29 شباط 2020 م الموافق لـ 05 رجب 1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: العلاقة مع النفس

القناعة والحرص



•القناعة
وهي: الاكتفاء من المال بقدر الحاجة والكفاف، وعدم الاهتمام فيما زاد عن ذلك.

وهي: صفة كريمة، تعرب عن عزة النفس، وشرف الوجدان، وكرم الأخلاق.

وإليك بعض ما أثر عن فضائلها من النصوص:

قال الباقر عليه السلام: "من قنع بما رزقه اللّه فهو من أغنى الناس"1.

إنما صار القانع من أغنى الناس، لأن حقيقة الغنى هي: عدم الحاجة الى الناس، والقانع راض ومكتف بما رزقه اللّه، لا يحتاج ولا يسأل سوى اللّه.

قيل: لما مات جالينوس وُجد في جيبه رقعة فيها مكتوب: "ما أكلته مقتصداً فلجسمك، وما تصدقت به فلروحك، وما خلفته فلغيرك، والمحسن حيّ وإن نقلَ الى دار البلى، والمسيء ميت وإن بقي في دار الدنيا، والقناعة تستر الخِلة، والتدبير يكثّر القليل، وليس لابن آدم أنفع من التوكل على اللّه سبحانه"2.

وشكى رجل الى أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه يطلب فيصيب، ولا يقنع، وتنازعه نفسه الى ما هو أكثر منه، وقال: علمني شيئاً أنتفع به. فقال أبو عبد اللّه عليه السلام "إن كان ما يكفيك يغنيك، فأدنى ما فيها يغنيك وإن كان ما يكفيك لا يغنيك، فكل ما فيها لا يغنيك"3.

وقال الباقر عليه السلام: "إياك أن يطمح بصرك الى من هو فوقك فكفى بما قال الله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وآله "ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم" وقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا، فان دخلك من ذلك شيء، فاذكر عيش رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، فإنما كان قوته الشعير، وحلوه التمر، ووقوده السعف اذا وجده"4.

محاسن القناعة
للقناعة أهمية كبرى، وأثر بالغ في حياة الانسان، وتحقيق رخائه النفسي والجسمي، فهي تحرره من عبودية المادة، واسترقاق الحرص والطمع، وعنائهما المرهق، وهوانهما المُذل ، وتنفخ فيه روح العزة، والكرامة، والاباء، والعفة، والترفع عن الدنايا، واستدرار عطف اللئام.

والقانع بالكفاف أسعد حياة، وأرخى بالاً، واكثر دعة واستقراراً، من الحريص المتفاني في سبيل أطماعه وحرصه، والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم.

والقناعة بعد هذا تمدّ صاحبها بيقظة روحية، وبصيرة نافذة، وتحفّزه على التأهب للآخرة، بالأعمال الصالحة، وتوفير بواعث السعادة فيها.

ومن طريف ما أثر في القناعة:

أن الخليل بن أحمد الفراهيدي كان يقاسي الضُّر بين اخصاص البصرة، وأصحابه يقتسمون الرغائب بعلمه في النواحي.

ذكروا أن سليمان بن علي العباسي، وجه اليه من الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل الى رسول سليمان خبزاً يابساً، وقال: كل فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي الى سليمان. فقال الرسول: فما أبلغه؟ فقال:

أبلغ سليمان اني عنه في سعة               وفي غنىً غير اني لست ذا مال

والفقر في النفس لا في المال فاعرفه      ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه          ولا يزيدك فيه حول محتال5

وفي كشكول البهائي "أنه ارسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم الى أبي ذر وقال له: ان قبل هذا فأنت حُرّ، فأتى الغلام بالكيس الى أبي ذر، وألح عليه في قبوله، فلم يقبل، فقال له: أقبله فإن فيه عتقي. فقال: نعم ولكن فيه رقّي"6.

"وكان ديوجانس الكلبي من اساطين حكماء اليونان، وكان متقشفاً. زاهداً، لا يقتني شيئاً، ولا يأوي الى منزل، دعاه الاسكندر الى مجلسه، فقال للرسول قل له: ان الذي منعك من المسير الينا، هو الذي منعنا من المسير إليك، منعك استغناؤك عنّا بسلطانك، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي"7.

وكتب المنصور العباسي الى أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام: لِمَ لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه: ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك بها، ولا في نقمة فنعزيك بها. فكتب المنصور: تصحبنا لتنصحنا. فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: "من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك"8.

وما أحلى قول أبي فراس الحمداني في القناعة:

إنّ الغني هو الغني بنفسه        ولو أنّه عار المناكب حاف

ما كل ما فوق البسيطة كافياً     فاذا قنعت فكل شيء كاف


•الحرص
وهو: الافراط في حب المال، والاستكثار منه، دون أن يكتفى بقدر محدود. وهو من الصفات الذميمة، والخصال السيئة، الباعثة على الوان المساوئ والآثام، وحسب الحريص ذماً أنه كلما إزداد حرصاً إزداداً غباءاً وغماً.

وإليك بعض ما ورد في ذمه:

قال الباقر عليه السلام: "مثل الحريص على الدنيا، مثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفاً، كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت غماً"9.

لذلك قال الشاعر:

يفني البخيل بجمع المال مدته   وللحوادث والأيام ما يدع

كدودة القز ما تبنيه يهدمها     وغيرها بالذي تبنيه ينتفع

وقال الصادق عليه السلام: "إن فيما نزل به الوحي من السماء: لو أن لابن آدم واديين، يسيلان ذهباً وفضة، لابتغى لهما ثالثاً، يابن آدم إنما بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية، لا يملأه شيء إلا التراب"10.

وقال عليه السلام: "ما ذئبان ضاريان، في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها، بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم"11.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في ضمن وصيته لولده الحسن عليه السلام: "واعلم يقيناً أنك لن تبلغ املك، ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان قبلك، فخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فانه رب طلب، قد جر الى حرب، فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم"12.

وقال الحسن بن علي عليهما السلام: "هلاك الناس في ثلاث: الكبر. والحرص. والحسد.

فالكبر هلاك الدين وبه لعن ابليس...

والحرص عدو النفس، وبه أخرج آدم من الجنة.

والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل
"13.

مساوئ الحرص
وبديهي أنه متى استبد الحرص بالانسان، استرقه، وسبب له العناء والشقاء، فلا يهم الحريص، ولا يشبع جشعه إلا استكثار الأموال واكتنازها، دون أن ينتهي الى حد محدود، فكلما أدرك مأرباً طمح الى آخر، وهكذا يلج به الحرص، وتستعبده الأطماع، حتى يوافيه الموت فيغدو ضحية الغناء والخسران.

والحريص أشد الناس جهداً في المال، وأقلهم انتفاعاً واستمتاعاً به ، يشقى بكسبه وادخاره، وسرعان ما يفارقه بالموت، فيهنأ به الوارث، من حيث شقي هو به، وحرم من لذته.

والحرص بعد هذا وذاك، كثيراً ما يزج بصاحبه في مزالق الشبهات والمحرمات والتورط في آثامها، ومشاكلها الأخروية، كما يعيق صاحبه عن أعمال الخير، وكسب المثوبات كصلة الأرحام وإعانة البؤساء والمعوزين، وفي ذلك ضرر بالغ، وحرمان جسيم.

علاج الحرص
وبعد أن عرفنا مساوئ الحرص يحسن بنا أن نعرض مجملاً من وسائل علاجه ونصائحه وهي:

1- أن يتذكر الحريص مساوئ الحرص، وغوائله الدينية والدنيوية وأن الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب.

2- أن يتأمل ما اسلفناه من فضائل القناعة، ومحاسنها، مستجليا سيرة العظماء الأفذاذ، من الأنبياء والأوصياء والأولياء، في زهدهم في الحياة، وقناعتهم باليسير منها.

3- ترك النظر والتطلع الى من يفوقه ثراءاً، وتمتعاً بزخارف الحياة والنظر الى من دونه فيهما فذلك من دواعي القناعة وكبح جماح الحرص.

4- الاقتصاد المعاشي، فإنه من أهم العوامل، في تخفيف حدة الحرص، إذ الاسراف في الانفاق يستلزم وفرة المال، والافراط في كسبه والحرص عليه.

قال الصادق عليه السلام: "ضمنت لمن أقتصد أن لا يفتقر"14.

* أخلاق أهل البيت عليهم السلام، السيد محمد مهدي الصدر، دار الكتاب الإسلامي، ص: 45.


1- الوافي ج 3 ص 79 عن الكافي.
2- كشكول البهائي، طبع ايران ص 371.
3- الوافي ج 3 ص 79 عن الكافي.
4- الوافي الجزء 3 ص 78 عن الكافي.
5- سفينة البحار ج 1 ص 426 بتصرف.
6- سفينة البحار ج 1 ص 483.
7- سفينة البحار ج 2 ص 451.
8- كشكول البهائي.
9- الوافي ج 3 ص 152 عن الكافي.
10- الوافي ج 3 ص 154 عن من لا يحضره الفقيه للصدوق رضوان الله عليه.
11- مرآة العقول في شرح الكافي للمجلسي رضوان الله عليه ج 2 عن الكافي. ص 303.
12- نهج البلاغة.
13- كشف الغمة.
14- البحار مجلد 15، ج2، ص199، عن الخصال للصدوق رضوان الله عليه.

28-07-2009 عدد القراءات 8164



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا