27 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 10 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الحياة السياسية

الإمام زين العابدين عليه السلام في المدينة



بدأت ردود الفعل على مقتل الإمام الحسين عليه السلام بالظهور مع دخول سبايا أهل البيت عليهم السلام إلى الكوفة. فبالرغم من القمع والإرهاب اللذين مارسهما ابن زياد مع كلّ من كان يبدي أدنى معارضة ليزيد، فإنّ أصواتاً بدأت ترتفع محتجّةً على الظلم السائد.

فعندما صعد ابن زياد المنبر وأثنى على يزيد وحزبه وأساء إلى الحسين عليه السلام وأهل بيت الرسالة، قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي وقال له: يا عدوّ الله إنّ الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه يا بن مرجانة، تقتل أولاد النبيّين وتقوم على المنبر مقام الصدّيقين؟!

فقال ابن زياد: عليّ به، فأخذته الجلاوزة فنادى بشعار الأزد، فاجتمع منهم سبعمائة فانتزعوه من الجلاوزة، فلمّا كان الليل أرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته فضرب عنقه وصلبه1، ومع أنّ هذه المواجهة انتهت لصالح ابن زياد لكنّها كانت مقدّمة لاعتراضات أخرى.

وظهرت في الشام أيضاً بوادر السخط والاستياء، الأمر الذي جعل يزيد ينحو باللائمة في قتل الحسين عليه السلام على ابن زياد، إلاّ أنّ أشدّ ردود الفعل كانت تلك التي برزت في الحجاز، فقد انتقل عبد الله بن الزبير إلى مكة في الأيّام الأولى من حكومة يزيد، واتّخذها قاعدة لمعارضته للشام، وقام بتوظيف فاجعة كربلاء للتنديد بنظام يزيد، وألقى خطاباً وصف فيه العراقيّين بعدم الوفاء، وأثنى على الحسين بن عليّ عليه السلام ووصفه بالتقوى والعبادة.

وفي المدينة ألقى الإمام زين العابدين عليه السلام خطاباً في أهلها لدى عودته من الشام والعراق، يقول المؤرّخون: إنّ الإمام عليه السلام جمع الناس خارج المدينة قبل دخوله إليها، وخطب فيهم قائلاً:

"الحمد لله ربّ العالمين مالك يوم الدين بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع في السماوات العُلى، وقَرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة الفادحة الجائحة.

أيّها القوم، إنّ الله ـ وله الحمد ـ ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله الحسين عليه السلام وسُبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة.

أيّها الناس، فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله؟! أم أيّ فؤاد لا يحزن مِن أجله؟! أم أيّة عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انْهمالِها؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان ولجج البحار والملائكة المقرّبون وأهل السماوات أجمعون.

يا أيّها الناس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟! أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟! أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ؟!

أيّها الناس، أصبحنا مطرودين مشرّدين مذودين وشاسعين عن الأمصار، كأنّا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين، إنْ هذا إلاّ اختلاق.

والله، لو أنّ النبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظّها وأفظعها وأمرّها وأفدحها! فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا، فإنّه عزيز ذو انتقام"2.

لقد جسّد هذا الخطاب ـ على قصره ـ واقعة كربلاء على حقيقتها مركّزاً على المظلومية التي لحقت بأهل البيت عليهم السلام في قتل الحسين بن عليّ عليه السلام من جانب، وأسرِ أهل بيته من جانب آخر، بالإضافة إلى المظلومية التي لحقتهم بعد واقعة الطفّ، إذ حملت رؤوس الشهداء بما فيهم سيّدهم الحسين عليه السلام فوق الأسنّة من بلد إلى بلد.

وعقّب الإمام زين العابدين عليه السلام بلمحة سريعة ومعبّرة ومؤثّرة ـ واصفاً ما لقيه آل البيت من السبي والتشريد والتعامل السيّء والمهين، وهم أهل بيت الوحي ومعدن الرسالة، وهم قادة أهل الإيمان وأبواب الخير والرحمة والهداية.

وأنهى الإمام خطابه بوصف في منتهى الدقّة عن عظمة الجرائم التي ارتكبها جيش السلطة الأموية في حقّ أهل البيت عليهم السلام، فإن الرسول صلى الله عليه وآله لو كان يأمر هؤلاء بالتمثيل بأهل البيت وتعذيبهم; لما كانوا يزيدون على ما فعلوا، فكيف بهم وقد نهاهم عن التمثيل حتى بالكلب العقور؟! وكيف يمكن توجيه كلّ ما فعلوه وقد أوصاهم النبيّ صلى الله عليه وآله بحفظه في عترته، ولم يطالبهم بأجر للرسالة سوى المودّة في قرباه؟!

فالإمام زين العابدين عليه السلام حاول في خطابه هذا تكريس مظلومية أهل البيت لاستنهاض الروح الثورية في أهل المدينة، وتحريك الوعي النهضوي ضدّ الظلم والجبروت الأموي والطغيان السفياني.

ولم تكن الأوضاع هادئة في المدينة في هذه السنة التي كانت تحت إدارة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأوضح شاهد على اضطراب الأوضاع في المدينة هو استبدال ثلاثة ولاة خلال عامين، واستبدل يزيد الوليد بن عتبة بعثمان بن محمد بن أبي سفيان3.

وأراد عثمان أن يدلّل على كفاءته في إدارة المدينة ويكسب رضا وجوهها عن يزيد وعنه فأرسل وفداً من أبناء المهاجرين والأنصار إلى دمشق، ليشاهدوا الخليفة الشابّ عن كثب وينالوا نصيبهم من هداياه، إلاّ أن الوفد رأى في سلوك يزيد ما يشين ويقبح.

ولما رجعوا إلى المدينة أظهروا شتم يزيد وعيبه، وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، وتعزف عنده القِيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحراب ـ وهم اللصوص ـ وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه.

وقال عبد الله بن حنظلة: لو لم أجد إلاّ بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت عطاءه إلاّ لأتقوّى به.

فخلعه الناس وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد وولّوه عليهم4.

* أعلام الهداية، الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام، ج6، ص69-72.


1- الإرشاد: 2/117 وعنه في وقعة الطف لأبي مخنف: 265، 266.
2- اللهوف: 116، بحار الأنوار : 45 / 148 ـ 149.
3- تأريخ الطبري : 5 / 479، 480 .
4- الطبري : 5 / 480 وعنه في الكامل في التأريخ : 4 / 103.

20-12-2011 عدد القراءات 4298



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا