19 آب 2019 م الموافق لـ 17 ذو الحجة 1440 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: 2010

كلمة الإمام الخامنئي في مجموعة خدّام مسجد جمكران المقدس



 

 

في أثناء زيارته لمدينة قم بتاريخ 28/10/2010 م التقى سماحة آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي بخدّام مسجد جمكران المقدس، وأدلى ببعض النقاط حول هذا المسجد وخدمته. وسرد سماحته في كلمته هذه جانباً من ذكرياته عن ذهابه إلى مسجد جمكران قبل انتصار الثورة، مشيراً إلى إقبال أولياء الله ورجال الغيب على هذا المكان المقدّس واهتمامهم به.

بسم الله الرحمن الرحيم

مجموعة خدام مسجد جمكران المقدّس موجودون هنا، ونعتقد أنّ الخدمة في مسجد جمكران المقدّس المبارك من التوفيقات الإلهية الكبيرة، فعلى الإخوة والأخوات الذين وُفّقوا لذلك أن يعرفوا قدر هذه النعمة والخدمة.

جمكران موضع اهتمام أولياء الله
إنّ قوام الحياة المعنويّة للإنسان بالتذكّر والتوسّل والخشوع والذكر، وهو ما يتوفّر للإنسان في المساجد الإلهية وفي أماكن العبادة، خصوصاً في تلك الأماكن والمساجد التي يكون فيها أثرٌ لأولياء الله وعلامة عليهم. فالمكان الذي يعلم الإنسان أو يحتمل أنّه موضع اهتمام أولياء الله، من الطبيعي أن تكون المعنوية فيه أكثر، ومسجد جمكران المبارك من هذه الأماكن والمراكز التي يتوفّر فيها التوجّه إلى الله تعالى وتذكّره والخشوع والتضرّع له أكثر.

ومن حسن الحظّ، أنّ هذا المكان هو اليوم موضع اهتمام الناس وإقبالهم ولم يكن الأمر كذلك في السابق. في السنوات التي كنّا فيها في قم، كان هناك عدد قليل من الأفراد يذهبون ليالي الأربعاء أو ليالي الجمعة إلى هذا المسجد، وكان مكاناً صغيراً محدوداً، فيؤدّون الزيارة ونادراً ما كان أحد يبيت هناك، كانت الحالات محدودة جداً. نحن أنفسنا الذين عشنا في قم لسنوات، لم نوفّق للذهاب إلى مسجد جمكران سوى مرات عدة، فلم يكن الأمر شائعاً مألوفاً ولم تكن القلوب منجذبة مقبلة على المعنويّات هكذا، ولم تكن الأجواء المعنوية سائدة. وهكذا فإنّ مكاناً بهذه العظمة وهذه القداسة ـ وهو موضع اهتمام العظماء ورجال الغيب وعباد الله وأمناء الله ـ كان مخفيّاً مستوراً عن أنظار الناس بهذا الشكل ولم يكن أحد يهتمّ به. كبار العلماء كانوا يأتون إلى هنا ويزورون، ومنهم المرحوم الفيض الكاشاني (رضوان الله تعالى عليه). يكتب ابنه المرحوم علم الهدى رضوان الله عليه(1) في موضع ما: ذهبت برفقة أبي إلى مسجد جمكران، وزرنا، ومكثنا هناك.

أهل المعنى وأهل التوجّه والتذكّر كانوا عاشقين لهذا المكان، لكنّ عامّة الناس وغالبيتهم، وحتّى نحن طلبة العلوم الدينية، كنّا غافلين غير ملتفتين. وهذه الغفلة من آفات السلطات والأجهزة السياسية غير الدينية وغير المعنويّة، حيث يبقى الناس غافلين عن الأمور المهمّة والقيّمة التي في متناول أيديهم والتي يمكنهم الانتفاع منها. عندما تكون السلطة الحاكمة على المجتمع والأجواء الاجتماعية سلطة معنوية وإلهية ودينية، فسيكون من سماتها الطبيعية الترويج للمعنويات ونشرها، وجعلها أمام الأنظار فتنجذب لها القلوب، وهذا ما حصل ويحصل الآن. ولا يعني هذا، أنّه لا توجد اليوم ذنوب، ولا يوجد أناس سيّئون وأناس عديمو التوجّه وغافلون، وكيف لا؟ لكن هناك فرق بين أن يكون المناخ العامّ السائد في المجتمع مناخاً معنوياً وأن تكون المعنويّات قيمة تطرح في المجتمع، وبين أن تكون المعنويّات مغفولاً عنها نهائيّاً، أو تطرح على أنها قيم سلبية. لذلك ينبغي معرفة قدر هذه الأجواء وأهميّتها.

احذروا الشيطان بالمراقبة والتقوى
والآن على الإخوة والأخوات الموجودين هنا، والعاملين على الخدمة في هذا المسجد بنحو من الأنحاء، أن يعرفوا قدر هذا الأمر، وأن يجعلوا كلّ شيء في هذا المكان المقدّس - كلّ البرامج والنشاطات والأعمال التي تُنجز، والخدمات التي تقدّم للناس - يصبّ في اتجاه هذا الذكر والتوجّه والتذكّر وما إلى ذلك. فالشيطان بالتالي موجود في كلّ مكان، وهو موجود في الأجواء المعنوية أيضاً. وليس الأمر بحيث لو كان المكان مسجداً أو حرماً فسيقول الشيطان إنّني لن أدخل هذا المكان، لا، أينما نكون- أنا وأنتم- موجودين يكون الشيطان موجوداً، فالشيطان موجود حتّى في الطّواف حول الكعبة. أسوأ حالات الفسق وهتك الحرمات وما إلى ذلك تحصل أحياناً في أكثر الأماكن قدسيّة، وكم سجّل التاريخ من ذنوب حدثت في الطواف حول الكعبة الشريفة، وحالات فسق في الطريق إلى منى وعرفات! هذا البيت الشعري الذي نقرأه في المُغني:
فوالله ما أدري وإن كنت دارياً بسبع رمين الجمر أم بثمان (2)

والذي قاله الشاعر العربيّ المعروف عمر بن أبي ربيعة يتعلق بمكان رمي الجمرات وما شابه من هذه الأماكن. وفي مسجد جمكران أيضاً يحضر الشيطان، لا أنه لا يحضر، فاحذروا الشيطان. احذروا أن ينال الشيطان من الناس وأن ينال منكم. وهذا الحذر والمراقبة هو الذي يسمّى في الأدبيّات القرآنية والإسلامية بالتقوى. هذا هو معنى التقوى، معناها أن يحذر الإنسان دوماً ويراقب نفسه. إذا ما حصلت هذه المراقبة قلّ تأثير الشيطان ونفوذه وكلّ سيفه. أمّا إذا لم تكن هذه المراقبة موجودة ووقعنا في الغفلة، فسنقع بيد الشيطان وسيفعل بنا كلّ ما يشاء، تماماً كالجسد الميت أو المغمى عليه الذي يقع بيد إنسان يقظ، فإنّه يقلّبه كيفما يشاء. هذا ما سيفعله الشيطان بنا إن غفلنا. والشيطان يأتينا في الصلاة، ويأتينا في الطواف أيضاً، وحتّى في الدعاء وفي أثناء التوسّل، لذا ينبغي المراقبة والحذر بشدّة.

على كلّ حال، أتقدّم من الإخوة والأخوات "العاملين على الخدمة في مسجد جمكران" بالشكر الجزيل على جهودهم وخدماتهم، وأخصّ بالشكر سماحة السيّد وافي (3) الذي أخذ هذه الجهود على عاتقه. أعانكم الله جميعاً وأيّدكم إن شاء الله. وأطلب منكم أنتم الحاضرون والموجودون هنا الدعاء لنا، سلوا الله تعالى أن يوفّقنا للتوسّل والتضرّع والخشوع إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله.

1 ـ محمّد، المشهور بعلم الهدى، ابن الفيض الكاشاني.
2 ـ من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة.
3 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ أبو القاسم وافي (سادن مسجد جمكران المقدس).

26-04-2019 عدد القراءات 372



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا