8 آب 2020 م الموافق لـ 18 ذو الحجة1441 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: أدعية السيدة الزهراء(ع)

التسبيح من شعائر الدين



فالتسبيح شعار، او قل: شعيرة من شعائر الدين ومحتواه الفداء والتضحية والفداء لا يكون إلاّ اذا سبقته تربية، وهو بعد ذلك كل يحتاج إلى رمز يدل عليه، وهنا نستطيع بقليل من التركيز والانتباه ان نلمس هذين الشرطين في تسبيح الزهراء...

الشرط الأوّل، هو الشرط التربوي.. ونلمسه في تركيبة هذا التسبيح الذي علمه النبي ـ صلى الله علي وآله وسلم ـ لا بنته فاطمة الزهراء والتسبيح يتكون من أربع وثلاثين مرة الله اكبر... وثلاث وثلاثين مرة الحمد لله، وثلاث وثلاثين مرة سبحان الله... وفي نظرة واعية نلقيها على هذا الترتيب المتقدم نجد ان التسبيح يبدأ باسم الله وينتهي باسم الله، فهو لم يبدأ بالحمد الله، ولابدأ بسبحان الله، وانما بدأ بالله اكبر. وختم بسبحان الله حتى تكون اول كلمة في التسبيح هي كلمة الله، واخر كلمة في التسبيح هي كلمة الله. (الله اكبر.. سبحان الله.. الحمد لله). انظروا إلى الكلمتين اللتين احاطتا بالتسبيح كما يحيط الهلال بحفة النجوم في صدره، هذا هو الشرط الأوّل، الشرط التربوي.. حيث ظهرت فيه الاشارة واضحة إلى المبدأ والمعاد.. فنحن من الله وسنرجع إليه... انا لله، وانا إليه راجعون، وهذا معناه ان القراءة والدعاء، والتسبيح وكل حركة في الحياة يجب ان تكون باسم الله... كما كانت اول كلمة في القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم1.

فجعل القراءة منصبة في قالب أدبي تربوي.. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي ان القراءة يجب ان تنصب في اطار تربوي أدبي، لأنّ التربية مشتقة من الرب، او كلمة الرب مشتقة من التربية وهو الاصح في اللغة. هذا هو الشرط الأوّل، اما الشرط الثاني والذي يعني ان هناك رمزاً نتخذ منه قدوة، واسوة حسنة في تطبيق مضمون التسبيح، فهو الفداء، والتضحية... وهنا تجد فاطمة الزهراء عليها السلام حين اخذت درس هذا التسبيح من أبيها الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقول: حين اخذته من أبيها، هذا الدرس انطلقت به إلى قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عليه السلام وحين وصلت إلى القبر، جلست تصنع جبات لمسبحتها من تراب قبر الشهيد، اجل.. فاطمة تصنع مسبحة من تراب قبر الحمزة من اجل ان تعبق حبات هذه المسبحة برائحة الشهادة، وتتضوع بعطر الشهيد الذي أقدم الفداء والتضحية، من اجل الحق، من أجل ان يحيا الإنسان في أمن وطمأنينة، من اجل ان يعبد الناس رب العالمين في حرية ودون اكراه.. من اجل اعطاء الناس حرية وحقا وعدالة اجتماعية.. من اجل ان يندحر الظالمون، وينهزم المستكبرون ويذل الطغاة في الأرض. وفاطمة الزهراء، هنا تعطي الصلاة بعدا جهاديا تربويا، انها تعطي العبادات ابعادا توعوية تزيد في رشد الأمة، وتنقص من غبائها وبلادتها، نعم انها مسبحة للصلاة، ولكنها ليست مسبحة جامدة فيها حبات من الطين... كلا.. انما هي مسبحة مصنوعة من تراب ممزوج بدم الشهادة ونور الولاية.. وهذا هو الذي يجعل للصلاة معنى وقيمة ووزنا. ومن هنا جاءت فكرة السجود على تربة الحسين عليه السلام في الصلاة وذلك حتى نتذكر دائما ان الصلاة لا تقوم في الأرض إلاّ بدماء الشهداء حيث:
لا يسلم الشـرف الـرفيع مـن الاذى        حــتى يــراق عـلى جـوانـبه الدم

من كل ذلك نخرج بحصيلة نافعة مفادها: ان الشعائر الفارغة لا تؤدي دورا نافعا في الحياة... بخلاف الشعائر المليئة بالمضمون، والمحتوى فانها تبني الحياة وتسعد القلوب، وتربي النفوس، وهي بعد ذلك قائمة على التقوى، وملاكها طهارة القلوب وصفاء النفوس. ولهذا نجد الزهراء، حولت الشعائر الاسلامية إلى سلوك يتحرك في اعماق الإنسان، وبين يديه ومن خلفه.. ان فاطمة حركت الشعائر في القلوب واعطتها قوة دفع كبيرة يوم استطاعت ان تحرك العواطف، وكثيراً من المشاعر، وتغذي العقول بفصاحتها وبلاغتها وقوة بيانها. فهي لم تحرك مشاعر الذين عاصروها، بل وأيضاً استطاعت ان تؤثر في كل الاجيال، وفي الشعوب كافة بحيث اصبح اسمها رمزا للفداء والتضحية والبطولة والعظمة. نعم، عندما يكون للشعار مضمون، فهذه كانت نظرة الزهراء الثاقبة في التسبيح.

الشعار وحامله

شعارات كثيرة ارتفعت في الدنيا، وزعماء لمعت اسماؤهم فترة من الزمن، ولكنهم انطفأوا وانطفأت أسماؤهم، عندما داست الجماهير شعارتهم تحت الارجل. في حين نجد شعارات انطلقت على أفواه زعماء آخرين مخلصين فعاش الزعماء والقادة في القلوب، وظلت الشعارات متوجهة متدفقة لا ينقطع عطاؤها أبداً.. ولم تستطع قوى الظلام والضلال مجتمعة ان تطفىء شعيرة واحدة من تلكم الشعائر.. لانها انطلقت من الصدق والحق والحرية فعاشت في القلوب. ومن هنا نستطيع ان ندرك ـ على الفور ـ السبب المباشر في بقاء شعائر، واندثار اخرى.. وفي انطفاء زعيم وعيش زعيم اخر. ان السبب الرئيسي في كل ذلك هو الصدق.. والصدق وحده هو الذي يستبقي الشعار ويجعله خالداً.. لأنّ معنى ذلك ان ليس هناك تنافر ولا تنازع بين الشعار وبين المبدأ الذي يحمله هذا القائد او ذلك. ان اول ما يؤدي سقوط الشعار هو ان يكون الشعار مخالفاً لسلوك الزعيم الذي يرفعه.. اما اذا التقيا: الشعار والمبدأ فان النتيجة واضحة وستكون حسنة وجيدة، وهي الخلود الكامل للشعار وحامله، ومن هنا فاننا نجد شعارات الاسلام وجيدة، وهي الخلود الكامل للشعار وحامله، ومن هنا فاننا نجد شعارات الاسلام خالدة وباقية لانها تنطلق من فطرة الإنسان تتغذى بالتقوى، والإيمان بالله. يقول الحق: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ2.

أي ان القلوب المليئة بالتقوى هي وحدها التي تغذي هذه الشعائر وتخفظها من الضياع، ومن هذا المنطلق نجد الشعائر حين تلمسها فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ تحولها إلى حياة ونور، وواقع.. وآلية تحفظ الحقوق وترعى الزمام، فمثلا ـ التسبيح من شعائر الله، لانه يعيد الإنسان إلى واقعه، وحقيقته التي خلق من اجلها، وهي العبادة المطلقة لله وحده والتوجه إلى الخالق القادر الذي لا اله غيره.. وهو ـ أي ـ التسبيح بعد كل ذلك رحلة ينسجم المرء فيها مع كل ما يجري في هذا الكون، لانه مامن شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ وهو يسبح الله ويقدسه، تقول الارقام العلية التي نأخذها من القرآن الكريم: ان كل شيء في هذا الكون ساجد يسبح لله ويقدسه، اخذا من الذرة والخلية وانتهاء بأكبر سديم في الفضاء ابتداء من الأميبا، الحيوان ذي الخلية الواحدة، وانتهاء باكبر جرم حيواني في الأرض. ابتداء من اصغر عشب نائم في العراء، وانتهاء باكبر دوحة في الأرض، هذه كلها تشترك في تسبيحة واحدة، وسجود واحد وتقديس للحق جل وعلا.. ومن هنا جاءت فكرة التسبيح لترد الإنسان إلى هذه الحقيقة وهي الانسجام الكامل مع ما يجري في هذا الكون. هذا هو كل ما يمكن ان يقال في التسبيح في مثل هذا الجال.. ولكن تعالوا معي لنرى الصديقة الزهراء كيف حولت هذا الشعار إلى صهريج مليء بالنور والحركة والعطاء.. انظروا كيف استطاعت الزهراء ان تجعل من هذه الشعيرة الاسلامية، منهجا تربوياً، حضاريا، يسكب الراحة والطمأنينة في النفس، ويجعل المسلم اقوى من الجبال في مواجهة الطغاة الظالمين.

فالتسبيح بتسبيح الزهراء يبدأ بـ 34 تكبيرة و 33 تحميدة، و33 تسبيحة، وهو تسبيح معروف، ومشهور، وخصوصا عند أهل البيت عليهم السلام حيث كانوا يأمرون اولادهم بحفظه وقراءته، قبل النوم، وكان الإمام الصادق عليه السلام يقول: كنا نعلم اولادنا، او قال: نعلم صبياننا حفظ هذا التسبيح وقرائته بعد الصلاة وفي اول دقائق النوم، وقد تقدم ذكر هذا التسبيح والتعليق، عليه، ونحن اذا اردنا ان ندرك ما تقول فاطمة.. علنيا أن نجعل منها قدوة، واسوة حسنة تفتح أبواب الحياة امامنا، وتضيء عالمنا الذي اطبق عليه الظلام، وذلك في فهمنا لتسبيح الزهراء.. فعندما نسبح بتسبيح فاطمة في اعقاب الفرائض.. يجب ان نتأثر به، ونتخلق بآدابه ونسعى إلى ان يترك اثره الطيب في سلوكنا في الحياة بحيث ان الذي يقرأ هذا التسبيح او يقدم على ان عمل في حياته اليومية عليه ان يشعر انه من احب الزهراء او من انصارها الذين يحملون مبادئها، وافكارها واهدافها إلى شعوب الارض وإلى الناس اجمعين، ولم لا؟ الم تكن فاطمة رحمة للعالمين، كما كان أبوها النبي رحمة للعالمين؟.. واذا كانت كذلك، فان رسالتها هي رسائل لكل شعوب الأرض، وعلى شيعتها ان يرفعوا صوتها إلى العالم اجمع فانه احب واقرب صوت إلى القلوب.

* الأسرار الفاطمية _ التسبيح من شعائر الدين.


1- العلق: 1 ـ 5.
2-الحج:32.

09-05-2012 عدد القراءات 5642



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا