5 نيسان 2020 م الموافق لـ 11 شعبان 1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: العلاقة مع النفس

العفة والشره



•العفة
وهي: الامتناع والترفع عمّا لا يحل أو لا يجمل، من شهوات البطن والجنس، والتحرر من استرقاقها المُذِل.

وهي من أنبل السجايا، وأرفع الخصائص. الدالة على سمو الايمان، وشرف النفس، وعزّ الكرامة، وقد أشادت بفضلها الآثار:

قال الباقر عليه السلام: "ما من عبادة أفضل عند اللّه من عفة بطن وفرج"1.

وقال رجل للباقر عليه السلام: "إني ضعيف العمل، قليل الصلاة قليل الصيام، ولكني أرجو أن لا آكل إلا حلالاً، ولا أنكح إلا حلالاً. فقال له: وأيّ جهاد أفضل من عفة بطن وفرج"2.

وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: "أكثر ما تلج به أمتي النار، الأجوفان البطن والفرج"3 .

حقيقة العفة
ليس المراد بالعفة، حرمان النفس من أشواقها، ورغائبها المشروعة، في المطعم والجنس. وإنما الغرض منها، هو القصد والاعتدال في تعاطيها وممارستها، إذ كل إفراط أو تفريط مضر بالانسان، وداع الى شقائه وبؤسه:

فالافراط في شهوات البطن والجنس، يفضيان به الى المخاطر الجسيمة، والأضرار الماحقة.

والتفريط فيها كذلك، باعث على الحرمان من متع الحياة، ولذائذها المشروعة، وموجب لهزال الجسد، وضعف طاقاته ومعنوياته.

الاعتدال المطلوب
من الصعب تحديد الاعتدال في غريزتي الطعام والجنس، لاختلاف حاجات الأفراد وطاقاتهم، فالاعتدال في شخص قد يعتبر إفراطاً أو تفريطاً في آخر.

والاعتدال النِّسبِي في المأكل هو أن ينال كل فرد ما يقيم اوَدَهُ ويسدّ حاجته من الطعام، متوقياً الجشع المقيت، والامتلاء المرهق.

وخير مقياس لذلك هو ما حدّده أمير المؤمنين، وهو يحدث إبنه الحسن عليه السلام: "يا بني الا اُعلّمك أربع كلمات تستغني بها عن الطب؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: لاتجلس على الطعام إلا وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام الا وأنت تشتهيه، وجوّد المضغ، وإذا نمت فأعرض نفسك على الخلاء، فاذا استعملت هذا استغنيت عن الطب".

وقال: إنّ في القرآن لآية تجمع الطب كله: ﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا(الأعراف:31)4 .

والاعتدال التقريبي في الجنس هو تلبية نداء الغريزة، كلما اقتضتها الرغبة الصادقة، والحاجة المحفزة عليه.

محاسن العفة
لا ريب أنّ العفة، هي من أنبل السجايا، وأرفع الفضائل، المعربة عن سمو الايمان، وشرف النفس، والباعثة على سعادة المجتمع والفرد.

وهي الخلّة المشرفة التي تزين الانسان، وتسمو به عن مزريات الشره والجشع، وتصونه عن التملق للئام، استدراراً لعطفهم ونوالهم، وتحفّزه على كسب وسائل العيش ورغائب الحياة، بطرقها المشروعة، وأساليبها العفيفة.

•الشره
وهو: الافراط في شهوات المأكل والجنس، ضدّ (العفة).

وهو: من النزعات الخسيسة، الدالة على ضعف النفس، وجشع الطبع، واستعباد الغرائز، وقد نددت به الشريعة الاسلامية وحذّرت منه أشدّ التحذير.

قال الصادق عليه السلام: "كل داء من التخمة، ما خلا الحُمى فانها ترد وروداً"5.

وقال عليه السلام: "إن البطن إذا شبع طغى"6.

وقال عليه السلام: "إن اللّه يبغض كثرة الأكل"7.

وقال أبو الحسن عليه السلام: "لو أن الناس قصدوا في المطعم، لاستقامت أبدانهم"8.

وعن الصادق عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "من أراد البقاء ولا بقاء، فليخفف الرداء، وليباكر الغذاء، وليقل مجامعة النساء"9.

ومن أراد البقاء أي طول العمر، فليخفف الرداء أي يخفف ظهره من ثقل الدين.

وأكل أمير المؤمنين عليه السلام من تمر دَقَل، ثم شرب عليه الماء، وضرب يده على بطنه وقال: من أدخل بطنه النار فأبعده اللّه. ثم تمثل:

وإنك مهما تُعط بطنك سؤله*** وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا10

مساوئ الشره
الشرَهُ مفتاح الشهوات، ومصدر المهالك، وحسب الشرهِ ذمّاً، أن تسترقه الشهوات العارمة، وتعرّضه لصنوف المساوئ، المعنوية والمادية.

ولعل أقوى العوامل في تخلف الامم، استبداد الشره بهم، وافتتانهم بزخارف الحياة، ومفاتن الترف والبذخ، مما يفضي بهم الى الضعف والانحلال.

ولشره الأكل آثار سيئة ومساوئ عديدة
فقد أثبت الطب "أن الكثير من الأمراض والكثير من الخطوط والتجعدات التي تشوه القسمات الحلوة في النساء والرجال، والكثير من الشحم المتراكم، والعيون الغائرة، والقُوى المُنهكَة، والنفوس المريضة كلهّا تُعزى الى التخمة المتواصلة، والطعام الدسم المترف".

وأثبت كذلك أن الشره يرهق المعدة ويسبب ألوان المآسي الصحية كتصلب الشرايين، والذبحة الصدرية، وارتفاع ضغط الدم، والبول السكري.

وهكذا يفعل الشره الجنسي في إضعاف الصحة العامة، وتلاشي الطاقة العصبية، واضمحلال الحيوية والنشاط، مما يعرض المسرفين للمخاطر.

علاج الشره
أما شره الأكل فعلاجه:

1- أن يتذكر الشَّرِه ما أسلفناه من محاسن العفّة، وفضائلها.

2- أن يتدبر مساوئ الشره، وغوائله الماحقة.

3- أن يروض نفسه على الاعتدال في الطعام، ومجانبة الشره جاهداً في ذلك، حتى يزيل الجشع. فإن دستور الصحة الوقائي والعلاجي هو الاعتدال في الأكل وعدم الاسراف فيه، كما لخّصته الآية الكريمة «كلوا واشربوا ولا تسرفوا(الأعراف:31).
وأمّا الشره الجنسي فعلاجه:
1-  أن يتذكر المرء أخطار الاسراف الجنسي، ومفاسده الماديّة والمعنوية.

2- أن يكافح مثيرات الغريزة، كالنظر الى الجمال النسوي، واختلاط الجنسين، وسروح الفكر في التخيل، وأحلام اليقظة، ونحوها من المثيرات.

3- أن يمارس ضبط الغريزة وكفها عن الافراط الجنسي، وتحري الاعتدال فيها.

* أخلاق أهل البيت عليهم السلام، السيد محمد مهدي الصدر، دار الكتاب الإسلامي، ص: 60


1- الوافي ج 3 ص 65 عن الكافي.
2- البحار م 15 ج 2 ص 184 عن محاسن البرقي وقريب منه في الكافي.
3- البحار م 15 ج 2 ص 183 عن الكافي.
4- سفينة البحار م 2 ص 79 عن دعوات الراوندي.
5- الوافي ج 1 1 ص 67 عن الكافي.
6- الوافي ج 1 1 ص 67 عن الفقيه.
7- الوافي ج 1 1 ص 67 عن الكافي.
8- البحار م 14 ص 876 عن المحاسن للبرقي رضوان الله عليه.
9- البحار م 14 ص 545 عن طب الأئمة.
10- سفينة البحار م 1 ص 27.

28-07-2009 عدد القراءات 7032



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا