27 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 10 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: الإمامة والخلافة

آية اليوم يئس الذين ومسألة الإمامة



...تقع الآية التي نعنيها أوائل سورة المائدة، حيث يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا1
ينطوي النص على قسمين، يبدأ كل منهما بـ "اليوم" وهما معا جزءا آية واحدة، وليسا آيتين  ولا جزءا آيتين والشيء الثابت أن كلا القسمين يرتبطان بفكرة واحدة لا بفكرتين (مسوقان لغرض واحد).

سأعرض معنى الآية من خلال القرائن، بعد إشارات نبدؤها بكلمة"يوم" التي دخلت عليها"أل" العهدية لتعني أحيانا "ذلك اليوم" وأحيانا أخرى "هذا اليوم"، وقد استخدمت في المعنيين معا.

وحين تستخدم بمعنى "ذلك اليوم" تكون مسبوقة بذكر يوم معين، تأتي للإشارة إليه. ولكن في المعنى الثاني، عندما نقول:"دخل هذا الشخص اليوم" فالمراد هذا اليوم لاذاك.

تشير الآية في قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم.." إلى يأس الكفار. والسؤال:بأي معنى يئس أولئك من دينكم؟ المراد أنهم يئسوا من التفوق عليكم ومحق دينكم، ولأنهم يئسوا من ذلك فقد كفوا عن مواجهتكم بذاك النهج الذي كانوا يواجهون به الإسلام من قبل، فلا تخشوهم.

والأمر العجيب الذي يردف به النص، هو قوله:"واخشون". فلأن الحديث عن الدين، فالمراد أن هذا الدين لن يصيبه الضرر من أولئك بعد الآن، وإذا صادف وأن حل به الضرر، فإن ذلك يكون بالضرورة  وبمقتضى السياق مني، فما معنى ذلك؟ سنعرض الإجابة بعدئذ.

نقرأ في تتمة الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي). لقد ذكر النص كلمتين متقاربتين إلى بعضهما جدا، هما: الإكمال والإتمام.

الفرق بين الإكمال والإتمام

الفرق بين الكلمتين أن الإتمام يطلق حيث يأتي آخر أجزاء الشيء المتتابعة بعضها وراء بعض، بحيث يقال لذلك الشيء إنه ناقص إذا لم تترتب أجزاؤه تلك كلها. فإذا ما أنضم إليها أجزاؤها الأخر، حتى آخر جزء، نقول تم ذلك الشيء.

ومثال ذلك: البناية، فلا يقال لها "تمت" وإن وضعت لها القواعد ورفعت الجدران والسقف، وإنما يقال لها "تمت " إذا استوفت جميع المستلزمات الضرورية التي تدخل في مقوماتها حتى تكون صالحة للاستخدام. فعندما تكون جاهزة للسكن يقال لها"تمت"2.

أما في (الإكمال) الأمر كذلك، فلا ينطوي الشيء على جزء ناقص ليقال له(غير تام)، فقد لا يكون الشيء ناقصا وليس له جزء يتممه، ولكنه مع ذلك هو غير كامل حتى الآن.

مثال ذلك: الجنين في بطن أمه، فهو يصل إلى حد التمام، حيث تتم أجزاؤه ويستوي هيكله، ثم يولد ويكون طفلا تاما، ولكنه لا يكون إنسان كاملا، أي لا يتحلى بذلك النضج الذي يجب أن يتحلى به الإنسان.

وعملية النضج هي شيء يختلف عن كون الشيء يفتقر إلى جزء ناقص.

إن الاختلاف بين الكامل والتام هو في واقعه اختلاف بين الكيفي والنوعي3.

يقول القرآن من جهةٍ: (اليوم أكملت لكم دينكم) ومن جهةٍ أُخرى يقول:
(وأتممت عليكم نعمتي) ثم يردف:(ورضيت لكم الإسلام دينا) أي: أضحى الإسلام اليوم، هو الإسلام الذي يريده الله. ومن الواضح أن ليس المراد أن الإسلام هو الإسلام السابق نفسه، ولكنَّ الله غيّر رأيه به!

إنما المقصود هو: لمّا كان الإسلام قد تمَّ وبَلَغ حدّ الكمال، فإن مثل هذا الإسلام هو الدين الإلهي المرضيّ، وإن الدين الذي يريده الله، هو هذا الإسلام التام الكامل.

هذا هو مفهوم الآية لا أكثر4 أما ما يتعلق بكلمة(اليوم) فإن كل ما فيها ينصبّ على هذا السؤال: أي يوم هو المقصود؟ أي يوم هذا الذي بلغت أهميته هذا المبلغ، حتى يقول القرآن فيه: إنه اليوم الذي كمُل فيه الدين وتمت فيه النعمة الإلهية؟ من المؤكد أن هذا اليوم مهمّ جدّاً، بحيث يجب أن يكون قد احتضن واقعة استثنائية عظيمة وقعت فيه.

وهذه الواقعة ليست مرتبطة بالشيعة وحدهم أو بالسنّة وحدهم.

ولكن من عجائب القضية أن ليس فيما قبل هذا النص وما بعده من الآيات ما له دلالة على ذلك اليوم، بحيث لا يمكن أن يفهم أي شيء حول ذلك اليوم من القرائن اللفظية للآية ذاتها.

فقد تُسبق آية بذكر واقعة أو قضية مهمة جدّاً، ثم تُردَف بالقول "اليوم" فيأتي إطلاقه بمناسبة ذكر تلك القضية. بيدَ أن الحاصل هنا ليس شيئاً من هذا القبيل، إذ سُبِقَ النصُّ بأحكام بلغت الغاية بالبساطة، لها صلة بما يحرم أكله من لحوم الحيوان وما يحلّ. ففيما الآية تتحدث عن حكم الميتة والدم ولحم الخنزير وأنها محرّمة، وإذا بالنص يواجهنا فجأة بقوله تعالى (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). بعد هذا الاستطراد يعود النصّ مرّة ثانية إلى السياق الأوّل الذي كانت عليه الآية، فيذكر حكم المضطر (فمن اضطُرَّ في مخمصة غير متجانفٍ لإثم فإن الله غفور رحيم).

إن ترتيب النص جاء بصيغة، بحيث إذا رفعنا هذا القسم منها - الذي نتحدث فيه - نجد أن القسم الأول يتصل بالقسم الثاني من دون طروء أدنى خلل على السياق - كما هو عليه الحال في موردين أو ثلاثة أُخرى تكرّرت في القرآن - بلا أن يُلحق بها هذا القسم الوسطي، بحيث جاء التعبير عن الفكرة كاملا5 .

ما المراد باليوم؟
لقد بذل المفسّرون من الشيعة والسنّة جهودهم في معرفة المراد من "اليوم" الذي أشارت إليه الآية. ولذلك طريقان، الأول: أن نحدد المراد ونفهمه من القرائن أي من مضمون النص لنرى مع أي مضمون يتّسق، وما هو اليوم الذي يمكن أن يأتي فيه مثل هذا المضمون. أمّا الطريق الثاني فيتمثّل بالعودة إلى التاريخ والحديث كي نفهم منهما شأن نزول هذه الآية.

الجماعة التي اختارت النهج الأول ذكرت أنه لا عناية لها بما جاء بشأن نزول الآية ووقتها ومناسبتها، في التاريخ والسنّة والحديث، بل هي تكتفي بالنظر إلى المضمون. وفي النتيجة انتهت إلى أن الآية ناظرة إلى زمن البعثة، وبالتلوّ فإن المراد من"اليوم" هو ذلك اليوم، يوم البعثة، لا هذا اليوم (الذي نزلت فيه الآية).

والذي أُريد أن أذكره لكم أن هذه الآيات تقع في أوائل سورة المائدة، والمائدة - السورة الخامسة في القرآن - افتتحت بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أوْفوا بالعقود)، وإجماع المفسرين على أن (المائدة) هي آخر سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي بذلك مدنيّة. لقد تأخّر نزول هذه السورة حتى بعد سورة (إذا جاء نصر الله والفتح).

وذكروا أن آية - أو آيتين - نزلت بعد المائدة، وأُدرجت ضمن السور الأُخرى ولكن لم تنزل بعد هذه السورة سورةٌ كاملة، ومن هنا عُدّت آخر الآيات التي نزلت على النبي.

اختلاف النظريات
اختلفت النظريات في المراد من "اليوم "، وسنشير إلى ثلاث منها، هي:

1- يوم البعثة
ذكرنا أن بعضهم ذهب إلى أن المراد من (اليوم)، هو "ذلك اليوم" لا "هذا اليوم" والسؤال: ما هي القرينة على ذلك؟

ذكروا أن الآية حين تقول"اليوم" ثم تصفه بأنه اليوم الذي رضي الله فيه الإسلام دينا لكم، فإن مقتضى القاعدة أن يكون المقصود منه هو يوم بعثة النبي، وبذلك تكون القرينة هي قوله تعالى:(رضيت لكم الإسلام دينا).

وأمكن أن يكون هذا صحيحا لو لم يكن قوله: (رضيت لكم الإسلام دينا) مسبوقا بالجمل التي قبله، لأن تلك الجمل قد تحدثت عن إكمال الدين وإتمام النعمة، والحال أن بداية هذه النعمة كانت مع أول أيام البعثة.

أما قوله:(رضيت لكم الإسلام دينا) فقد جاء لبيان أن الإسلام الذي كمُل الآن وتمت نعمته، هو ذاك الإسلام المرضيّ.

وبذا يتبين أن المراد بـ ( اليوم ) لا يمكن أن يكون يوم البعثة.

2- يوم فتح مكة
من الوجوه التي احتملوها من دون أن تكون لهم عليها قرينة، هو أن يكون المراد يوم فتح مكة. فقد ذكروا - وصحيح ما ذكروه من - أن أحد الأيام العظيمة في تاريخ الإسلام هو يوم فتح مكة، حيث نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا6. لقد كان لمكة في جزيرة العرب موقع روحي مهم. فبعد عام الفيل والاندحار العجيب الذي آل إليه مصير المهاجمين من أصحاب الفيل، انطوت جميع قبائل الجزيرة العربية على اعتقاد عظيم بالكعبة بصفتها معبداً مهمّاً.

وفي الواقع، إن غرور قريش يكمن في هذه النقطة بالذات، فقد سخّرت هذه القضية لصالحها، وأخذت تتحدث من خلالها عن موقعها وأهميتها والاحترام الذي تستحقّه، بحيث انتهت قصة أصحاب الفيل بذلك البلاء السماوي الذي أصاب جيشهم حتى لم يبق منهم أحد ‍‍لقد استحكم الغرور بقريش إثر هذه الواقعة، حتى تحول إلى ضرب من الطاعة أخذت تبديه لها قبائل الجزيرة العربية.

انتعش سوق مكة كثيراً، وأخذت قريش تملي ما تريد على الآخرين، وانصاع لها الناس بفعل البعد النفسي والإعتقادي الذي أخذوا يشعرون به نحو الكعبة.

منذ ذلك الوقت وشعور وُلِدَ عند الناس باستحالة أن يُسيطر أحدهم على الكعبة ويهيمن عليها.

وحصل أن النبي الأكرم فتح مكّة بدون إراقة دماء، وبدون مشاقّ، وبلا أن يلحق أحدهم أدنى ضرر. وربما أخذ النبي في حسابه هذا الشعور( النفسي- العقيدي ) وهو يحرص على فتح مكّة بدون إراقة دماء.

فلو قُتل من المسلمين في معركة أُخرى مئة أو أكثر لما قيل شيء، ولكن لو أصابهم في فتح مكّة أدنى ضرر، لقال من قال: أنظروا، قد نزل بمحمد وأصحابه ما نزل بأصحاب الفيل!

لقد سلك النبي نهجا في فتح مكّة لم يؤدّ إلى إراقة قطرة دمٍ واحدة، لا من المسلمين ولا من الكفّار، باستثناء ما كان صدر من خالد بن الوليد - بدافع الحقد الذي ينطوي عليه - عندما وصل لقوم في أطراف مكة فقتل جماعة بعد أن قاومه عددٌ منهم. وعندما وصل الخبر إلى النبي تبرّأ مما كان فعله خالد، وقال: اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد7 .

لقد ترك فتح مكة أثرا نفسيا فائقا لدى قبائل الجزيرة العربية. فقد تبين لهم أن للقضية وضعا آخر، فها هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد جاء وفتح مكة ولم يصبه أذى.

بعد هذه الواقعة أسلمت الجزيرة العربية، وجاء أهلها النبي وقد اختاروا الإسلام.

بين أيدينا آية في القرآن، يقول فيها الله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا8 فالمسلمون قبل الفتح كانوا قلة، وكانت أعمالهم تصدر عن إيمان كامل، أما بعد الفتح فصار الناس يختارون الإسلام تلقائيا.

إن إيمان ما بعد الفتح، لا يساوي في قيمته إيمان ما قبل الفتح.

ليس ثمة شك إذن في أن يوم فتح مكة، هو يوم نصر عظيم للإسلام، ولا اعتراض لنا على ذلك.

والآن نعود إلى من احتمل أن المقصود من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي هو يوم فتح مكة، حيث لمسنا من العرض الآنف أنه ليس هناك دليل يثبت هذا الرأي، لا من اللغة ولا من التاريخ.

بالإضافة إلى افتقار هذا الرأي لما يؤيده من قرينة وشاهد تاريخي، نجد أن صدر الآية لا يعين عليه، حيث قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي إذ المراد أنه لم يبق شيء إلا وذكرته، في حين نعرف أن الكثير من أحكام الإسلام وتعاليمه نزلت بعد فتح مكة. وهذا ما لا يتسق مع قوله:(أتممت عليكم نعمتي). فعندما يقول:(أتممتُ هذه البناية) فمن الثابت أن المراد ليس أنه تركها على النصف.

لقد نزلت كثير من الآيات بعد فتح مكة، منها سورة المائدة بتمامها، وهي سورة طويلة ضمت كثيرا من الأحكام والتعاليم، فكيف يتسق القول بأن هذا الجزء من السورة له صلة بفتح مكة الذي تم في السنة الثامنة للهجر، مع أن السورة نفسها نزلت في السنة العاشرة للهجرة.

أما إن قلنا أن هذه الآية نزلت وحدها في يوم فتح مكة، فإن ذلك مما لا يتّسق مع إتمام النعمة أيضا.

ثم اعتراض آخر يَرِدُ على هذا الاحتمال، ينطلق هذه المرّة من قوله تعالى:(اليوم يئس الذين كفروا من دينكم). فهل كان الحال كذلك في يوم فتح مكّة؟

صحيح أن الفتح انطوى على اثر عظيم، ولكن هل يئس الكافرون من الدين في هذا اليوم كليّاً؟ بالتأكيد: لا.

3- يوم تبليغ أمير المؤمنين سورة براءة
من الأيام المهمة الأُخرى المحتمل كونه مراد الآية، يوم قراءة سورة (براءة) من قِبل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في منى، سنة (9) هجرية.

لقد كان فتح مكّة فتحاً عسكرياً، عاد بنتائج مدهشة على صعيد تثبيت القدرة العسكرية، بل وحتى المعنوية للإسلام، ولكن مع ذلك، كان النبي يعيش مع الكفّار وفقا لشروط الصلح، فقد كان الصلح قائما بين الطرفين، وبمقتضاه كان للمشركين حق الطواف بالكعبة والمكوث في مكّة والاشتراك في الحجّ.

وقد حصل في إحدى السنوات، أن الحج مشتركاً، إذ حجَّ المسلمون وأدّوا مناسكهم وفقا لتعاليم الإسلام، وحجَّ المشركون وقد أدّوا مناسكهم وفقا لعقيدتهم.

وفي السنة التاسعة للهجرة نزلت سورة براءة (التوبة) حيث ندَبَ النبي الإمام أمير المؤمنين لقراءتها في منى على مسمع من الناس، وبمقتضى هذه السورة لا يحقّ للمشركين بعد عامهم هذا أن يشاركوا بمراسم الحجّ، فالحج أضحى منسكاً خاصّاً بالمسلمين فقط.

وقصّة ذلك معروفة، حيث بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بادئ الأمر أميراً على الحاج، وقد كان في الطريق حين نزلت ( براءة ).

لقد اختلف المفسّرون فيما إذا كان أبو بكر قد أخذ معه (سورة براءة) منذ البداية، أم أنه ذهب بصفته أميرا على الحاج، من دونها.

ولكن ما أتفق عليه الشيعة والسنة وعدُّوه من فضائل الإمام أمير المؤمنين، هو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث بأمير المؤمنين على ناقته الخاصة العضباء بعد أن نزل عليه الوحي وأخبره: أن لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك فأدرك الإمام أبا بكر في الطريق.

ومما يُذكر في الواقعة أن النبي حين بعث بأبي بكر ثم أتبعه عليا على ناقته، كان أبو بكر في خيمة أو في بعض الطريق حسب رواية أخرى إذ سمع رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج فزِعاً وهو يظنّه رسول الله، وإذا هو علي، فعرف أن أمرا مهمّاً قد حدث. عندها سأل الإمام، فأجابه: إنه أُنزِل عليه أن لا يبلّغها إلا رجل منك.فعاد إلى المدينة خائفا من أن يكون قد نزل فيه ما يُغضب النبي فقال: يا رسول الله، أاُنزل فيَّ شيء؟ فقال النبي: لا، ولكني أُمرِت أن أُبلّغها أنا أو رجلٌ مني9.

عند هذه النقطة، نشأ خلاف في الرأي، فالسنة تروي أن الإمام عليا قرأ (براءة) ومضى أبو بكر في سفره،لم ينقص من مهمّته التي أناطها به النبي إلا تبليغ (براءة)أي بقيت له الإمارة على الحج بيدَ أن الشيعة ومعها كثير من أهل السنة ذكروا عودة أبي بكر إلى المدينة - حسبما ينقله صاحب تفسير الميزان10 - حتى إذا ما التقى بالنبي سأله: يارسول الله، أنزل فيَّ شيء؟ فقال النبي: لا.

يتبين مما مرّ، أن يوم تبليغ (براءة) كان يوما استثنائيا في حياة المسلمين. ففيه أُعلن أن الحرم يختص بالمسلمين وحدهم، ولا يحقّ للمشركين بعد الآن أن يشاركوا في مراسم الحجّ.

وهذا الأذان جعل المشركين يفهمون أنه ليس بمقدورهم أن يظلوا على شركهم، فالإسلام يتعايش مع أديان كاليهودية والنصرانية والمجوسية، بيدِ أنه لا يتحمّل الشرك ولا يتعايش معه.

وللأهمية التي يتحلّى بها هذا اليوم، ذكروا أنه قد يكون هو المراد من الآية.

وقد قالوا في الرد: إن هذا الاحتمال لا يتسق مع قوله تعالى:(أتممت عليكم نعمتي) لأن الكثير من الأحكام جاءت بعد هذا اليوم نزلت براءة في السنة التاسعة للهجرة في حين أن اليوم الذي تعنيه الآية التي نحن بصددها، لابد أن يكون من الأيام الأواخر في حياة النبي حيث لم ينزل من السماء بعده حكم جديد11.

رأي الشيعة
للشيعة رأي يذهبون فيه إلى أن مضمون الآية يلتقي مع الشواهد التاريخية في تأييده. ولما كان المضمون والتاريخ يجتمعان في تأييد هذا الرأي، فإن البحث فيه يقع في قسمين، الأول: مضمون الآية، والثاني: الشواهد التاريخية.

1 - البُعد التاريخي
إذا أردنا أن نبحث في القسم الثاني، فأمامنا قضية تاريخية مفصلة جدا. لقد استندت أكثر الكتب التي دُوّنت بهذا الشأن - أكثر ما استندت - إلى البعد التاريخي والبعد الحديثي اللذين أثبتا أن آية ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا نزلت في غدير خم.

وكتاب الغدير (11) مجلدا اضطلع بإثبات هذه الفكرة.

وقد نهض المؤرخون بإثبات الواقعة، بالإضافة إلى كتب الحديث. فعندما نعود إلى (تاريخ اليعقوبي)12، الذي يُعد من اقدم الكتب في تاريخ الإسلام العام، وأكثرها اعتبارا عند الشيعة والسنة، نجده توفر على ذكر قصّة غدير خم 13.

والذي تذكره الرواية: أن النبي حين عودته إلى المدينة من مكة بعد حجة الوداع14، صار إلى موقع بالقرب من الجحفة15، يقال له غدير خم، أوقف فيه القافلة وجمع المسلمين ليخطبهم (الآية المعنية نزلت هنا) وقد أمر بمنبر فعمل له من أحداج الإبل، فعلاه وتحدث معهم، فكان مما قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يارسول الله.قال: فمن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه.

بعد أن أتم الرسول إبلاغه، نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي16 إذا أردنا أن نبحث القضية من الزاوية التاريخية، فيجب علينا أن نستعرض كتب الشيعة والسنة واحداً واحداً، خصوصا كتب أهل السنّة التي نقلت الواقعة وذكرتها.

وهذه الأمور بحثت في كتب من أمثال الغدير والعبقات وثم كتاب نشره قبل عدة سنوات شباب مؤسسة نشر الحقائق، فيه - تقريبا - زبدة الكلام في مسألة الغدير، ربما كانت مطالعته مفيدة للسادة الحضور.

فما يستدل به الشيعة من زاوية البعد التاريخي هو العودة إلى التاريخ لمعرفة "اليوم" المراد في قوله تعالى: :(اليوم أكملت لكم دينكم)، وعندها نجد أن ثمرة العودة إلى التاريخ ليس رواية أو روايتين، ولا حتى عشر روايات، بل هناك تواتر على أن الآية نزلت في يوم غدير خم، بعد أن نصّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام خليفة له.

2 - القرائن الموجودة في الآية
والآن نريد أن ننظر إلى الآية لنجد هل تنطوي على قرائن تؤيد ما أثبته التاريخ أم لا؟

تنص الآية على قوله: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم)، وهذا النص نضمّه إلى آيات أخرى في القرآن تحذر المسلمين وتخوّفهم من أن الكفار في كيدٍ دائمٍ لهم ولدينهم، وهم يودون أن ترجعوا عن دينكم، وهذا التحذير القرآني شمل أهل الكتاب وغيرهم. يقول تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ}17 في ضوء ذلك، نجد أن الله - من جهة- يحذر المسلمين في آيات من القرآن، أن الكفار يطمعون باستئصال دينكم، ثم يأتي (جل اسمه) في هذه الآية ليذكر يأسهم من الإسلام، فقد انتهى نشاطهم المعادي لدينكم (فلا تخشوهم واخشون).

فإذا ضعف دينكم بعدئذ أو استؤصل، وإذا أصابكم أي شيء، فـ"اخشَونِ ". فماذا يعني هذا؟ هل إن الله عدوّ لدينه؟ كلا، وإنما هذه الآية تتحدث عن مفهوم عرضه القرآن في آيات كثيرة، وطرحه بصيغة أصل أساسي يشمل النعم التي أنعم بها على عباده. قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ18، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ19 والمراد أن الله لا يزيل نعمه عن الناس، إلا إذا أرادوا هم ذلك. وهذه الفكرة تعبير عن أصل أساسي في القرآن الكريم.

المحكمات والمتشابهات
بمناسبة الحديث عن هذه الآية، أجد من اللازم أن أقف عند مسألة يُصار للعمل بها في كثير من الموارد.

آيات القرآن يفسّر بعضها بعضا"القرآن يفسّر بعضه بعضا". والقرآن كتاب بيّن ومبين، وهو بنفسه يصنف آياته إلى صنفين: آيات محكمات وأخرى متشابهات.

يطلق على الآيات المحكمات وصف أُمّ الكتاب. يقول تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ الآية المتشابهة هي التي تنطوي على مفهوم يمكن تطبيقه بأكثر من صيغة. أما المحكمة فهي التي يمكن متابعة مفهومها وتطبيقه بصيغة واحدة. والقرآن أطلق على المحكمات وصف أم الكتاب، لأنه حتى المتشابه يمكن تحديده وتطبيقه من خلالها وبإعادته إليها.

فلو كانت آية من القرآن يمكن تطبيقها على اكثر من وجه، لا يحق لنا تطبيقها تنفيذها والعمل بها والإفادة منها إلا بالرجوع لسائر آيات القرآن، إذ بهذا الرجوع سنعرف كيف نتابع تلك الآية ونطبقها. فمعنى الآية المتشابهة هي الآية المجملة، أو التي تنطوي على لغة لا نعرف معناها، بل هي الآية التي يمكن توجيهها على وجوهٍ عدّة شبيهة بعضها ببعض.

على سبيل المثال ثم في القرآن آيات ترتبط بالمشيئة الإلهية المطلقة، وهي تنسب كل شيء إلى المشيئة من دون استثناء. من بين هذه الآيات التي تُعدُّ متشابهة بالمعنى المذكور، قوله تعالى: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ20. ليس ثمة ما هو أصرح من هذا التأكيد على أن الله المالك الأساسي لضروب الملك والقدرة كافة، فهو الذي يهب الملك والعزة من يشاء، ويسلبها عمَّن يشاء، والخيرة كلُّه بيده سبحانه.

هذه الآية متشابهة من جهة إمكان تعدّد وجوه مطابقتها وهي تنص على أن كل شيء بمشيئة الله. وهذه المشيئة يمكن أن تكون على ضربين، الأول: ليس في منطق المشيئة الإلهية شيء يكون شرطا لشيء.

وهذا المعنى الخاطئ أفاد بعضهم - من الآية- وقالوا: يمكن أن تتوافر جميع الشروط التي نطلق عليها شروط العزّة، ولكن النتيجة المترتبة على ذلك، أن الذي يأتي هو الذل بدلاً من العزّة !

كما يمكن أن تتوافر جميع الشروط التي نسميها شروط الذلّة، بيدَ أن الذي يتمخّض عن هذه المقدمات، هو العزة بدلا من الذلة!

منطق هؤلاء يقوم على القول: ليس ثمة في السعادة الدنيوية والأخروية، شيء يكون شرطا أو علة لشيء آخر، لأن كل شيء هو بمشيئة الله!

في ضوء هذا المنطق يمكن لقوم - أو فرد - أن ينال السعادة الكاملة في الدنيا من دون أية مقدمة أو سعي يذكر، كما يمكن أن يصاب بالسوء الكامل من دون أية مقدمة أيضا.

كما يمكن لقوم أن يبلغوا في الآخرة أعلى عليين من دون أي شرط وسبب ومقدمة، ويمكن لقوم آخرين أن يهووا إلى قعر سجين من دون مقدمة أيضا.

ما يؤسى له أن قطاعا من المسلمين يقال لهم الأشاعرة، استفادوا من الآية هذا الوجه، وقالوا: ليس هناك مانع من أن يساق نبي الله إلى جهنم، وأن يذهب أبو جهل إلى الجنة، لأن الله ذكر أن كل شيء هو بالمشيئة الإلهية!

هذا - بلا ريب - هو ضرب من التطبيق الخاطئ للآية، فالآية تذكر - فقط- أن كل شيء بالمشيئة الإلهية، بيدَ أنها لم تبين كيف تجري هذه المشيئة، ولم تذكر كيف تعمل في السعادة والشقاء والعزة والذلة.

هذه الآية إذن يمكن أن تطبق على وجوه - وهي مثال للآية المتشابهة- ولكن عندما نعود إلى آيات أخرى في القرآن، نرى أن تلك (الآيات) تتحول إلى أم (أم الكتاب - محكمات) وتُفسّر لنا هذه الآية. على سبيل المثال: هذه الآية تقول

بمنتهى الصراحة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ21. أو الآية الأخرى التي تعد - من إحدى الجهات - أعم من الأولى، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ22

في كل آية من الآيتين شيء لا تحويه الأخرى. فالثانية تقول: إن الله لا يسلب ما عند قوم حتى يسلبوا أنفسهم ما عندهم.

وهذه الآية عامة، بمعنى أن الله لا يسلب عن قوم نعمة فيهم ولا يبدلها عليهم نقمة إلا أن يتغيروا، ولا يزيل عن قوم نقمة فيهم - ليبدلها إلى نعمة - إلا إذا غيروا ما بأنفسهم.

أما الآية الأولى فتتحدث عن النعم ولا شأن لها بالنقم، ولكن بإضافة نقطة ملخصها:"ذلك بان الله لم يك مغيرا" أي إن الله لم يكن كذلك. وعندما يطالعنا في القرآن قوله:"ما كان الله" فإن ذلك بمعنى: إن ربوبيته تعالى لا توجب ذلك. وذلك على الضدّ من ربوبيته الربّ الذي يسلب النعمة عن قوم جزافاً وعبثاً.

إن القول أن مشيئة الله تجرى جزافا وعبثاً، وأن لا شيء يكون شرطا لشيء، هو أمر بخلاف الحكمة والكمال الذاتي والربوبي لله.

هكذا إذن تنتهي هذه الآيات لتكون أمّاً بالنسبة إلى تلك الآية.

إن غاية ما تقوله الآيات الراجعة إلى المشيئة، أن كل شيء بمشيئة الله. أما هذه الآية، فهي تقول إن مشيئة الله تجري على هذا النحو، ولها هذا القانون.

عند العودة إلى القرآن إذن، نجد أن هذه المسألة تعبر عن نفسها من خلال أصل أساسي يتسم بغاية المتانة والإحكام، وقد تكرر ذكره في آيات كثيرة. ومفاد هذا الأصل هو: إذا شكرتكم نعمتي، أي إذا أخذتم منها على نحوٍ صحيح فسأبقيها، أما إذا كفرتم بها فسأسلبها عنكم.

وبه يتضح معنى قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون". فالمراد أن الكفار خارج المجتمع الإسلامي قد يئسوا من استئصال دينكم، وهم لا يعودون بعد الآن خطرا على العالم الإسلامي. والمطلوب إزاء ذلك "اخشَونِ " أيْ خافوا من أنفسكم.

وكأن الخطاب: أيها المسلمون، إذا كان هناك خطرا بعد الآن فهو يتمثل بسوء صنيعكم مع نعمة الإسلام، إذ تكفرون بالنعم، ولا تستفيدون منها كما ينبغي، وعندئذ يجري عليكم قانون (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

ليس هناك بعد ذلك اليوم خطرا يهدّد المجتمع الإسلامي من الخارج، بل الخطر الذي يتهدّده هو من الداخل.

*الامامة،الشيخ مرتضى مطهري، المترجم :جواد علي كسّار، مؤسسة أمُّ القرى ،لبنان بيروت،ط2 1422هـ،ص130ـ153.


1- المائدة: 3
2- الإكمال: بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدر أو عدٍّ حساًّ أو معنى. والتكميل: يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التمام، يقابل نقصان الأصل، والكمال يطابق نقصان الوصف بعد تمام الأصل.ينظر: الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكوفي، المتوفى 1014هـ، ص 163،296،الطبعة الثانية 1413هت، مؤسسة الرسالة المترجم
3- ذكر صاحب الفروقات: قد فُرّق بينهما بأن الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل. وقيل: ولذا كان قوله تعالى:تلك عشرة كاملة أحسن من تامة، فإن التام من العدد قد عُلِم، وإنما نفي احتمال نقصٍ في صفاتها. وقيل: تم يُشعر بحصول نقص قبله، وكمُل لا يشعر بذلك.
وقال العسكري: الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به، والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف. ولهذا يقال القافية تمام البيت ولا يقال كماله. ويقولون: البيت بكماله أو باجتماعه إن تتابع.
ينظر: فروق اللغات في التمييز بين الكلمات، نور الدين بن نعمة الله الحسيني الجزائري، ص44، الرقم 26، الطبعة الثالثة،طهران 1415هـالمترجم
4- يكتب السيد الطباطبائي في تفسير الآية: الإكمال والإتمام متقاربا المعنى. قال الراغب: كمال الشيء حصول ما هو الغرض منه. وقال: تمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه، والناقص ما يحتاج إلى شيء خارج عنه. ولك أن تحصل على تشخيص معنى اللفظين من طريقٍ آخر، وهو أن آثار الأشياء التي لها آثار، على ضربين. فضرب منها ما يترتب على الشيء عند وجود أجزائه - إن كان له أجزاء - بحيث لو فقد شيئا من أجزائه أو شرائطه لم يترتب عليه ذلك الأمر، كالصوم فإنه يفسد إذا أُخلَّ بالإمساك في بعض النهار، ويسمى كون الشيء على هذا الوصف بالتمام، قال تعالى:ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة: 187.
وضرب آخر: الأثر الذي يترتب على الشيء من غير توقف على حصول جميع أجزائه، بل أثر المجموع كمجموع آثار الأجزاء، فكلما وجد جزء ترتب عليه من الأثر ما هو بحسبه، ولو وجد الجميع ترتب عليه كل الأثر المطلوب منه. قال تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة البقرة:196 فإن هذا العدد يترتب الأثر على بعضه كما يترتب على كله.
وينتج مما تقدم أن قوله تعالى:أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي يفيد أن المراد بالدين هو مجموع المعارف والأحكام المشرّعة، وقد أضيف إلى عددها اليوم شيء، وأن النعمة - أيا ما كانت _ أمر معنوي واحد، كأنّه كان ناقصاً غير ذي أثر فتمّمَ وترتّب عليه الأثر المتوقع منه. الميزان، المجلد الخامس، ص179-180.المترجم
5- يريد أن يقول إن صدر الآية حرمت عليكم الميتة والدم مترابط مع نهايتها - أو ذيلها بحسب تعبير الأقدميين - وهما يشكلان كلاماً تامّاً ووحدة نصّية لا تتوقف في التعبير عن تمام المعنى وإفادة المراد منها، على الجزء المعترض المتمثل بقوله تعالى:اليوم يئس الذين كفروا.. بحيث إذا حذفنا هذا الجزء لا يطرأ على السياق أي اضطراب، ولا يعتور المعنى نقص.
ومثل ذلك تكرّر في آيات أخرى ذكرت محرّمات الطعام من دون الجزء المعترض هذا، كما هو الحال في سور الأنعام والنحل والبقرة، إذ نقرأ في البقرة مثلا إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله، فمن اضطُرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم البقرة 173 ومثله في سورتي الأنعام والنحل المترجم
6- الفتح1-2
7- هذه الواقعة جرت في خروج خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام، والنبي لا يزال في مكة - أي لم تقع في مكة- فلما نزل خالد بهم استقبلوه بالسلاح، وكان بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية الفاكه بن المغيرة - عم خالد- ثم وضعوا السلاح بعد كلام بينهم، فأمر بهم خالد فكُتّفوا، ثم عرضَهم على السيف وقتل جماعة منهم.
والذي يذكره الطبري وابن هشام أن جدالا وقع بين خالد وعبدالرحمن بن عوف - الذي كان معه - إذ اتهم عبدالرحمن خالدا أنه قتل من بني جذيمة ثأراً لعمه. لما وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله رفع يديه إلى السماء، وقال اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، وفي رواية أنه كرر ذلك ثلاثا.
ثم أرسل النبي الإمام علي بن أبي طالب فدفع إليهم دية القتلى وما أصيب من أموالهم. ينظر: سيرة ابن هشام، ج4، ص70 فما بعد المترجم
8- الحديد: 10
9- المتن في هذه الموارد يضطرب بحكم أن الشيخ يتحدث شفاهيا ويقوم بالترجمة والإيضاح، فيختلط النص التاريخي مع الترجمة، ثم مع الشرح والتوضيح مما يُفضي إلى الإرباك. وقد سعينا جهد الإمكان أن نحافظ على الصورة التاريخية للواقعة من خلال ترتيب المتن.
وفي هذا المعنى تظافرت النقول عليه بما لا يحصى، ففي تفسير البرهان عن "أبن شهر آشوب " أنه روى الحديث الطبرسي والبلاذري والترمذي والواقدي والشعبي والسدي والثعلبي والواحدي والقرطبي والقشيري والسمعاني وأحمد بن حنبل وابن بطة ومحمد بن إسحاق، وأبو يعلى الموصلي والأعمش وسماك بن حرب، في كتبهم عن عروة بن الزبير وأبي هريرة وأنس وأبي رافع وزيد بن نفيع وابن عمر وابن عباس، واللفظ للأخير: أنه لما نزلبراءة من الله ورسوله إلى تسع آيات أنفذ النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر إلى مكة لأدائها فنزل جبرئيل وقال: إنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك فقال النبي لأمير المؤمنين: اركب ناقتي العضباء والحق أبا بكر وخذ براءة من يده.
قال: ولما رجع أبو بكر إلى النبي، جزع وقال: يا رسول الله إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه، فلما توجهتُ إليه ردَدْتني عنه؟ فقال صلى الله عليه وآله: الأمين هبط إليَّ عن الله تعالى: أنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعليٌّ مني ولا يؤدّي عني إلا عليّ.
ينظر:
1- السيرة النبوية، لابن هشام، ج4، ص190.
2- تاريخ اليعقوبي، ج2.
3- تفسير القمي، على بن إبراهيم،ج1،ص281 فما بعد.
4- فضائل الخمسة من الصحاح الستة،ج1، 343فما بعد.
5- سيرة المصطفى، هاشم معروف الحسني، ص 677المترجم
10- ينظر: الميزان، المجلد التاسع ص 161 فما بعد. وبودنا أن نشير إلى أهمية الأفكار التي طرحها السيد محمد حسين الطباطبائي وثراء المناقشات التي أوردها في بحثه الروائي بشأن الواقعة المترجم
11- مرت هذه الأجزاء من البحث الذي أتناوله هنا في كتاب "خلافت وولايت" بالفارسية للسيد محمد تقي شريعتي الذي صدر مؤخراً عن حسينية الإرشاد قبل أربع سنوات مستفيداً من سورة المائدة، ولكن ربما بدا البحث بحاجة إلى تفصيل أكثر، وربما ساهم ما أقوم بعرضه الآن في توضيح ذلك البحث بعض الشيء، أو أن تسهم مطالعتكم ذلك الكتاب في توضيح ما أذكره هنا. اقصُد أن هذين الإثنين يوضح بعضهما الآخر
12- يعد تاريخ اليعقوبي من الكتب المتقنة جدا، حيث كتب أوائل القرن الهجري الثالث، بعد عهد المأمون وفي حدود عهد المتوكل فيما يبدو، وهذا الكتاب لا يقتصر على كونه مؤلفا تاريخيا وحديثيا وحسب.
13- تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 112،دار صادر، بيروت المترجم
14- كانت حجة الوداع في آخر سنة من حياة النبي، قبل شهرين من وفاته، وقد وصل النبي إلى غدير خم في 18 ذي الحجة، أي قبل شهرين وعشرة أيام من وفاته، إذا كانت الوفاة - حسب الشيعة -في 28/ صفر سنة 10 للهجرة ، أو قبل شهرين وعشرين يوما منهما إذا كانت الوفاة - حسب أهل السنة- 12/ ربيع الأول
15- الجحفة: هي ميقات أهل الشام، فالحاج الآتي عن طريق الشام الواقع في الشمال الغربي من مكة، يصل الجحفة بعد طيّ قليل من الطريق، والجحفة هي ميقات عيّنه النبي للوافدين إلى مكة عن هذا الطريق، وغدير خم منطقة قريبة من الجحفة، وهي بمنزلة مفترق طرق، حيث كان المسلمون يذهبون منها صوب مناطقهم، أهل المدينة إلى المدينة، والآخرون إلى مدنهم. بعد ذلك يذكر المؤلف كلاما عن جدة يمكن اتخاذها ميقاتا أو لا، ثم يوضح أن الاختلاف في المسألة ليس فتوائيا بل هو اختلاف جغرافي، فإذا ثبت أنها محاذية لأحد المواقيت أمكن الإحرام منها إلى مكة, المترجم
16- المائدة:3
17- البقرة:109
18- الرعد:11
19- الانفال:53
20- آل عمران/26
21- الأنفال: 53
22- الرعد: 11

29-03-2010 عدد القراءات 19111



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا