5 نيسان 2020 م الموافق لـ 11 شعبان 1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: العلاقة مع النفس

المحاسبة



من الخطوات العملية في طريق "المحاسبة" للنفس، في كلّ يوم أو كلّ شهر أو كلّ سنة، فَلْينظر الإنسان ماذا قدّم من أعمال حسنة، أو إرتكب من أعمال قبيحة، ويُفكر في ما بَدَر منه، من طاعة أو عصيان لله تعالى، أو لهوى النّفس. فيحاسب نفسه حساباً عسيراً، كالتّاجر الذي يحسب فوائده وعوائده من تجارته التي إتّجر بها، وهل عادت عليه بالنّفع أم الضرر؟. فكذلك السّائر إلى الله تعالى في خطّ الإيمان والتوبة، عليه أن يُحاسب نفسه بأدقّ ممّا يفعله التاجر مع أمواله وتجارته.

والُمحاسبة للدين أو للدنيا، لا تخلو من فائدتين: إذا بيّنت الفاتورة، الرّبح الوفير، فَهو دليلٌ على صحّةِ العمل والدّوام عليه، وإذا ما بيّنت العكس، فهو الدّليل على الخطأ والخطر، فربّما تلاعب أحد موظّفيه، أو خانه بالإختلاس وما شابهها من الاُمور، فعليه الإسراع في التثبّت والتّفحص والإصلاح.

وتخبرنا الآيات الكريمة، عن وجود النّظم والحسابات الدقيقة في عالم الوجود، وتدعو الإنسان للتّفكر فيها جيّداً، ومنها: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا في الْمِيزَانِ(الرحمن:7-8).

ونقرأ في آية اُخرى:﴿وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِمِقْدَار(الرعد:8).
وكذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم(الحِجْر:21).

ومن جهة اُخرى، نجد أنّ القرآن الكريم، قد أخبر في آيات متعددة، عن وجود حساب دقيق في يوم القيامة، كما ذكر على لسان لُقمان الحكيم لإبنه: ﴿يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ في صَخْرَة أَوْ في السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الاَْرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(لقمان:16).

وكذلك: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ(البقرة:284).

ومسألة الحساب هذه مهمّةٌ، لدرجة أنّ أحد أسماء يوم القيامةِ، هو: "يوم الحِساب": ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(ص:26).

ويكون الإنسان هو الحَسيب على نفسه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(الإسراء:14).

وبالنّظر لهذه الاُمور والظّروف، فإنّ كلّ شيء في الدنيا والآخرة يكون بِحساب، فكيف يمكن لإنسان أن يغفل عن مُحاسبة نفسه، ومن وراءه يومٌ ثقيلٌ، وكلّ شيء بميزان ومقدار: ومن يعمل مثقالَ ذرّة خيراً يَرَه، ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يَره) فكلّ ما ذكر آنفاً، يحمل إلينا رسالةً ودعوة، لإثارة عناصر الإنتباه وعدم الغفلة عن الحساب والمحاسبة، فأنت إذا أردت أن تكون مُخفّاً في يوم الحساب، عليك الإسراع بمحاسبة نفسك هنا في الدنيا، قبل أن تحاسب في الاُخرى، ويقال فيها: ولاتَ حينَ مناص.

أمّا الروايات، فقد أشبعت الأمر بحثاً، ومنها:

1- ما ورد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله، في حديثه المعروف: "حاسِبُوا أَنْفُسَكُم قَبلَ أَنْ تُحاسَبُوا، وَزِنوها قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا وَتَجَهَّزُوا للعَرضِ الأَكْبَرِ"1.

2- وعنه صلى الله عليه وآله مخاطباً أبا ذر رحمه الله: "يا أَباذَر حاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُ فَإِنَّهُ أَهونُ لِحِسابِكَ غَداً وَزِنُ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُ"2.

3- وَوَرد عن علي عليه السلام أنّه قال: "ما أَحَقُّ للإنسانِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ساعَةٌ لا يُشْغِلُهُ شاغِلٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، فَيَنظُرِ فِيما إكْتَسَبَ لَها وَعَلَيها في لَيلِها وَنَهارِها"3.

فهذا الحديث يبيّن لنا بوضوح، مسألة المحاسبة في ساعات الفراغ، وهي من الاُمور الجديرة بالإنسان الكامل، الذي يعيش همّ المسؤوليّة، في دائرة حركته المنفتحة على الله تعالى.

4- ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، بنفس المعنى ولكن بشكل آخر، فيقول عليه السلام:"حَقٌ عَلى كُلِّ مُسْلِم يَعْرِفُنا، أَنْ يُعْرِضَ عَمَلَهُ في كُلِّ يَوم وَلَيلَة عَلى نَفْسِهِ، فَيَكُونَ مُحاسِبَ نَفْسِهِ، فَإنّ رَأَى حَسَنَةً استَزادَ مِنْها وَإِنْ رأَى سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ مِنْها لِئلاّ يُخْزى يَومَ القِيامَةِ"4.

5- ما نُقل عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "يا هشامُ لَيسَ مِنّا مَنْ لَمْ يُحاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوم، فإنْ عَمِلَ حَسَنَةً استَزَادَ مِنْها وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ اللهُ مِنْها وتابَ"5.

فالروايات جمّةٌ في هذا المجال ومن أراد الإكثار، عليه مراجعة مستدرك الوسائل: كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس6.

هذه الرّوايات كلّها تبيّن أهميّة المسألة في الإسلام، وأنّ مَنْ لم يحاسب نفسه فهو ليس من أتباع الأئمّة عليهم السلام، الحقيقيين!.

وكما أشارت الرّوايات إلى فلسفة وحكمة هذا الأمر، فهو يزيد من الحسنات، ويمنع الإنسان من السّقوط في وادي الهلاك والقبائح، ويُساعده في إنقاذه من بحر الغفلة والضّياع، لماذا لا نساوي الاُمور الماديّة بالمعنويّة الروحيّة؟ ففي الماديّات يُحسب حساب كلّ شيء، ولكلٍّ دفتره الخاص به، دفترٌ: يومي، وسنوي، وشهري، وللمخزن...وو. ولسنا مُستعدّين من وضع ولو ورقة واحدة نحاسب فيها أنفسنا، على ما فعلت في دائرة الطّاعة والمعصية، للهِ تعالى!!.

هذا مع وجود فرق كبير بين الأمرين، ولا يُقاس أحدهما بالآخر، أوكما يقال شَتّان ما بين الثَّرى والثُّريّا، فنقرأ حديثاً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله، يقول: "لا يَكُونُ العَبدُ مُؤمناً حتّى يُحاسِبَ نَفْسَهُ أَشد مِنْ مُحاسَبَةِ الشّريكِ شَرِيكَهُ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ"7.

فهذا الموضوع مهم لِلغاية، إلى درجة أنّ العلماء كتبوا فيه كتباً عديدةً، ومنهم السيد إبن طاووس الحلي رحمه الله المتوفي فى سنة "664 للهجرة" في كتابه محاسبة النّفس، وكتاب محاسبة النّفس في إصلاح عمل اليوم والإعتذار من الأمس، للمرحوم الحاج ميرزا علي الحائري المرعشي، (المتوفى في سنة 1344 للهجرة)، ومحاسبة النّفس للسيّد علي المرعشي، المتوفى في سنة (1080 للهجرة).

ويجدر هنا الإشارة إلى عدّة ملاحظات:

1- كيفيّة محاسبة النّفس وإستنطاقها:
وأفضل طريق لذلك، ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام، نقلاً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله فقال: "أَكْيَسَ الكيَسِينَ مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ..." فَقَالَوا: يا أَميرِ المُؤمِنِينَ وَكَيفَ يُحاسِبُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ؟.

قال: إذا أَصْبَحَ ثُمَّ أَمسى رَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَالَ: يا نَفسُ إِنَّ هذا يَومٌ مضى عَلَيكِ لا يَعُودُ إِلَيكِ أَبَداً، وَاللهُ سائِلُكِ عَنْهُ فَيما أَفْنَيتَهُ، فَما الَّذِي عَمِلْتَ فِيهِ؟ أَذَكَرْتَ اللهَ أَمْ حَمَدْتَه؟ أَقَضَيتِ حَقَّ أَخ مُؤمِن؟ أَنْفَّسْتَ عَنْهُ كُربَتَهُ؟ أَحَفِظتِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِه؟ أَحَفِظتِيهِ بَعْدَ المَوتِ فِي مُخلِّفِيهِ؟ أَكَفَفتِ عَنْهُ غَيبَةِ أَخ مُؤمِنْ بِفَضْلِ جاهِك؟ أَأعَنْتَ مُسلِماً؟ ما الَّذِي صَنَعْتِ فِيهِ؟ فَيَذكُرَ ما كانَ مِنْهُ، فإنْ ذَكَرَ أَنّهُ جَرى مِنهُ خَيرٌ حَمَدَ اللهَ عَزَّوَجَلَّ وَكَبَّرَهُ عَلى تَوفِيقِهِ، وإِنْ ذَكرَ مَعْصِيةً أَو تَقْصِيراً اسْتَغْفَرَ اللهَ عَزَّوَجَلَّ وَعَزَمَ عَلى تَرْكِ مَعاوَدَتِهُ وَمحا ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِتَجْدِيد الصّلاةِ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ الطَّيّبِينَ وَعَرَضَ بَيعَةَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلَِى نَفْسِهِ وَقَبُولِها، وإِعادَة لَعَنِ شانِئِيهِ وَأَعدَائِهِ، وَدَافِعِيه عَنْ حُقُوقِهِ، فَإِذا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: لَستُ اُناقِشُكَ فِي شيء مِنْ الذُّنُوبِ مَعَ مُوالاتِكَ أَولِيائِي وَمُعادَاتِك أَعدَائِي"8.

نعم فإنّها أفضل طريقة لمحاسبة النّفس، وإلجامها عن الّتمادي في خطّ العصيان والّتمرد.

2- ما هي معطيات محاسبة النّفس؟
الحَريّ بنا هنا الإستعانة بالأحاديث التي وردت عنهم عليهم السلام، منها:

ما ورد عن الإمام علي عليه السلام: "مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ وَقَفَ عَلَى عُيوبِهِ، وَأَحاطَ بِذُنُوبِهِ، واستَقالَ الذُّنُوبَ وَأَصْلَحَ العُيوبَ"9.
وأيضاً عنه عليه السلام: "مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ سَعدَ
"10.

وعنه عليه السلام: "ثَمَرَةُ الُمحاسَبَةِ صلاحُ النَّفْسِ"11.

ويقول بعض العلماء في هذا الفن، إنّ المحاسبة يجب أن تكون شبيهة، بالمحاسبة بين الشّريكين، فإذا ما وجد النّفع إستمر معه وبارك في خُطاه، وإلاّ فسيكون ضامناً للخسارة في الحاضر والمستقبل.

وأهمّ رأسمال عند الإنسان: هو عمره، فإذا ما قضاه بالخير والمنفعة، فهو الفائز، ولكنه سوف يعيش الخسارة في إرتكابه لِلذنوب، فموسم هذه التّجارة هي أيّامه، وشريكه في المعاملة هو النّفس الأمّارة.

فأوّل ما يطالبها بالفرائض، فإذا ما أدّتها فليشكر الباري تعالى، وليبارك خُطاه، وإذا ما ضيّعت فريضة ما، فليطالبها بقضائها وإذا كان فيها نقص، فليجبرها بالنّوافل، وعند المعصية يطالبها بالتّكفير عنها، كما يفعل التاجر مع شريكه، في أتفه الاُمور والمبالغ التي لا قيمة لها، كي لا يُغبن في المعاملة، وخصوصاً أنّ الإنسان، يواجه عدوّاً لدوداً مخادعاً، وهو النفس الأمّارة، وليحاسب نفسه كما تحاسبه الملائكة، في تداعيات أفكاره، وخواطر نفسه في قيامه وفي قُعوده، ولماذا تكلّم، ولماذا سكن؟، وهكذا في كلّ ساعة وكلِّ يوم، وعلى كلّ فعل وعمل، وإذا ما تهاون في الأمر، فسوف تتراكم على قلبه وروحه الذّنوب والعيوب، والأنكى من ذلك أنّ الإنسان ينسى ما يفعله بسهولة، ولكنّ الكرام الكاتبين، لا يغفلون ولا يفترون في عملهم، فقال الباري تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسَوهُ12(المجادلة:6).

ومسك الخِتام، نورد حديثاً يبيّن كيفيّة الحساب في يوم القيامة، عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، أنّه قال: "لا تَزُولُ قَدَما عَبْد يَومَ الَقيامَةِ، حَتّى يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَع: عَنْ عُمْرِهِ فِي ما أَفناهُ وَعَنْ شَبابِهِ فَي ما أَبلاهُ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَينَ كَسَبَهُ وَفي ما أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنا أَهْلَ البَيتِ"13.

* الأخلاق في القرآن (الجزء الأول)، أصول المسائل الأخلاقية، آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي, المؤسسة الإسلامية, الطبعة الثانية/1426ه, قم.



1- بحار الأنوار، ج 97، ص 73.
2- أمالي الطوسي، (مطابقاً لما نقل عن ميران الحكمة) ج8، ص609.
3- مستدرك الوسائل، ج12، ص154.
4- تحف العقول، ص221.
5- مستدرك الوسائل، ج12، ص153.
6- المصدر السابق، ج12، ص152 ـ 156; اصول الكافي، ج2، باب محاسبة العمل، ص453، ح2.
7- محاسبة النّفس، لإبن طاووس(رحمه الله)، ص14, بحار الأنوار، ج67، ص72، ح22.
8- الذّريعة، ج2.
9- بحار الأنوار، ج70، ص69 و 70.
10- غُرر الحِكَم.
11- المستدرك، ج126، ص154.
12-غُرر الحِكَم.
13-خصال الصدوق، ص253.

29-07-2009 عدد القراءات 6870



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا