17 آب 2019 م الموافق لـ 15 ذو الحجة 1440 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: مشاكل الشباب

العشق وأحلامه



كثير من حوادث الهروب، الإنفصال، الإنتحار ناشئة عن عدم إنطباق أحلام العشق السابقة على الحياة الواقعية اللاحقة إنّ خطر الإنزلاق في تيار العشق غير المقدّس وغير المثمر يهدّد كل شاب، لذا يجب أن يحذّر الآباء والاُمّهات أبنائهم من خطر الوقوع فيه حتى يمكن دفعه ورفعه عند الوقوع فيه.

إنّ غرسة العشق تختلف عن بقية الأغراس اختلافاً كثيراً حيث أنها تنمو وتثمر بسرعة جداً، وكما قلنا: ربّما نظرة واحدة فقط - في الأفراد الذين فيهم استعداد خاص لهذا النوع - تصبح بذرة لشجرة قويّة، نعم نظرة واحدة فقط. فكيفية هذه الظاهرة تتطلب مزيداً من الدراسات والأبحاث، إلى جانب الإلتفات إلى أخطاءها، وسنواصل بحثنا السابق بالاستغراق في سائر الأخطار.

العشق والخيال!

لا يوجد شيء ناسج للخيال مثل العشق.

العلاقة بين العشق والخيال معروفة منذ أقدم الأزمنة، إنّ الأشخاص الذين يقعون في شِراك هذه المصيدة يعيشون في عالم خيالي يختلف عن هذا العالم في جميع أشيائه، مقاييسه غير مقاييس هذا العالم وظواهره ليست مجرد قول - على حد قولهم - بل حقيقة قابلة للرؤية، وعلى كل حال فإنّ الألفاظ والعبارات التي خلقت للحياة العادية غير قادرة على وصف الحياة الغرامية وبحبوحة العشّاق!

إنّ الخيال الساحر لشُعراء الغزل وشعرهم اللذيذ نابع من أحلام وخيال الغرام والعشق الحقيقي أو المجازى.

ولهذا السبب نجد أنّ العشّاق المولّهين يسألون أنفسهم - عندما تحلق أرواحهم في عالم العشق الخيالي - ماذا سيحصل عندما يرون محبوبهم؟ وما هي الاُمور التي ستحدث؟

لابدّ أن الأرض ستبدل بغيرها والسماء بسماء اُخرى وتتخذ كل منهما شكلا آخر!

وفجأة سوف يظهر عالم مملوء بالسرور واللذة والمتعة غير قابل للوصف والبيان، ولكن حينما يحظى هؤلاء بوصال محبوبهم ولا يرون شيئاً من تلك الأحلام الحلوة التي نسجوها في خيالهم أو يرون شيئاً قليلا منها يجابهون الواقع وجهاً لوجه ويجدون أنفسهم في مقابله صفراً، نعم يجدون أنفسهم صفراً لا أكثر! وفي هذا الوقت تغمرهم الوحشة القائلة ويخيّم عليهم الغمّ حيث يجدون أنفسهم قد خرجوا من هذه المعاملة التجارية خاسرين، وربّما فكّروا بأنّهم كانوا غافلين أو أنّ هناك أرواحاً خفيّة قد نصبت لهم العداوة والحقد.

لماذا؟
الشيء الذي كان تصوّره بتلك الدرجة من المتعة واللذة لماذا يكون وجوده الحقيقي، هكذا، خالياً من كلّ لذّة ومتعة وحلاوة، لماذا يكون بلا حرارة وسعادة؟!

إنّ وضع هؤلاء - في هذا الوقت - يشبه تماماً وضع الشخص الذي يرى من بعيد لوحة جميلة جذّابة فيسعى وبمشقة تامّة حتى يصل إليها، ولكنه - عندما يصل إليها - لا يجد سوى بعض الخطوط التافهة والألوان العاديّة.

هنا - وفي هذا الوقت - تبرز فيهم ردود الفعل القوية، الهروب من هذه الحياة، البعد والإنزواء، الإنتحار... أو ردود فعل حادّة أُخرى.

العشق والآمال

من الطبيعي أن العشّاق المولّهين يتجاوزون كل شيء في سبيل معشوقهم وإذا لم نقل بهذا، فعلى الأقل: نجد فيهم استعداداً للتجاوز عن كلّ شيء، ولكن عندما تهدأ فيهم نار الغرام نجدهم يتوقّعون أموراً عجيبة وينتظرون أشياء غريبة.

ومن هنا اثر عدم تحقق ما ينتظرون ويتوقعون تبدأ حياتهم المملّة المضنية فيبدأون يئنون منها ويشكون ويتضجرون ولهذا السبب نجد أن الحياة المستقبلية لهؤلاء تبدو كأنّها جهنم مستعرة حتى ولو أنّهم حضوا بوصال بعضهم البعض.

العشق الثأر

هناك خطر مهم آخر من أخطار العشق، هو نشوء دافع الإنتقام الشديد عند اليأس من الوصال بالمحبوب وعدم الوصول إلى الهدف المقصود.

إنّ التأريخ المعاصر والماضي مليء بالحوادث المفجعة التي ارتكبها العشّاق المولّهون، والتي لم يذهب ضحيتها سوى المحبوب نفسه.

إنّ سبب هذه الحوادث المفجعة واضح وجليّ من وجهة نظر علم النفس.

إنّ هذا العشق الملتهب العظيم بهذا التيار العنيف يرغم العاشق على احترام المعشوق وحبّه حتى العبادة طالما يحس بأنّ هناك بارقة أمل للوصول إليه ولكنه حينما يستولي اليأس عليه فإنّ هذا التيار القوي ينقلب فوراً إلى قوّة معادية قويّة - مثل الكرة التي تصطدم بشدّة بمانع فترجع إلى الخلف - لأنّه لا يمكن أن ينطفئ فجأة وبسرعة، فالعاشق يرى كل شيء سهلا وصغيراً وقابلا للتحمّل مادام هناك أمل بالوصال، أما عندما ييأس فإنّه لا يهاب أي مانع يقف دونه وفي طريق الإنتقام، وغالباً ما نجد أنّ العاشق لا يهدأ ولا يستقر ما لم يثأر لنفسه ولحبّه الضائع، وهذا هو رد الفعل غير المطلوب فإذا لم يستطع أن يثأر لحبّه لسبب ما، فإنّه غالباً ما يقدم على الإنتحار، ونماذج هذا النوع كثيرة، ولذلك نجد العاشق ينتقم لحبّه الضائع إما من محبوبه أو من نفسه.

هذا غيض من فيض أخطار العشق الناري الملوث الذي لا يؤول إلى مآل.

23-03-2016 عدد القراءات 1398



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا