.
عن حمّاد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عزّ وجلّ: "من أهان لي وليّاً فقد أرصد لمحاربتي وما تقرّب إليّ عبد بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه وإنّه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به ولسانه الّذي ينطق به ويده الّتي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته..."8 فالطريق إذاً هو الأعمال القربيّة المقبولة. وقد أوضحت الآثار الشرعية أركان القربات الموصلة إذا اجتمعت فيها شرائط القبول:

فعن إمامنا الرضا عليه السلام قال: "الصلاة قربان كلّ تقي"9.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام:"إنّ الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً"10.

ويقول تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ11.

فالعبادة سلّم اليقين..

2- الزهد والورع
فإنّه للوصول إلى القرب الولائيّ لا بدّ من هذين الأمرين المهمّين (الزهد والورع): عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي ذرّ (رض): يا أبا ذرّ: "إنّ أهل الورع والزهد في هذه الدنيا هم أولياء الله حقّاً"12

3- قصر الأمل, وعدم نسيان الموت, والحياء من الله تعالى حقّ الحياء
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال أيضاً لأبي ذرّ(رض): يا أبا ذرّ أتحبّ أن تدخل الجنّة؟ قال: نعم فداؤك أبي. قال صلى الله عليه وآله وسلم: فاقصر من الأمل, واجعل الموت نصب عينيك, واستحِ من الله حقّ الحياء. قال: يا رسول الله كلّنا يستحي من الله. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الحياء من الله أن لا تنسى المقابر والبلى، والجوف وما وعى, والرأس وما حوى. ثمّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ومن أراد كرامة الآخرة فليدع زينة الدنيا, فإذا كنت كذلك أصبت ولاية الله"13.

أوصاف الأولياء على ألسِنَة المعصومين عليهم السلام
اتّضح إذاً أنّ أولياء الله تعالى هم الخلّص من المؤمنين الّذين أخلصوا قلوبهم للباري عزّ وجلّ، فهل لهم أوصاف يُعرفون بها؟

من الطبيعيّ أن يكون الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام قد بيّنوا تلك الأوصاف لأولياء الله تعالى، وهذا بعض ما رشح عنهم عليهم السلام:

التذكير بالله من صفات الأولياء
عن النبيّّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه سئل عن أولياء الله، فقال: "هم الّذين يذكِّرون الله برؤيتهم" يعني في السمت والهيئة"14.

التّحابّ في الله
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا سئل عن قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ قال: "هم الّذين يتحابّون في الله"15.

الإخلاص ونظرهم العميق الى الدنيا
عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه لأولياء الله سبحانه: "هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، فعرفوا آجلها حين غرّ الناس سواهم بعاجلها، فتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم، وأماتوا منها ما علموا أنّه سيميتهم"16

الذكر, والشكر، والصبر
وعنه عليه السلام -: "إنّ أولياء الله لأكثر الناس له ذكراً, وأدومهم له شكراً, وأعظمهم على بلائه صبراً"17.

كثرة العمل، وقلّة الزلل
وعنه عليه السلام: "إنّ أولياء الله تعالى كلّ مستقرِبٍ أجلَه, مكذّبٍ أملَه, كثير عمله, قليل زللـه"18.

نظر العبرة، ونطق الحكمة، ومشي البركة
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكراً, ونظروا فكان نظرهم عبرة, ونطقوا فكان نطقهم حكمة, ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة, لولا الآجال الّتي قد كُتبت عليهم لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب وشوقاً إلى الثواب"19.

الثقة بالله، والغنى بالله، والافتقار إلى الله
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاث خصال من صفة أولياء الله: الثقة بالله في كلّ شيء, والغنى به عن كلّ شيء, والافتقار إليه في كلّ شيء"20
ولعلوّ هذه المرتبة من الإيمان واليقين تجد أنّ الأولياء هم قلّة من لدن آدم عليه السلام وإلى منتهى البشريّة! عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ أولياء الله لم يزالوا مستضعفين قليلين منذ خلق الله آدم عليه السلام"21

ولعلّ رواية الإمام الصادق عليه السلام:"...والمؤمن أعزّ من الكبريت الأحمر"22 تشير إليهم. و(أعزّ) أي أقلّ وأندر, وهنا المقصود بالمؤمن المؤمن الوليّ.

وطبعاً هذه الدرجة للمؤمن تزيد كرامته عند الله تعالى إلى حدّ أنَّ من أهانه فقد بارز الله تعالى بالمحاربة كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

عن جبرئيل عليه السلام عن الله تعالى: "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة"23

انتظار القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف من صفات الأولياء
في الإكمال: عن الصادق عليه السلام: "طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته, والمطيعين له في ظهوره, أولئك أولياء الله الّذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"24.فعلى كلّ من يريد أن يكون من حزب الله بحسب النظر القرآنيّ أن يسعى لتحقيق الولاية وما يكون موصلاً إليها من صفات بالمقدار الّذي يطيقه ويقدر عليه.

﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون.

*اولئك حزب الله , سلسلة الدروس الثقافية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- سورة المائدة، الآية: 56.
2- سورة الحجرات، الآية: 14.
3- سورة الحجرات، الآية: 15.
4- سورة النساء، الآية: 65.
5- سورة البقرة، الآية: 131.
6- سورة الأنعام، الآية: 94.
7- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 67، ص 159.
8- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 2،ص 352.
9- الكافي، الشيخ الكليني، ج 3، ص 266.
10- نهج البلاغة، الخطبة:190.
11- سورة الحجر، الآية: 99.
12- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 74، ص 87.
13- م. ن، ج 74، ص 83.
14- التفسير الصافي، الفيض الكاشاني، ج 2، ص 409.
15- ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، ج 4، ص 3699.
16- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 66، ص 319.
17- ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، ج4، ص 3699.
18- عيون الحكم والمواعظ, للواسطي، ص 157.
19- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص 237.
20- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 20، ص 103.
21- م.ن، ج65، ص 154.
22- انظر: م. ن، ج 64، ص 159.
23- م. ن، ج 16، ص 70.
24- انظر: تفسير نور الثقلين، الشيخ الحويزي، ج 2، ص 309.

31-01-2015 عدد القراءات 3884



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا