22 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 23 صفر 1441 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: مشاكل الشباب

العشق الملتهب



طريق مليء بالمخاطر في حياة الشباب قالوا عن العشق كثيراً، وتحدثوا عن عظمته كما تحدثوا عن الأمراض والجنون الناتجة عنه، ولعلها الكلمة الأوفر حظاً في الاسهاب عنها بهذه التعابير المختلفة والمتناقضة. وصف أحد الكتّاب (كوته الألماني) العشق بأنّه عظيم إلى درجة بحيث انه قال: العشق دليل الحياة، وسعادة خالدة.

وقال «هزيه» : العشق معمار العالم.

أما «توماس مان» فقد تحدّث عن معجزات العشق، فيعتقد بأنّ العشق «يجعل الروح أكثر قوّة والإنسان أكثر سعادة».

وقد ذهب بعض الفلاسفة الشرقيين إلى أكثر من هذا، فقد اعتقد بعضهم بأنّ: كل حركة في هذا العالم ناشئة عن نوع من العشق، حتى حركات الأفلاك والمجرّات العلوية.

وبالطبع لو فسّرنا هذه المفردة بمعناها الواسع الشامل - أي كل نوع من أنواع الجذب والانفعال - كان لابدّ من تأييد هذه الأقوال، فليس هنالك ألهب من العشق.

وعلى العكس من ذلك فإننا نجد بعض الفلاسفة والكتّاب قد حملوا على العشق حملات شعواء ووصفوه بأوصاف قبيحة، حتى عدّوه مرضاً من الأمراض الخبيثة.

يقول أحد كتّاب الشرق المعروفين: «العشق مثل مرض السل والسرطان، مرض مزمن يجب أن يفر منه الإنسان العاقل»!

أمّا العالم الفلكي المعروف «كوبرنيك» الذي حاول أن يبقي بعض الشيء في ازدرائه للعشق فقال: «إذا لم نقل بأنّ العشق نوع من الجنون فهو عصارة العقول الضعيفة».

وقد اعتقد «كارلايل» بأنّ العشق «ليس نوعاً واحداً من الجنون بل هو خليط مركّب من أنواع الجنون».

إنّ هذه النظريات والاراء المتناقضة حول العشق - الكلمة المتداولة كثيراً وخاصة في الشعر والأدب - لا يجب حملها على التناقض في موضوع حقيقي واقعي، بل إنّ هذا الإختلاف ناشئ من اختلاف الجهة والزاوية التي ينظر منها الكتّاب والفلاسفة إلى هذه الحقيقة الواقعية.

وبعبارة أخرى إنّ كل واحد من هؤلاء الكتّاب والعلماء قد بحث صورة واحدة من صور العشق ربما كان قد واجهها كثيراً في حياته.

وعلى هذا يجب الإعتراف بأنّ: إذا كان المقصود من العشق هو قوّة جاذبة قوية بين انسانين أو بين موجودين - أعمُّ من الإنسان والحيوان والنبات والجماد، كما قال بعض الفلاسفة المتقدّم ذكرهم - تنحو نحو هدف سام، فما أحسن هذا التصور؟ لأنّ هذه القدرة الخلاّقة عجيبة جداً حيث أنّها تزيل بسرعة كلّ الموانع التي تقف في مسيرة تكاملها.

ولعل الاشادة بالعشق قد استندت إلى هذه القدرة الخلاّقة والقوّة العظيمة الفريدة، حيث أننّا نعلم بأنّ كثيراً من الإبداعات الأدبية والفنية وليدة هذه القوّة الجاذبة التي نسميها «العشق».

أمّا إذا كان المقصود من العشق بأنّه قوّة جاذبة قوية تجر إنسانين إلى الرذائل والجرائم ثمّ التلوّث والسقوط في الفحشاء والمنكر، فإنّ ما قيل في ذمه قليل لأنّ الوصمات القبيحة التي تلتصق به من القوّة والثبات بحيث لا يمكن أن تزول أبداً.
وإذا كان الهدف منه هو قوّة جاذبة تخرِّب العقل وتشلّه بحيث يصبح صاحبه مجنوناً فإنّ كل ما قيل فيه من عبارات التحقير والترذيل فهو صحيح.

الكاتب الفرنسي «استاندال» يقول: «الفاصل بين العفّة والوقوع في الخطأ ثمّ السقوط في القضايا التي ترتبط بالعشق قبلة واحدة فقط».

والخلاصة فإنّ للعشق صوراً مختلفة كثيرة، وعلى هذا فيكون مدحه صحيحاً وذمه وتحقيره صحيحاً أيضاً.

تحت الأستار الشاعرية للعشق:
الموضوع المهم والضروري بالنسبة للشباب العفيفين هو وقوع مختلف الجنايات والجرائم تحت ستائر العشق الجميلة، وحدوث أنواع الفساد باسم العشق المقدّس.

إنّ كل المحتالين والمنافقين الذين ليس لهم هدف سوى الوصول إلى شهواتهم الحيوانية يصلون إلى هدفهم المشؤوم هذا تحت ستار العشق وما تحتويه هذه الكلمة من معان شاعرية جذّابة جميلة، ولهذا فإنّه بعد تحقيق أهدافهم الحقيرة تظهر الصورة الواقعية لهذا العشق الكاذب وينسون كلّ العبارات والكلمات الشاعرية الجذّابة التي قالوها في هذا الصدد - بالضبط مثلما يقلب إناء مملوء بالماء فلا تبقى قطرة فيه - فينمحى ذلك الحب العذري والعشق الملتهب والقلب المملوء بالمحبة والعيون المريضة العاشقة والإدعاءات الكاذبة الاُخرى وحينئذ يمسي المعشوق المخدوع نادماً مغموماً حيث لا ينفع الندم!

يجب على الشباب أن يُراقبوا بدقّة هؤلاء الأشخاص الذين يظهرون هذا العشق الكاذب.

ما أكثر ما يرهن هؤلاء العشّاق الكاذبون قلوبهم المملوءة بالعشق عند أشخاص متعددين في آن واحد، ويتوسّلون بألف حيلة ليظهروا أنفسهم عشّاقاً صادقين لكل أولئك الأشخاص.

يجب الحذر من هؤلاء الأشخاص وما أكثرهم في عصرنا الحاضر، إنّ هؤلاء هم الذين تصل وقاحتهم أحياناً إلى درجة، بحيث أنّهم يكتبون رسالة واحدة مملوءة بالكذب والخداع إلى عدّة فتيات في وقت واحد، وهم الذين يلبسون في كلّ مكان لباس العشق المقدّس ولكنهم يخفون تحته آلافاً من الجنايات الوحشية.

يجب على الأولاد أيضاً - فضلا عن الفتيات - أن يكونوا على حذر من هذه الشراك المختلفة المسماة «بالعشق العفيف» التي توضع في طريقهم، هذه الشراك التي لا نجاة منها بعد الوقوع فيها أبداً، وربّما كان عمر الإنسان كلّه لا يعادل كفّارة التسليم لهذه الألفاظ البرّاقة الكاذبة.

إنّ الأسخاص الذين حرموا من المحبة يجب أن يكونوا على حذر أكثر من الآخرين لأنّهم يستسلمون لهذه المحبّة والعشق الكاذب وينخدعون بصورة أسرع بسبب حرمانهم السابق منها.

23-03-2016 عدد القراءات 1323



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا