23 أيلول 2020 م الموافق لـ 05 صفر 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: كف الأذى

الفحش



تمهيد
الفحش، وهو تلفّظ الكلمات النابية والبذيئة التي يستقبحها العرف، آفّة لو ابتلي بها الإنسان وفقد السيطرة على نفسه، يتسبّب بأذى شديد للآخرين، لأنّ الفحش ليس مجرّد ذكر عورة أو عمل غير لائق، بل يتضمّن نيلاً من أعراض الآخرين في غالب الأحيان.ويترفّع الإنسان السويّ وذو الفطرة النقيّة عن كلام الفحش، كما أنّ للشرع المقدّس موقفاً منه، وهذا ما سنسلّط الضوء عليه في درسنا هذا إن شاء الله تعالى.

حرمة الفحش
وقفت الشريعة موقفاً قاسياً من الفحّاش حيث حرّمت الفحش، ونبدأ من كتاب الله تعالى إذ يقول جلّ وعلا: ﴿عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ1.

وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم -: "هو الفاحش اللئيم"2.

وفي تفسير القمّي قال: العتلّ العظيم الكفر الزنيم الدعيّ.

وبمقدار ما نهت الروايات والآيات الشريفة عن الفحش في القول والعمل, فقد أكّدت من جهة أخرى على أهميّة القول الحسن، يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاة3.

حيث أكّد الله على القول الحسن قبل تأكيده في الآية على الصلاة والزكاة، وكذلك لو طالعنا الروايات لوجدنا نفس الشيء، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، فإنّ الله يبغض اللّعان السبّاب الطعّان على المؤمنين، الفاحش المتفحّش، السائل الملحف"4.

وللفحش مراتب!
يلجأ بعض المتهتّكين من الفاحشين إلى التبجّح بحالهم وبفسقهم حين ارتكابهم لهذه المعصية، ولا يبالون بغضب الله الذي يلحق بهم حينما يسلكون هذا الطريق الخاطئ، وقد ذمّ أمير المؤمنين عليه السلام هذه الفئة من الناس ووصفها بالسفه، فعنه عليه السلام: "أسفه السفهاء المتبجّح بفحش الكلام"5.

إلّا أنّ بعضاً من الناس أيضاً يبالغون أكثر من ذلك، ويمعنون غوصاً في الفحشاء، إذ يحاولون أن يسخِّروا كلّ قدراتهم في التعبير، لابتداع فحش أفحش ممّا هو معروف لدى الناس، ويتبارون فيما بينهم لا على البرّ والتقوى، وإنّما على من يسخط ربّه والعياذ بالله تعالى أكثر.

الفحش سلاح اللئام
قرنت الروايات الشريفة صفة اللؤم بالرجل الفحَّاش، ولعلّ ذلك لأنّ من لا يتورّع عن شتم أعراض الناس، يحمل في نفسه مرض اللؤم والحقد على الآخرين، من أدنى سبب بل من أتفه سبب أحياناً.

ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "سلاح اللئام قبيح الكلام"6.


السباب وسيلة العاجز
بعض الناس لا تمتلك القدرة على الإقناع من خلال الحوار، لأنّها لا تبني أفكارها ومعتقداتها وآراءها على أساس علميّ، بل تتبنّى فكراً قابلاً للنقد بكلّ سهولة، وبسبب عدم تمكّنها من تقبّل النقد الذي يحطّم أفكارها الواهية، تقوم في المقابل بردّ لا عمليّ على النقد الموجّه لأفكارها، وهو السباب وتكفير الآخر وتجهليه، وتحويل النقاش الموضوعيّ البنّاء من وسيلة لتطوّر العلم والمعرفة، إلى ساحة للصياح والسباب، والتعرّض بالشتم أو اللّعن.

إنّ هذا النوع من العاجزين عن بناء أفكارهم على أسس متينة، والذين لم يربّوا أنفسهم على تقبّل النقد والنصيحة، واللامتورّعين عن شتم الآخر، هم العاجزون لا عن إثبات أفكارهم فحسب، بل عاجزون عن التطوّر، لأنّ قطع الحوار بهذه الطريقة يلغي تطوّر الفكر، ويبقي الشخص المتمسّك بهذا الخُلق السيّئ، أسير رغبته في الانتقام ممّن يعتقد أنّه "مسّ بمروءته، أو يحاول تحطيمه".

الفاحش شرّ الناس
تصنّف المجتمعات البشريّة المحافظة على القيم الرجل الفاحش في خانة الطبقة الدنيا من المجتمع، ويعتبرونه من الأشخاص الذين يعاب مصاحبهم، ولذا ترى الفاحشين يصاحبون من شابههم من الناس.

وعدّت الروايات الشريفة المتّصفين بهذه الصفة بأنّهم شرُّ الناس، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ من شرِّ الناس من تركه الناس اتّقاء فحشه"7.

ولم تكتفي الروايات بعدّ الفحّاش من شرِّ الناس بل أوعدته النار، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من خاف الناس لسانه فهو في النار"8.


خاتمة
السباب واللّعن صفتان لم يرغب الشرع الأقدس في اتّصاف المؤمن بهما، ولينظر المرء لنفسه حين يبتلى بهذه الصفة، وليعلم أنّ الرقيب الحسيب يحسب عليه كلّ كلمة يقولها، وسيسأل عنها يوم القيامة.

وليعلم أيضاً أنّ من يوجّه كلامه البذيء لأعراض الناس، سيوجّه له الكلام يوماً ما، فهل سيقبل بهذا؟

بالطبع لا، فلماذا إذن قبل أن يشتم الآخرين، وينال من أعراضهم التي أوصى الله تعالى بسترها، ولم يقبل ذلك على نفسه؟!

فعن الإمام عليّ عليه السلام: "من عاب عيب، ومن شتم أجيب"9.

فإذا كان الفاحش يرى لنفسه ميزةً عن الناس، ورفعةً، فهو يحمل فوق فسقِه لفحشه تكبّراً يودي به إلى جهنّم، حيث ينادي المنادي يومئذٍ: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين10.

فليقف الإنسان مع نفسه قبل أن تخرج أيّة كلمة منه، ليتذكّر ما هي العاقبة، وأنّه في غنى عن عذاب الله تعالى، بسبب كلمة تخرج، حالة غضب، وليعلم أنّ أهل البيت عليهم السلام رفضوا أن يصاحبوا الفحّاشين في الدنيا، فكيف يطمع في لقائهم والقرب منهم في جنّات النعيم، ففي الرواية أنّه كان لأبي عبد الله الصادق عليه السلام صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في الحذّائين11, ومعه غلام له سنديّ يمشي خلفهما، إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرات فلم يره، فلمّا نظر في الرابعة قال: يا ابن الفاعلة أين كنت؟

قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام يده فصكّ بها جبهة نفسه ثمّ قال عليه السلام: "سبحان الله تقذف أمّه، قد كنت أرى أنّ لك ورعاً فإذا ليس لك ورع.

فقال: جعلت فداك إنّ أمّه سنديّة مشركة، فقال عليه السلام: أما علمت أنّ لكلّ أمّة نكاحاً، تنحّ عنّي. قال: فما رأيته يمشي معه، حتّى فرّق الموت بينهما"12.

* كف الأذى. تأليف مركز نون للتأليف والترجمة. نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. ط: الأولى شباط 2010م- 1431هـ. ص: 59-63.


1- القلم:13.
2- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 3 ص 2377.
3- البقرة: 83.
4- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 3 ص 2376.
5- م. ن. - ج 3 ص 2376.
6- م. ن. - ج 3 ص 2377.
7- م. ن. - ج 3 ص 2377.
8- م. ن. - ج 3 ص 2377.
9- م. ن. - ج 3 ص 2377.
10- النحل: 29.
11- منطقة فيها صانعو أحذية.
12- الكافي - الكليني - ج 2 ص324.

04-04-2012 عدد القراءات 10814



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا