23 نيسان 2019 م الموافق لـ 17 شعبان 1440 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: خطاب القائد :: 2019

كلمة الإمام الخامنئي في الحرم الرضوي بمناسبة حلول رأس السنة الهجرية الشمسية



كلمة الإمام الخامنئي في الحرم الرضوي الشريف بمناسبة حلول رأس السنة الهجرية الشمسية-21-3-2019

بسم الله الرحمن الرحيم (1(

والحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي ‌القاسم المصطفى محمّد، وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديّين المعصومين المكرّمين،لاسيّما بقيّة الله في الأرضين. اللّهم صلّ على وليّك عليّ بن موسى‌ الرّضا عدد ما في علمك صلاة دائمة بدوام ملكك وسلطانك، اللّهم سلّم على وليّك عليّ بن موسى‌ الرّضا عدد ما في علمك سلاماً دائماً بدوام مجدك وعظمتك وكبريائك.

أيامكم مباركة..
أبارك الولادة الميمونة لإمام العدالة وأمير المؤمنين دوماً على امتداد التاريخ سيّدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، التي تمثّل النوروز الحقيقي. كما أبارك حلول العام الجديد وعيد النوروز حيث جعل الذوق الإيراني الجميل هذا اليوم أوّل أيام السنة، فالسنة الشمسية الهجريّة الإيرانية، تبدأ مع بداية الربيع وفي عيد النوروز. كما أحيّي وأهنّئ قلوب المعتكفين النيّرة بمناسبة أيّام الاعتكاف، وأتمنّى أن تشمل الرحمة والفضل الإلهي واستجابة ربّ العالمين للشعب الإيراني كافّة وكلّ أبناء الوطن، وخاصّة شبابنا، ببركة الأنفاس الزاكية لمعتكفينا. أشكر الله تعالى أن وفّقنا للّقاء بكم مرّة أخرى بمناسبة بداية العام الجديد أيّها الشعب العزيز، أهالي مدينة مشهد، والزوّار تحت لمعات أنوار البقعة الرضوية المباركة.

ما أعددته اليوم لأطرحه عليكم أيّها الإخوة الأعزاء والأخوات العزيزات عبارة عن أربعة مواضيع، أرجو أن أتمكّن من طرحها عليكم باختصار. أحد هذه المواضيع يتعلّق بالسنة الجارية أي سنة 1398، وموضوع آخر يتعلّق بقضايا العالم الغربي وشؤوننا مع الحكومات الغربية، والموضوع الثالث حول الاقتصاد وشعار هذا العام وهو «الازدهار الاقتصادي»، والموضوع الرابع والأخير كلمة مع شبابنا الأعزّاء حول قضايا البلاد وشؤون المستقبل والثورة.

.. بل إنّه عام الفرص والانفراج!
فيما يتعلّق بشؤون العام الجاري يرى الإنسان أن بعض المتحدّثين أو الكتّاب أو أصحاب الرأي أو الذين يدلون بتصريحاتهم، قد صرّحوا حول العام 98 وقالوا إنّه عام التهديدات. إنّني لا أوافق هذا الرأي على الإطلاق، وأرى أنّ العام 1398 سيكون بتوفيق من الله عام الفرص، عام الإمكانيّات والانفراج. والذين يصرّحون بآراء أخرى ويستعرضون التهديدات دائماً أمام هذا وذاك، هم بالتأكيد متأثّرون، عن وعي أو عن غير وعي، بتهويلات أعداء هذا الشعب وتهديداتهم. فأعداء هذا الشعب فضلاً عمّا يقومون به في الواقع، لهم أيضاً حربهم النفسية ولهم تصريحاتهم وتهويلاتهم. ويجب معرفة هذه التهويلات كما هي وعلى حقيقتها. وقد أطلقوا مثل هذه التهويلات حول العام 97 أيضاً وحاولوا إخافة البعض وبثّ اليأس في نفوسهم. أحد هؤلاء الحمقى من الدرجة الأولى الذين أشرت إليهم قبل مدة (2) قال في أواسط أو بدايات العام 97 إنّنا إذا خرجنا من الاتّفاق النووي [برجام] -أي إذا خرجت أمريكا منه- فسوف تحدث اضطرابات في شوارع إيران ولن يستطيع الناس شراء حتّى الخبز. وواحد آخر من هؤلاء السادة الحمقى من الدرجة الأولى صرّح بأن السادة الأمريكان سوف يحتفلون في عيد الميلاد للعام 2019 في طهران (3). هذا كلام قالوه بالتالي، ولا أدري، أي هناك حقّاً رأيان اثنان، فهل أنّ تحليل هؤلاء بعيد، حقّاً، عن الواقع إلى هذه الدرجة فيما يخصّ قضايا المنطقة والبلاد، بحيث يطلقون هذا الكلام جدّيّاً، بمعنى أنّ إطلاقهم لمثل هذا الكلام ناجم واقعاً عن الحماقة؟ أم لا، أنّهم يقصدون منه الحرب النفسية وممارسة الخبث، فينشرون هذا الكلام في الأجواء الإعلاميّة في العالم بهدف الحرب النفسية؟ هذا شيء غير واضح بالنسبة لي، وقد يكون الأمران معاً الحماقة والخبث وراء هذا الشيء.

أمّا قولنا إنّ العام 98 هو "عام الفرص"، فيجب أن أقدّم في هذا الشأن بعض الإيضاحات. المشكلة الأساسية في بلادنا الآن هي المشكلة الاقتصادية وقضية معيشة الطبقات الفقيرة. جزء من هذه المشكلة يتعلّق بالحظر الذي تفرضه القوى الغربية؛ أي أمريكا وأوروبا، وجزء منه يتعلّق بنقائصنا الداخلية وضعفنا الإداريّ. فالحظر يمكن أن يكون فرصة -وهذا ما سوف أوضحه- وكذلك مشاهدة هذه النقائص ونقاط الضعف يمكنه أن يوفّر لنا تجارب قيّمة للمستقبل ولإدارة البلاد في السنوات القادمة. كلاهما يمكن أن يشكّل فرصة.

سنوات الدفاع المقدس نموذج
أمّا كيف يمكن للحظر أن يشكّل فرصة؟ فقد أثبتت التجربة أنّ البلدان التي تتمتّع بثروات ومصادر طبيعية كالنفط، عندما تنخفض عائداتها من هذه المصادر، فإنّها تبدأ بالتفكير في إجراء إصلاحات اقتصادية، فتتوافر لديها الحوافز والدوافع على تنفيذ الإصلاحات، وتتحفّز لتحرير نفسها من التبعية وتتّخذ الخطوات المناسبة لذلك. هذا عندما تنخفض العائدات الناتجة عن تلك المصادر الطبيعية، ثم عندما تعود تلك المصادر والعائدات إلى حالها الأولى وتزداد المصادر المالية التي تحتاجها تراها تغفل عن مواصلة الأعمال الإصلاحيّة وتنساها. إذاً، ضغوط انخفاض عائدات المصادر الطبيعية فيها جانب إيجابي كبير، ليس فقط بالنسبة إلينا، بل لكلّ البلدان المشابهة لنا، وهو أنّها تنقذها من التبعيّة لهذا المصدر الطبيعي وهذا الإنتاج الوحيد وهذا الاقتصاد النفطي، فواحدة من أكبر مشكلاتنا الاقتصادية هي هذا الاقتصاد النفطي المرتهن للنفط. وهذا هو الواقع؛ وقد بدأت الآن في البلاد، سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى البحوث والجامعات، دراسات واسعة حول "كيف نستطيع إدارة البلاد بالعائدات غير النفطية". وهذا أمر على جانب كبير من الأهمية وجيّد جداً. حينما تتوافر العائدات النفطية بكميّات كبيرة، فبالتأكيد لن يفكّر المسؤولون الحكوميّون ولا الآخرون بهذا الشيء. وقد جرّبنا ما يشبه هذا بشكل محسوس وعيني فيما يتعلّق بالإمكانيات الدفاعية للبلاد. ففي سنوات الدفاع المقدّس، وفي الحرب التي فرضت علينا، كانت القوى المادّية الشرقية والغربية، أي القوى المادّية الرأسمالية وكذا القوى المادّية الاشتراكية والشيوعية، تزوّد "صدّام" بأفضل الإمكانات الحربيّة، بينما كانت أيدينا فارغة مكبلة.

لا يمكن توقّع الكثير من هؤلاء
لم يكونوا يبيعوننا حتّى الأسلاك الشائكة كما هو مشهور ويعرفه الجميع. حتماً كانت الظروف صعبة, لكنّ هذه الصعوبة نفسها أدّت إلى أن يفكّر شبابنا ومفكّرونا وأصحاب المواهب والإبداع، ويغيّروا تبعيّتنا لأسلحة الأجانب. ووضعنا اليوم، بلطف الله، من حيث الإمكانات الدفاعية أفضل وأرقى تقريباً من بلدان المنطقة كافّة. وأعداؤنا يشدّدون على هذا الجانب، فهم أيضاً يعترفون بذلك من أجل أن يجعلوه وسيلة ضغط، وحتماً لن يتحوّل إلى وسيلة ضغط، فنحن رغم أنوفهم سنواصل تعزيز بنيتنا الدفاعية. يومذاك، خلال فترة الدفاع المقدّس، لو كانوا يبيعوننا السلاح والدبّابات والصواريخ والإمكانات لما فكّرنا في إنتاج هذه الأشياء بأنفسنا، ولو كانت هذه الاحتياجات متوافرة لدينا لبقيت التبعية موجودة، ولما ارتفعت حالة الاحتياج للآخرين؛ كالكثير من البلدان الأخرى في منطقتنا وأنتم تعرفونها، فبلدانهم مخازن سلاح، لكنّها مخازن سلاح للآخرين وتابعة لإرادة الآخرين، أمّا هم فليست لديهم القدرة العلميّة ولا العمليّة على استخدامها بالنحو الصحيح؛ كنّا أصبحنا مثلهم، بيد أن الوضع اليوم ليس كذلك بتوفيق من الله. إذاً، الحاجة تخلق فينا الحركة والتحفّز والاندفاع. عندما تُكفّ أيدينا عن [الانتفاع من] العائدات النفطيّة بشكل كامل سوف نبحث بالتأكيد عن سبل بديلة، وهذا ما بُدئ العمل به وسوف يؤتي ثماره بتوفيق الله، سوف يذوق الشعب الإيراني ثماره لاحقاً ويرى نتائجه.

ما أقوله هو أنّنا يجب أن لا نتأوّه ونشتكي من الحظر، كما ينبغي أن لا نتوقّع الكثير ممّن فرضوا الحظر؛ أي أمريكا وأوروبا، وسوف أبيّن السبب في الجانب الخاصّ بالغرب من كلمتي. لا يمكن توقّع الكثير من هؤلاء. يجب أن ننظر ما هي مشاريع مواجهة الحظر وندرسها ونتابعها بشكل جادّ. هذا هو واجبنا؛ وعلى الأجهزة الحكومية، وكذلك القطاعات البحثية المرتبطة بالسلطة التشريعيّة، وكذا شبابنا وأهل الفكر والرأي في البلاد أن يجتمعوا ويدرسوا، عن وعي وفهم لقضايا البلاد، ويجدوا سبل مواجهة الحظر. وهناك الكثير من السبل لمواجهة الحظر وإفشال العقوبات الظالمة الخبيثة التي فرضها العدوّ. بالتأكيد، رُفع إليّ تقرير يفيد بأنّ المسؤولين الحكوميّين الرفيعي المستوى يعملون على صياغة سبل مواجهة الحظر هذه، وعليهم على الصعيدين العملي والإجرائي، أن يرِدُوا هذا الميدان بنحو أكثر جدّية وسرعة وعملانيّة. ولا ينبغي التأخّر في إنجاز الأعمال.

علينا أن نصل إلى مرحلة الردع!
يعترف الجميع اليوم بأنّ العدوّ يشنّ علينا حرباً اقتصادية، هذا ما يعلمه الجميع. ولقد كرّرنا هذا ودائماً ما كنّا نقول إنّ العدوّ في حال حرب ضدّنا، إلّا أنّ البعض لم يكونوا يصدقّون ذلك، أمّا اليوم فالجميع يصدّقون ذلك، وقد أدرك المسؤولون كلّهم وأذعنوا بأنّ العدوّ يمارس حرباً ضدّنا. والحرب ليست حرب المدافع والبنادق فقط، الحرب أيضاً حرب اقتصادية، وحرب أمنية، وحرب استخباراتية، وحرب سياسية، وهذه أحياناً تكون أخطر من الحرب العسكرية. العدوّ في حال حرب ضدّنا، وهذه الحرب تظهر وتتجلّى في الشؤون الاقتصادية، وهذا ما يعترف به الجميع في الوقت الحاضر. بالتأكيد، ينبغي علينا أن نهزم العدوّ في هذه الحرب وسوف نهزمه بتوفيق الله، أجل، سوف نهزم العدوّ، لكنّ هذا لا يكفي. ما أتكلّم عنه، وما أطلبه من جميع الناشطين في البلاد على اختلاف مجالاتهم، سواءً في قطاع المسؤولين الحكوميين، أو في القطاعات الجامعية، أو الشعبية أو العامّة، شيء آخر. أقول إنّنا فضلاً عن هزيمة العدوّ يجب أن نخلق حالة ردع. هذا ما أقوله. أحياناً تَهزِمُون العدوّ لكنّه يبقى ينتظر فرصة ليوجه لاحقاً ضربة أخرى. لا فائدة في هذا، بل يجب أن نصل بأنفسنا إلى مرحلة الرّدع، بمعنى أن يشعر العدوّ بأنّه لا يستطيع عن طريق المسارب الاقتصادية وعن طريق الشؤون الاقتصادية توجيه ضربة لبلدنا العزيز وممارسة الضغط على شعبنا. يجب أن نصل إلى هذه المرحلة، مرحلة الرّدع. هذا ممكن أيضاً، كما هو وضعنا ـ وأعود لضرب المثال من الشؤون العسكرية ـ في المجال العسكري لحسن الحظ. ذات يوم كنا نجلس هنا وطائرات العدوّ تأتي وتحلّق على ارتفاع عال وتقصف مدننا، ولم تكن لدينا وسائل دفاعية بهذا الحجم والمستوى. أو عندما كان [العدوّ] يطلق صواريخه ولم تكن لدينا وسائل للمواجهة؛ ثم عندما توافرت لدينا الإمكانات صار أعداؤنا اليوم ـ في المنطقة بالحدّ الأدنى؛ هؤلاء الذين هم في المنطقة أو لديهم قوّاتهم في المنطقة ـ يعلمون بأنّ الجمهورية الإسلامية يمكنها مواجهة أيّ عدوّ في هذه المنطقة وضربه بصواريخها الفعّالة والدقيقة التهديف والإصابة. هذا ما فهموه. هذا هو الردع. ومعناه أنّ الأعداء الذين قد تسوّل لهم أنفسهم أحياناً بالهجوم العسكري، يلتفتون ويدركون بأنّ الأمر ليس على هذه الشاكلة وكما يتصوّرون، وأنّ الجمهورية الإسلامية لها في المقابل يد قوية وصلبة. هذا هو الردع. وعلينا في الشأن الاقتصادي أيضاً أن نصل إلى هذا المستوى. وعليه فهذه فرصة تتوافر لنا في ظلّ الحظر الذي يفرضه الأعداء، وبوسعنا اليوم أن نعمل على هذا الأمر. هذا هو الموضوع الأوّل.

لقد سبق وقلت: علينا أن لا نعلّق الآمال على الغربيين؛
ومن هنا أدخل في الموضوع الثاني وهو قضية مواجهة القوى والحكومات الغربية. ولديّ الكثير في هذا المجال لأقوله. ما أقوله هو إنّنا من أجل أن نحقّق في أنفسنا هذه القدرة على الرّدع الاقتصادي يجب أن نغضّ الطرف تماماً عن مساعدة الغربيين ومواكبتهم لنا، ولا ينبغي أن نبقى منتظرين لهم. ذلك أن الغربيّين أثبتوا أنّه لا يمكن توقّع المساعدة منهم، [بل] يمكن توقّع التآمر، ويمكن توقّع الخيانة منهم، ويمكن توقّع الطعنات في الظهر، أمّا توقع المساعدة والصدق والإعانة والمؤازرة منهم فغير ممكن. وحين ترون أنّ الغربيّين يساعدون حكومة ما أو بلداً ما فإنّهم في الحقيقة يوفّرون ويؤمّنون الأعمال لأنفسهم. نعم، كان الغربيّون يساعدون نظام الطاغوت لكنّ هذه لم تكن في الواقع مساعدة له بل مساعدة لبيع أسلحتهم، ومساعدة لسيطرتهم المطلقة على نفط البلاد، ومساعدة لوجود ستين ألف عنصر من المستشارين العسكريين في البلاد. يوم انتصرت الثورة كان هناك نحو ستين ألف عنصر أمريكي في البلاد يتمركز معظمهم في طهران، يأكلون من بيت مال المسلمين ويعملون لأنفسهم. وإذا ما قدّموا مساعدة في موضع ما كان ذلك في الواقع مساعدة لأنفسهم وترجيحاً لكفّتهم. إذن، لا يمكن توقع المساعدة منهم. وهذه الحالة لا تختصّ بنا، فليس الأمر بحيث نقول إنّ الغربيين هم هكذا مع الجمهورية الإسلامية فقط، أو نقول إنّهم هكذا مع إيران فقط، لا، هكذا هو سلوك البلدان الغربية مع سائر البلدان التي يمكنهم إخضاعها والسيطرة عليها. لاحظوا أنّ ثلاثة قرون من ظاهرة الاستعمار ـ استعمار البلدان الضعيفة ـ عرّضت مئات الملايين من الناس للضغوط وأذاقتهم الويلات والاضطهاد. كان الأوروبيون -ولم يكن الأمريكيّون يومذاك- في آسيا وفي أفريقيا وفي أمريكا اللاتينية يستعمرون البلدان ويمتصّونها ويفرّغونها من ثرواتها لمصالحهم الشخصيّة ويسرقونها ويمنعونها من التقدّم العلمي والعملي والتقنيّ ويفرضون عليها التأخر. وظاهرة الاستعمار لم تختصّ بنا نحن فقط،، بل بسائر البلدان الأخرى التي كان الأوروبيون يقدرون عليها ويمكنهم إخضاعها.

أمّا بالنسبة لإيران فقد وجّه الأوروبيّون ضرباتهم لها منذ منتصف العهد القاجاري. في الحروب بين إيران وروسيا، قام الإنكليز بخيانة إيران، فقد دخلوا الساحة كوسيط لكنّهم طعنونا بخنجر في الظهر. وكذا الحال في قضية امتياز التنباك، وفي قضية أمير كبير، وفي تعاطيهم مع أمير كبير، فقد أدّت ضغوط البريطانيّين والسفارات الأوروبية في طهران إلى أن يسفك الملك القاجاري الأبله دم أمير كبير ويقضي عليه، وهو الذي كان بوسعه أن يغيّر إيران ويطوّرها. كذلك سلوك الأوروبيّين وإتيانهم بحكومة رضا خان الاستبدادية، وسلوك الأوروبيين والأمريكان في إسقاط حكومة مصدّق، وسلوكهم في مختلف قضايانا الاقتصادية والسياسية والأمنيّة، وسلوكهم في قضيّة الحرب المفروضة، ثم سلوكهم في قضيّة الحظر. هذا ما يجب أن لا ننساه.

هكذا تعامل الغربيّون معنا دائماً، ولا يمكننا أن نعلّق عليهم أيّ أمل.
في هذه القضية الأخيرة، في قضية الاتّفاق النووي، ماذا كان واجب الأوروبيّين؟ لقد جرى إبرام معاهدة من سبعة أطراف ـ ستة بلدان مضافاً إلى إيران في الناحية المقابلة، وهذه سبعة بلدان ـ وقد خرج منها أحد الأطراف الموقّعة، وهو أمريكا، فماذا كان واجب الأطراف الأخرى؟ كان واجب الأوروبيين أن يقفوا بوجه أمريكا ويقولوا إنّنا ملتزمون بتعهّداتنا، وكان تعهّدهم أن يُرفع الحظر تماماً، كان يجب أن يقفوا بقوّة، لكنّهم لم يفعلوا لذرائع شتى. وفضلاً عن أنّهم لم يقفوا بوجه أمريكا، فإنّهم في الوقت عينه الذي كانوا ولا يزالون يؤكّدون فيه علينا دوماً أن «حذارِ أن تخرجوا من الاتّفاق النووي»، قد خرجوا عملياً منه، أي إنّهم وضعوا حتّى أنواعاً جديدة من الحظر ضدّ إيران. هذا هو سلوك الأوروبيين، فهل يمكن توقّع شيء منهم؟ وهذه القناة المالية التي يجرى الحديث عنها مؤخراً باستمرار، وأنهم أوجدوا قناة ماليّة، هي أشبه بالدعابة والهزل، وهي حتماً دعابة مريرة. هذا شيء لا معنى له على الإطلاق، فالفرق بين ما هو واجبهم ومسؤوليّتهم وبين ما يخطّطون له ويطرحونه فرق ما بين الأرض والسماء. في قضيّتنا الدولية الأخيرة، عاد الأوروبيّون وطعنونا في الظهر كما في السابق، ومارسوا الخيانة ضدّنا. فلا يمكن توقّع شيء منهم؛ لا يمكن توقّع أيّ شيء.

يحملون السامسونايت.. لكنّهم وحوش!
لاحظوا، أقولها لكم على نحو العموم والإجمال، وهذه نتيجة دراسات كثيرة ومشاهداتنا وتجاربنا وتجارب الآخرين: أقول إن السياسة والسلطة في الغرب، في الحكومات الغربية سواءً أمريكا أو أوروبا، هي سياسة ظالمة وتعسّفية وعديمة المنطق وجشعة. إنهم لا يفهمون ولا يرضخون لأيّ منطق، هم حقّاً غرباء وبعيدون عن المنطق. الساسة الغربيّون في باطنهم أناس متوحشون بالمعنى الحقيقي للكلمة. لا تتعجّبوا، نعم، هم يرتدون السترة والبنطال، ويشدّون ربطات العنق حول أعناقهم، ويتعطّرون، ويحملون في أيديهم حقائب السامسونايت، لكنّهم وحوش، ويفعلون عملياً أفعال الوحوش. لاحظوا في هذه الحادثة التي وقعت في نيوزيلندا مؤخراً والمجزرة التي ارتُكبت بحقّ المسلمين، يدخل شخص إلى مسجدين ويفتح النار على العشرات ويقتل أكثر من خمسين شخصاً فيستشهدون على يديه، ألا يسمّى هذا إرهاباً؟ لكن لا الساسة الأوروبيّون، ولا الصحافة الأوروبيّة، كانوا على استعداد لتسمية هذا الفعل بالإرهابي، بل وصفوه بالعمل المسلّح! فهل هذا عمل مسلّح! ما هو الإرهاب إذاً؟ في أيّ مكان يحصل فيه أيّ فعل ضدّ شخص يحبونه أو ينتمي لحلفهم، يضجّون هناك بشعارات الإرهاب وحقوق الإنسان وكلّ شيء لمجابهة ذلك الفعل، أمّا هنا فإنّهم -وبكلّ وضوح- لا يطلقون على هذا العمل صفة الإرهاب! هكذا هم.

إنني لا أعرف بلداً في المنطقة بل ربّما في العالم كله أسوأ من الحكومة السعودية، فالحكومة السعودية مستبدة وديكتاتورية وظالمة وتابعة وفاسدة. وإذا بهم يوفرون الإمكانيات النووية لحكومة مثل هذه، وقد أعلنوا أنهم سيبنون لها محطّة طاقة نوويّة، وأعلنوا أنّهم سيؤسّسون لها مراكز لإنتاج الصواريخ! هناك [في السعوديّة] لا إشكال في ذلك! لأنها تابعة لهم وملك لهم فلا إشكال في أن يبنوا لها ذلك! إنّهم يعلنون الآن هذا، وإذا ما بنوا لها ذلك فعلاً، فأنا شخصيّاً لا أنزعج لأنّني أعلم أن هذا سيقع في فترة غير بعيدة كثيراً بأيدي المجاهدين الإسلاميين.

إذاً، الشرّ والشيطنة هي طبيعة القوى الغربيّة، ولا فرق بين أمريكا وأوروبا.
حتماً أمريكا أكثر شرّاً، شرور أمريكا أكثر لأسباب مختلفة، والأمر لا يختص بهذا الشخص الموجود الآن على رأس الحكومة الأمريكية، إنّما هذه هي سياستهم. رُفع إلي تقرير أنّه في هذه القضايا الأخيرة عرض الكونغرس الأمريكي أو صادق -وهذه إحصائيات لافتة- في عامي 96 و 97 [2017 و 2018 م] على 226 مشروعاً ولائحةً ضدّ الجمهورية الإسلامية! 226 مشروعًا معادياً وخبيثاً ضدّ الجمهورية الإسلامية، وهذه شرور بالتالي. وهنا بالتأكيد، لي عتب على مجلسنا: كم من مشروع ولائحة عرضها مجلس الشورى الإسلامي أو صادق عليها في مقابل خباثات أمريكا؟ حسناً, إذاً، هكذا هي هذه القوى الغربية، ولا يمكن توقّع شيء منها.

حتماً، البعض في الداخل يحاولون تزويق وجه الغرب وتجميله وتبرير سيّئاته وتعديل شكله وتحسينه، ولا يسمحون بأن يتفطّن الرأي العام إلى حجم الشيطنة والشرور التي تختزنها هذه الحكومات المتظاهرة بالصلاح -كفرنسا وبريطانيا والآخرين- في باطنها. ثمّة بين هؤلاء صحفيّون وإعلاميّون من أشباه تقي زاده. في عهد الطاغوت قال شخص كتقي زاده ما مضمونه إنّ على إيران أن تصبح غربيّة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، أي إنّ أسلوب الحياة في إيران يجب أن يصبح غربياً. واليوم أيضاً يطلق أمثال تقي زاده الجدد مثل هذا الكلام. حتماً هم لا يقولونه بهذه الصراحة لكن هذا هو مضمون كلامهم. أولئك الذين لا يفتأون ينشرون ويضخّون أفكار الغربيّين، ونمط حياتهم، وأساليبهم ومفرداتهم في داخل البلاد، وفي أدبيّاتنا وفي أفكارنا وفي جامعاتنا وفي مدارسنا، هؤلاء هم أشباه تقي زاده الجدد. هؤلاء الذين يقفون خلف وثيقة 2030 ـ وثيقة 2030 أي تغيير أسلوب الحياة الإسلامية إلى حياة غربيّة ـ هم أمثال تقي زاده المعاصرون. بالتأكيد، لن يسمح شبابنا المؤمن وشعبنا الثوري اليوم ـ بتوفيق الله ـ لأمثال تقي زاده هؤلاء أن يمرّروا آراءهم ويكرّسوها.

لا مشكلة في العلاقات إنّما المشكلة في التبعيّة لهم
التفتوا إلى هذه النقطة، أقول هذا الكلام لأنّ البعض يغالطون. وهذا الكلام الذي أقوله لا يعني أبداً قطع العلاقات مع البلدان الغربية، فلا مانع من العلاقات. ولطالما شجّعتُ الحكومات المختلفة على امتداد هذه الأعوام على إقامة علاقات مع مختلف البلدان، مع الجيران بنحو، ومع البلدان الإسلامية بنحو، ومع التيّارات المختلفة بنحو، وكذلك مع البلدان الأوروبية، وهذا ما أؤمن به الآن أيضاً. لا مشكلة في العلاقات إنّما المشكلة في التبعيّة لهم والثقة بهم. ما أقوله هو أن لا تثقوا بهم. ربّما كانت الكثير أو بعض مشكلاتنا بالحدّ الأدنى ناجماً عن حصول هذه الثقة بالغربيّين؛ ففي المفاوضات المختلفة، وفي الاتّفاقيّات المختلفة، وفي القرارات السياسية المختلفة، جرى الاعتماد على الغربيّين والثقة بهم. لا مانع من العلاقات، ولتكن لكم علاقاتكم معهم، لكن اعرفوا الطرف المقابل، ولا تضلّوا الطريق بفعل ابتساماتهم وأحابيلهم وأكاذيبهم. هذا ما أقوله. لا مانع من العلاقات إطلاقاً. من حسن الحظّ أنّ مسؤولينا الحكوميين اليوم قد توصّلوا إلى هذه النتيجة، وهي أنّه لا يمكن السير مع الغربيّين في مسار واحد تماماً، هذا ما باتوا يشعرون به، وعسى أن تتغير السلوكيات والتعامل في المستقبل إن شاء الله نتيجة هذا الفهم الجديد للأمور.

نزعتان في النظرة إلى الغرب كلاهما خاطئ:
حسناً، بما أنّني تحدّثت قليلاً عن الغرب فلأضف هذه النقطة أيضاً: التفتوا، هناك نزعتان متعارضتان في النظرة إلى الغرب كلاهما خاطئ. إحدى النزعتين عبارة عن التحجّر والتعصّب غيرُ المبرّر وعدم مشاهدة إيجابيات الغرب. لقد حققّ الغربيّون حركة جيدة في العلوم وبذلوا جهداً وتقدّموا وتابعوا العمل وواصلوه، وكذا الحال في التقنيّة، وفي بعض الخصال الأخلاقية، وقد قلت مراراً في كلماتي وغيرها إنّنا يجب أن لا ننكر هذا. علينا أن نأخذ أيّ شيء حسن من أيّ بلد في العالم. وقد قلت مراراً إنّنا لا نمانع من أن نتتلمذ على يد كلّ من يعرف أكثر منّا، نحن نتتلمذ ولا مشكلة لنا في هذا. لكن يجب أن تنصبّ محاولاتنا على أن لا نبقى تلاميذ دوماً. وعليه فالتحجّر والتعصّب غير المبرّر في مقابل الغرب، وأن نقول إنّ كلّ ما يأتي من الغرب فهو خطأ مهما كان، غير مقبول؛ هذا ما لا نقول به ولا نوافقه. والحالة المعاكسة لهذا هي نزعة التغرّب، فالتغرّب خطر كبير. ففي قلب الحكومة البهلوية ذات النزعة التغرّبيّة، طَرَح مستنير متأصّل في الشأن الديني، أعني به المرحوم جلال آل أحمد، وهو سليل علماء دين وابن رجل دين وله التزاماته الدينيّة ـ ولم يكن عديم الصلة بنا، وقد أبدى حبّه للإمام الخميني خلال فترة نفيه ـ طرح في ذلك الحين في سنة 42 [1963 م] قضية نزعة التغرّب. وقضيّة التغرّب اليوم قضية لها أهميّتها ويجب أن لا ننساها. حسناً، إذاً هناك النزعة التحجّريّة المتعصّبة من ناحية والنزوع إلى التغرّب من ناحية أخرى، وكلاهما خطأ. لا يمكن الثقة بالغرب كما قلت، لكن يجب إقامة علاقات معهم، إلّا أنّه لا ينبغي الاطمئنان إليهم. يجب الاستفادة من علومهم ومن إيجابياتهم، لكن لا ينبغي أبداً الثقة بهم. هذا هو ما نقوله. هذا هو الموضوع الثاني.

أمّا الموضوع الثالث الذي سنتطرق إليه الآن بهذه المناسبة فهو الموضوع الاقتصادي.
بما أنّنا الآن لا نثق بالغرب، فما الذي ينبغي أن نفعله من أجل اقتصاد البلد؟ وقضية اقتصاد البلد قضية مهمّة. ما أقوله هو: من أجل ازدهار اقتصاد البلاد نحتاج إلى عمل يكون جهادياً وعلميّاً في الوقت عينه. ومشكلة البلاد الاقتصادية لن تعالج بالكسل والتثاقل وقلة الاندفاع. يجب العمل بطريقة جهادية وينبغي للإدارات الجهادية أن تحيط بقضايا البلاد الاقتصادية وتستوعبها وتتخذ القرار بشأنها؛ العمل الجهادي. العمل الجهادي هو العمل الذي يكون فيه سعي وجدّ وجهد من دون كلل أو ملل أو تعب، ويكون فيه إخلاص أيضاً، بمعنى أن يدرك الإنسان أنّه لا يعمل من أجل نفسه ومن أجل ملء جيوبه، إنّما يعمل من أجل الناس وفي سبيل الله. يجب توافر هذا الشرط ويجب أيضاً أن يكون العمل علميّاً، بمعنى أن يجتمعوا ويتدارسوا الأمر، ويعثروا من خلال اتّباع المعايير العلميّة والمناهج العلمية الدقيقة، على السُّبل الصحيحة. ينبغي أن يكون هؤلاء متعلّمين عالمين، كفوئين وتتوافر فيهم الإمكانيات المتنوعة، ينبغي لمثل هؤلاء أن يعملوا، وسوف يزدهر اقتصاد البلاد بالتأكيد.

إنّني لست عالم اقتصاد، لكنّني أقرأ كلام الخبراء وأطالعه، وأطلب آراءهم وأطلع عليها بكلّ دقّة. يعتقد خبراؤنا أنّ إمكانيّات البلاد للازدهار الاقتصادي إمكانيات جاهزة ومتوافرة وكاملة جداً. ليس لدينا نقص. طاقاتنا البشرية جيّدة جداً، وطاقاتنا الطبيعية جيّدة جدّاً، وإمكانيّاتنا الجغرافية جيّدة جدّاً، وقد شرحت في "رسالة الخطوة الثانية" جانباً من هذه الإمكانيّات والطاقات وهي طاقات متوافرة وموجودة. إذاً، الإمكانيّات موجودة، والمال أيضاً موجود في البلاد. هذه السيولة النقدية التي يعاتبون ويشتكون دوماً من أنّ السيولة النقدية كبيرة -وهذا صحيح، وحتماً إذا لم يجر الاهتمام بالسيولة النقدية فسوف تتسبب بأضرار وخسائر- إذا توافرت إدارة جيّدة لها وتحولت هذه السيولة النقدية إلى استثمارات فإنّ البلاد سوف تزدهر وينتعش الاقتصاد. وعليه هناك إمكانيات وطاقات كاملة في البلاد.

بالتأكيد، بعض الأجهزة الحكومية عملت بشكل جيّد. وأن يتصوّر البعض أنّه لم يجر أيّ تحرّك ولم يتحقّق أي إنجاز، لهو أمر خاطئ، وليس الأمر كذلك. بعض الأجهزة الحكومية عملت وعملت بصورة حسنة. وتحقّقت في القطاعات المختلفة ـ قطاع الزراعة وقطاع المياه وقطاع التربة وقطاع الاهتمام ببعض المناطق، وأعمال البنى التحتيّة ـ أعمال وإنجازات جيدة. حتماً، لم يحصل مثل هذا في بعض القطاعات بل كان هناك تراخي وتقصير. وفي بعض الأحيان تنجز الأعمال بإهمال وتأخير. في رسالة كتبها لي أحد المسؤولين الكبار في عام 93 أو 94 [2014 ـ 2015 م] قال فيها إنّنا نعدّ لائحة لإصلاح الشؤون المصرفيّة في البلاد، وقضية البنوك، وإصلاح بعض المشكلات المصرفية ـ والمشكلات المصرفية من مشكلاتنا الاقتصادية ـ وسوف نرسل هذه اللائحة بعد أشهر إلى مجلس الشورى. وقد رُفعَِ إليّ تقرير بأنّه قد مضى على ذلك أربعة أعوام ولم تذهب هذه اللائحة إلى المجلس! هذا تأخير وإهمال. تلك القطاعات التي عملت بصورة جيّدة يجب أن تشجّع والقطاعات التي كان فيها تأخير, يجب تذكيرها وتنبيهها وقد نبهت، وأنا أطرح هذه المواضيع في المحافل العامة ومقابل حشود واسعة من أبناء الشعب بعد ما سبق وطرحتها مرّات عديدة على السادة في المجالس الخاصة. هذه الأمور يجب أن تتحوّل إلى جزء من الرأي العام والمطالب العامة.

شعار العام: «ازدهار الإنتاج»
ينبغي دعم الإنتاج. لقد رفعنا شعار «ازدهار الإنتاج»، وهذا العام يجب أن يكون عام «ازدهار الإنتاج». في العام الماضي حين طرحنا شعار دعم البضائع الإيرانية حصل حراك جيد واستجاب الناس واستجاب بعض المنتجين حقّاً. لدينا معلومات بأنّ الناس أنفسهم في تجوالهم في المحلّات التجارية ـ الكثير من الناس ـ يطالبون بالبضائع الإيرانية وحين يأتونهم بالبضائع الأجنبية المماثلة لا يقبلونها. أي إنّ الأمور سارت قدماً. أمّا إن أردنا القول إنّه جرى العمل به بنحو كامل فلا، هذا ما لا نستطيع قوله، فالتقارير تشير إلى خلاف ذلك. وعليه فشعار دعم البضائع الإيرانية لا يزال ساري المفعول، بيد أنّ القضية الأصلية والأساسية هي ازدهار الإنتاج. إذا كان هنالك إنتاج عندئذ سيحصل تحوّل في قطاعات عديدة. وإذا كان هناك ازدهار في الإنتاج فإن ذلك سيؤثر في [إيجاد] فرص العمل، ويؤثر في خفض التضخم، ويؤثر حتّى في تعادل الموازنة، ويؤثر في رفع قيمة العملة الوطنية. انظروا، هذه كلّها من مشكلاتنا الاقتصادية المهمّة. الخبراء والمطّلعون على الشؤون الاقتصادية يؤكّدون بأنه إذا ازدهر الإنتاج في البلاد فسوف يكون له بالتأكيد مثل هذه الفوائد والنتائج. هذا ما ينبغي أن يحصل ويدرج ضمن الخطط والبرامج، سواء في برامج الحكومة أو في برامج مجلس الشورى، أو في برامج عامّة أبناء الشعب ممّن يقدرون على الدخول والمشاركة في ميدان الإنتاج. لدينا أفراد، ونعرف أفراداً كانت لهم أموال وإمكانات، وكان بمقدورهم أن يضعوا هذه الأموال في البنوك وينتفعوا لسنين طويلة من فوائدها، لكنّهم لم يفعلوا، إنّما وجهوا أموالهم نحو الإنتاج وقالوا نريد للبلاد أن تتقدّم وتزدهر. لهذه الأعمال ثواب عند الله؛ والأشخاص الذين يعملون بهذه الطريقة لهم أجرهم عند الله تعالى. يجب دعم المنتج والمستثمر والناشط الاقتصادي ـ الناشط الاقتصادي النزيه ـ ودعم الشخص الذي يريد إنتاج الثروة للبلاد، وينبغي بالتأكيد العمل بجدّ لتحسين أجواء الكسب والعمل من خلال القوانين اللازمة وبالأساليب والمناهج اللازمة.

-وشرط آخر هو أن لا تحصل غفلة عن حالات الاستغلال والاحتيال.
البعض استغلوا ويستغلون. هناك استغلاليون انتهازيون. وهم أنواع وصنوف شتّى. هذا الإبداع الإيراني والذهن الإيراني المبدع كما أنّه ينفع في الأعمال الصالحة، يظهر أحياناً في الممارسات الشيطانية السيّئة أيضاً. ويرى المرء أساليب عجيبة وغريبة للاستغلال والانتهازية ويطالعها في التقارير. على المسؤولين المراقبة والرّصد، سواء في ذلك السلطة التنفيذية أو السلطة القضائية أو الأجهزة الرقابيّة. هذا ما قلته لرئيس الجمهورية المحترم. فقد قال في تصريح عامّ إنّنا نريد بيع المعامل الفلانية فقلت احذروا ودقّقوا، لأنّ الطرف الآخر يأتي ويشتري المعمل منكم لا بقصد أن يواصل العمل ويستمرّ في الإنتاج، بل يشتري المصنع فيبيع المكائن والآلات، ويبني برجاً في المكان ويطرد العمال. ينبغي الحذر من مثل هؤلاء الأفراد ومراقبتهم، يجب رصد مثل هذه النماذج من الاستغلاليّين. [أو] يأتي الشخص فيؤسّس بنكاً ومصرفاً بالاستفادة من الرّخص المتوافرة لتنمية المصارف ـ ومن الأمور الخاطئة التي حصلت في البلاد هو أنّهم يسمحون بتأسيس البنوك هكذا وبنحو مستمر ومتواصل ـ فيجمع أموال الناس ثم يؤسّس شركات صُوريّة، ويمنح أموال الناس كقروض وديون وتسهيلات مصرفية إلى شركاته هو فيملأ جيبه. إنّهم يفعلون أموراً من هذا القبيل، فيجب المراقبة والحذر وعدم الغفلة عن هؤلاء. إذا حيل بين هؤلاء وبين هذه الأعمال، ودُعم في المقابل صنّاع فرص العمل النزيهين، وازدهر الإنتاج، فإنّ الخبراء يقولون إنّ مشكلة البطالة حينئذ سوف تُحلّ، ومشكلة التضخم سوف تُحلّ، ومشكلة الفقر لدى الطبقات الفقيرة سوف تُحلّ، ومعضلة النظام المصرفي سوف تُحل، وقضية قيمة العملة الوطنية سوف تُحلّ، وحتّى قضية عجز الموازنة الحكوميّة ستحلّ بازدهار الإنتاج. هذه أمور يمكن معالجتها عن هذا الطريق. وعليه، فالقضية قضية مهمّة.

وحين نقول الإنتاج، فلا نقصد به الإنتاج الصناعي فقط، فهناك الإنتاج الصناعي، والإنتاج الزراعي، والزراعة الحيوانيّة، وهناك الصناعات الكبرى، والصناعات المتوسطة، والصناعات الصغيرة، حتّى الصناعات اليدويّة، والصناعات المنزلية، وتربية المواشي ـ كأن تُربّى عدة رؤوس منها في البيوت القروية ـ وهذه بحدّ ذاتها سوف تساعد كثيراً في نشر الرفاه العامّ في المجتمعات. يجب أن يُخطّط لمثل هذه الأمور وأن توضع البرامج لها، وحتماً، فإنّ حصّة الصناعات العلميّة المحور كبيرة جداً وينبغي التوجّه لها والاهتمام بها.
يجب الحؤول دون الاستيراد المتفلّت.

من الجوانب والبنود المهمّة للاقتصاد المقاوم الذي تحدّثنا عنه ويتحدّث الآخرون ـ الأصدقاء والمسؤولون وغير المسؤولين ـ عنه دوماً، ويرفعون شعار الاقتصاد المقاوم ويبيّنونه للناس، قضية الإنتاج الداخلي، ومن شروط ازدهار الإنتاج الداخلي السيطرة على الاستيراد المتفلّت. ترفع إليّ التقارير أنّنا نقوم بالأعمال الفلانية من أجل الاقتصاد المقاوم، وقد نظّمنا الخطط والبرامج الفلانية ونعمل على إجرائها، جيّد، لا شك أنّ هذه التقارير مطابقة للواقع، أي إنّهم قاموا بالعمل، لكنّه لم يتحقّق عملياً، والسبب هو أن الواردات لا تزال موجودة [بكثرة]، ويرى المرء أنّ الأسواق تعجّ بالواردات، فتؤدّي إلى فشل الإنتاج الداخلي. إنّهم يستوردون من الخارج الأشياء عينها التي تُنتج في الداخل، وهذا يؤدي إلى فشل الإنتاج الداخلي. فليمنع المسؤولون هذا الشيء، فهذه قضايا لها أهميّتها. وعندئذ سيتحقّق الاقتصاد المقاوم بالمعنى الحقيقي للكلمة.

أقول بكلمة واحدة إنّ على الأجهزة الحكومية أن تركّز هذا العام على ازدهار الإنتاج، وإذا كان ذلك بحاجة إلى مقرّرات وقوانين فليطلبوا من مجلس الشورى أن يتصدّى لذلك، وإذا ما كانت هناك في بعض الجوانب حاجة لمساهمة السلطة القضائية والأجهزة الرقابيّة الأخرى، فليطلبوا منها ـ وليعقد السادة هذه الجلسة التي تحدّثنا عنها؛ جلسة رؤساء السلطات الثلاث ـ وليبادروا وليتعاونوا، فالإنتاج يجب أن يزدهر في الداخل على كلّ حال. هذا هو الموضوع الثالث.

عليكم أن تتحمّلوا اليوم تكاليف الوقوف بوجه العدوّ لتنتفع الأجيال القادمة..

والنقطة الختاميّة التي أتوجّه بها اليوم إلى الشباب، أي أخاطب بها عموم الشعب والشباب خاصّة. أوّلاً يجب أن أقول إنّ تجاوب الشرائح المختلفة من النخب والشباب والطلبة الجامعيّين ورجال الدين وطلبة العلوم الدينيّة والآخرين مع هذا البيان بمناسبة الذكرى الأربعين للثورة، "رسالة الخطوة الثانية"، كان لائقاً وباعثاً على السرور. وهذا يدلّ على أنّ هناك حاجة للتبيين وثمّة جاهزية واستعداد في البلاد كلّها وخصوصاً بين الشباب. وعلى مسؤولي البلاد أن ينتفعوا من هذه الجاهزيّة والاستعداد إلى أقصى حدّ. ما أقوله هو أنّ على الشباب أن يحملوا على أكتافهم أعباء المسؤوليات الصغيرة والكبيرة الصعبة. هذا هو علاج مشكلات البلاد. علينا في الخطوة الثانية للثورة أن نضع حركة البلاد ومسيرتها على عاتق الشباب، تماماً كما كنّا في الخطوة الأولى من حقبة الثورة، حيث كان الإمام الخميني يوجه ويقود المسيرة لكنّ الحركة كانت على عاتق الشباب الذين كانوا الدينامو المحرّك للتقدّم، فهم الذين كانوا يوجدون الحراك ويصنعونه. واليوم فإنّ مساعيكم وجهودكم تنصبّ على أن تضمنوا استقلال البلاد وعزّتها. إنكم تسدّدون اليوم تكاليف هذه العمليّة. التكاليف التي يدفعها الشعب الإيراني وشبابنا اليوم هي تكاليف تحقيق الاستقلال الكامل ـ في مختلف الأبعاد ـ والعزة والوطنية والمجتمع الإسلامي. وسوف تنتفع الأجيال اللاحقة من إنجازاتكم هذه، كما أنّ الشباب تحمّلوا ذات يوم تكاليف الكفاح ضدّ النظام الطاغوتي ودفعوها، وتحمّلوا السجون والتعذيب، وانتصرت الثورة بحمد الله، وسقط نظام الطاغوت؛ أو في فترة الحرب المفروضة حيث تحمّلت العوائل وسدّدت تكاليف الدفاع عن البلد، وصرتم اليوم تعيشون في أمان. اليوم أيضاً، يجب أن تتحمّلوا تكاليف الوقوف بوجه العدوّ لتنتفع الأجيال القادمة إن شاء الله من إنجازاتكم.

ما أقوله هو أنّ ما يجب أن يحصل في الخطوة الثانية للثورة هو أوّلاً، معرفة ما نمتلكه والاهتمام به اهتماماً جادّاً. فيجب أن نعرف ما لدينا وما نمتلكه ونأخذه مأخذ الجدّ. علينا أن نعرف مزايانا وطاقاتنا ومزايا البلاد وطاقاتها، وننظر لها بجدّ، ونستخدمها ونستفيد منها. ففي البلاد طاقات وإمكانيّات كبيرة جداً. ثانياً، أن نعرف الآفات والمفاسد ومسارب الأعداء ونقف في وجهها بشكل جادّ. الخطوة الثانية للثورة اليوم تتمثّل في: معرفة الإمكانيّات والمزايا والاستفادة منها، ومعرفة المفاسد والمسارب والثغرات والنواقص والمشكلات, والتفاني في معالجتها. ولتلتفتوا إلى هذا الأمر، وهو أنّ الغرب وأمريكا قد وصلوا إلى نتيجة مفادها، أنّ الشعب الإيراني إذا أراد شيئاً فإنّه سيحصل عليه بكلّ تأكيد، ووصلوا إلى نتيجة مفادها أنّه لا يمكن محاربة الإرادة الوطنية للشعب الإيراني، فإذا ما أراد الشعب الإيراني شيئاً لن تنفع معه ممارسة العراقيل ووضع العقبات والسدود. فماذا يفعلون إذاً؟ لقد توصّلوا إلى النتيجة التالية، وهي أنّ عليهم أن يفعلوا ما يجعل الشعب الإيراني يتخلّى عن إرادته، وأن يضعفوا إرادته، هذا ما يفكّرون فيه. تُنفَق في العالم اليوم المليارات من الأموال من أجل التغلغل إلى المعتقدات السياسية والدينية لشبابنا ولكي يسحقوا إرادة التحرّك والنهضة فيهم؛ يريدون القضاء على الإرادة، يريدون لكم أن لا تتّخذوا القرارات. مساعيهم منصبّة على منع تشكّل إرادة الشعب الإيراني في التقدّم والمواجهة وتحقيق المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية؛ هم يعلمون أنّ هذه الإرادة إذا ما تشكّلت، فسيحصل ما يريده الشعب بلا شكّ.

"وأقولها لكم: إنّ غد هذا البلد سيكون أفضل بكثير بكثير من يومنا وحاضرنا!"
هم حتماً قاموا بهذا الشيء في السابق أيضاً وقبل سنين، ففي عهد نظام الطاغوت أفهموا مجتمع الشباب في البلاد أنّكم إذا أردتم الوصول إلى المدنيّة والتقدّم فيجب أن تتركوا الدين جانباً، وقالوا إن الدين والتديّن والإيمان الديني لا ينسجم مع العلم والتقدّم وما إلى ذلك. فليأتوا اليوم وليفتحوا عيونهم العمياء ليروا أنّ أفضل صناعاتنا وأكثر صناعاتنا الكبيرة تقدّماً، والتي تتصدّر اللائحة في التنافس مع البلدان الأولى في العالم، يجري تطويرها على يد شباب يقرأون دعاء كميل ويصلّون صلاة الليل؛ شباب من أهل الاعتكاف ومن أهل دعاء الندبة؛ الشباب المتديّن. إنّنا اليوم، في مجالات الصناعات المتقدّمة في العالم، في مجال النانو، وفي المجال النووي، وفي مجال الصواريخ، وفي تقنيّات الأحياء، وفي سائر الفنون والتقنيّات المتطوّرة في العالم، نسجّل اليوم أرقاماً عالية ونقف في الصفوف الأمامية، وغالبية من يقوم بهذه الإنجازات هم شباب متديّنون نعرف الكثير منهم عن قرب. ينبغي على الشباب أن يضاعفوا من مساعيهم في ساحات العلم والفكر والمعرفة والسياسة والعمل، ولا يخوضوا في المسائل الجانبيّة والهامشية والأمور المثيرة للخلافات. ليسعَ الشباب نحو الوحدة، والحركة المركّزة، والأعمال الإيمانية والجهادية، وليظهّروا في هذه المجالات التي ذكرت الحدود الفاصلة بينهم وبين الأعداء، لكن لا يرسموا حدوداً فاصلة بينهم وبين الأصدقاء وأبناء البلد لمجرّد الاختلاف البسيط عنهم في الأذواق والسلائق. وكما قال الإمام الخميني ليطلقوا كلّ هتافاتهم وصرخاتهم بوجه الأعداء وبوجه أمريكا. وعلى الحكومة ومجلس الشورى والسلطة القضائية والآخرين أن يساعدوا شباب البلاد في هذا التقدّم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وأقولها لكم ـ كما قلتها مراراً ـ إنّ غد هذا البلد سيكون أفضل بكثير بكثير من يومنا وحاضرنا، بتوفيق من الله وإن شاء الله.

اللّهم بحقّ محمد وآل محمد اجعل ما قلناه وما نفعله لك وفي سبيلك، وتقبّله منّا جميعاً، واجعلنا جنوداً حقيقيّين للإسلام، ومجاهدين حقيقيّين في سبيل الحقّ. اللّهم بلّغ سلامنا إلى سيّدنا الإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه)، واجعلنا من المشمولين بدعائه، واحشر أرواح الشهداء الطيّبة والروح الطاهرة للإمام الخميني الجليل مع أوليائهم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

1 ـ في بداية هذا اللقاء تحدّث حجة الإسلام والمسلمين السيّد إبراهيم رئيسي سادن الروضة الرضويّة المقدّسة.
2 ـ كلمة الإمام الخامنئي في لقائه بأهالي مدينة قم بتاريخ 09/01/2019 م .
3 ـ جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي.

27-03-2019 عدد القراءات 234



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا