18 تموز 2019 م الموافق لـ 15 ذو القعدة 1440 هـ
En FR

نور الأسبوع :: جمادى الآخرة

الحَاكِمُ الصّالِــــح




عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «ولَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ولَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ، فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ».

من التعاليمِ التربويةِ الإسلاميةِ للعاملِينَ المتصدّينَ لتولّي شؤونِ الناسِ والذين يسعونَ بنيّةٍ خالصةٍ إلى حفظِ مصالحِ العبادِ، أنْ يكونوا في تعاملِهم مع الناسِ ذوي حكمةٍ وتواضعٍ، ومن أهمِّها أنْ يتّصفوا بصفةِ الاستماعِ للرأيِ وعدمِ الاحتجابِ عنِ الناسِ.

إنَّ القاعدةَ التي ترسمُ ذلك أنَّ الهدفَ المنشودَ هو إقامةُ الحقِّ وتطبيقُ العدلِ، والعملُ بهما يجبُ أنْ يكونَ محلَّ ترحابٍ وإقبالِ نفسٍ مِنْ قِبَلِ العاملِ للهِ عزَّ وجلَّ، ومَنْ يشعرْ بالضيقِ من الاستماعِ إليهما سيكونُ العملُ بهما أصعبَ عليه.

والخطوةُ الأولى اللازمةُ لذلك أنْ لا تكونَ العلاقةُ بينه وبين الناسِ مشوبةً بعاداتِ أهلِ الدنيا من الترفُّعِ عنهم والنظرِ إليهم بأنّهم دونَه في المكانةِ والمنزلةِ والدرجةِ، ولذا لا بدَّ وأنْ يلتفتَ إلى سلوكِ الناسِ معه فيصحِّحَ ما قد يميلُ إليه الناسُ من التعاملِ معه بالإعظامِ يقولُ (عليه السلام): «فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِه الْجَبَابِرَةُ - ولَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِه عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ - ولَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ».

والخطوةُ الثانيةُ أنْ لا يجعلَهم يظنّونَ أنّه يشعرُ بالاستثقالِ منهم إذا قالوا كلمةَ حقٍّ، في إرشادٍ إلى أمرٍ، أو بيانٍ لمظلوميّةٍ، أو شكوى من سلوكٍ أو تصرُّفٍ، وذلك لأنّهم إذا كانوا يعيشونَ تلك الحالةَ فسوف يمتنعونَ عن النصيحةِ ويصبحُ الغالبُ على حديثِهم المدحَ والثناءَ.

والخطوةُ الثالثةُ أنْ لا يجعلَهم يشعرونَ أنّه يسعى ليضعَ نفسَه في مرتبةٍ أعظمَ منهم، بنحوٍ يكونُ خطابُهم معه خطابَ الأدنى للأعلى، بل يشعرونَ بأخوّتِه لهم وحرصِه عليهم وعيشِه كعيشِهم.

ومتى اتّصفَ صاحبُ المنصبِ بهذه الصفةِ كان من الواجبِ على الناسِ أنْ تكونَ سيرتُهم المستمرةُ الاهتمامَ الدائمَ بقولِ الحقِّ أمامَه، أو تقديمَ المشورةِ العادلةِ له.

والواجبُ عليه أنْ يتحرّى الحقَّ فيما يُقالُ له فلا يسمعُ أيَّ مقولةٍ تَرِدُه، ولتجنُّبِ ذلك عليه أنْ يعملَ على إبعادِ بعضِ الناسِ عن القربِ منه ومن أهمِّهم الذي يسعى دائماً لذكرِ الأخطاءِ والعيوبِ التي لدى الناسِ يقولُ (عليه السلام): «ولْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وأَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا، فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، واللَّه يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ».

إنّ وظيفةَ الحاكمَ أنْ يسترَ على الناسِ، لا تتبُّعُ عيوبِهم والتشهيرُ بهم، بل إنْ وَصَلَه خبرٌ عن خطإٍ وقعَ فيه أحدُهم يعملُ على معالجةِ ذلك بغرضِ القضاءِ على آثارهِ السيّئةِ، لا الزيادةِ فيه أو نشرِه بين الناسِ، وما غابَ عنه يدع الحكمَ فيه للهِ عزَّ وجلَّ عالمِ السرِّ وأخفى.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

26-02-2019 عدد القراءات 435



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا