27 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 10 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

 

محطات إسلامية :: محطات من محرم الحرام

الإمامة الإلهية والولاية على البواطن



كـمـا أن الإمـام قائد وزعيم للامة بالنسبة للظاهر من الأعمال، فهو قائد وزعيم بالنسبة للباطن من الأعمال أيضا، فهو المسير والقائد للانسانية من الناحية المعنوية نحو خالق الكون وموجده.

ولكي تتضح هذه الحقيقة لابد من مراعاة المقدمتين التاليتين:

أولا: لـيـس هـنـاك مـن شك أو تردد في أن الإسلام وسائر الأديان السماوية، تصرح بأن الطريق الـوحـيـد لـسعادة الانسان أو شقائه هو ما يقوم به من أعمال حسنة أو سيئة، فالدين يرشده، كما أن فطرته وهي الفطرة الإلهية تهديه الى إدراك الحسن والقبيح.

فـاللّه سـبحانه يبين هذه الأعمال عن طريق الوحي والنبوة، ووفقا لسعة فكرنا نحن البشر، وبلغة نفهمها ونعيها، بصورة الأمر والنهي والتحسين والتقبيح في قبال الطاعة أو التمرد والعصيان، يبشر الصالحين والمطيعين بحياة سعيدة خالدة، وقد احتوت على كل ما تصبو إليه البشرية من حيث الكمال والسعادة، وينذر المسيئين والظالمين بحياة شقية خالدة، وقد انطوت على البؤس والحرمان.

ولـيـس هـنـاك أدنى شك من أن اللّه تعالى يفوق تصورنا وما يجول في اذهاننا ولكنه لم يتصف بصفة البشر من حيث التفكير.

ولـيـس لـهـذه الإتفاقية أن يكون هناك سيد ومسود وقائد ومقود، وأمر ونهي وثواب وعقاب واقع خـارجـي سـوى فـي حـياتنا الاجتماعية أما الجهاز الإلهي فهو الجهاز الكوني الذي يربط حياة كل مخلوق وكائن باللّه الخالق ربطاً وثيقاً.

ومما يستفاد من القرآن الكريم وأقوال النبي العظيم (ص) أن الدين يشتمل على حقائق ومعارف تفوق فهمنا وإدراكنا الاعتيادي، وأن اللّه جل شأنه قد أنزلها إلينا بتعبير بسيط يلائم تفكيرنا، كي يتسنى لنا فهمها وإدراكها.

يـستنتج مما تقدم أن هناك ارتباطاً بين الأعمال الحسنة والسيئة، من جهة والحياة الأخرى بما تمتاز به من خصائص وصفات من جهة أخرى ارتباطاً واقعياً، تكشف عن سعادة أو شقاء.

وبـعـبـارة أوضـح، إن كـل عـمـل مـن الأعمال الحسنة والسيئة يولد في الانسان واقعية، والحياة الأخروية ترتبط بهذه الواقعية ارتباطاً وثيقاً.

إن الانـسان في حياته يشبه الطفل، سواء أشعر بهذا الأمر أم لم يشعر، حيث تلازمه شؤون تربوية، فهو يدرك ما يملي عليه مربيه بألفاظ الأمر والنهي، لكنه كلما تقدم في العمر استطاع أن يدرك ما قاله مـربيه، فينال بذلك الحياة السعيدة، وما ذلك إلا بما اتصف به من ملكات، وإذا ما رفض وعصى معلمه الذي كان يسعى له بالصلاح، نجد حياته مليئة بالآلام.

فالإنسان يشبه المريض الذي دأب على تطبيق أوامر الطبيب في الدواء والغذاء، أو رياضة خاصة، فهو لم يبال الا بما أملاه عليه طبيبه، فعندئذ يجد الراحة والصحة، ويحس بتحسن صحته.

وصـفـوة الـقـول، أن الانسان يتصف بحياة باطنية غير الحياة الظاهرية التي يعيشها، والتي تنبع من أعماله، وترتبط حياته الأخروية بهذه الأعمال والأفعال التي يمارسها في حياته هنا.

إن الـقـرآن الـكريم يثبت هذا البيان العقلي، ويثبت في الكثير من آياته بأن هناك حياة أسمى وروحاً أرفع من هذه الحياة للصالحين والمؤمنين، ويؤكد على أن نتائج الاعمال الباطنية تلازم الانسان دوماً، والنبي العظيم قد أشار الى هذا المعنى أيضا في الكثير من أقواله.

ثـانـيا: كثيراً ما يحدث أن يرشد شخص أحداً بعمل حسن دون أن يلتزم هو بذلك العمل، في حين أن الأنـبـياء والأئمة الأطهار ترتبط هدايتهم للبشر باللّه جل وعلا، ويستحيل أن يشاهد عندهم هذه الـحـالـة، وهـو عدم الالتزام بالقول أو العمل به، فهم العاملون بمبادي الدين الذي هم قادته وأئمته، وأنهم متصفون بروح معنوية سامية، يرشدون بها الناس، ويهدونهم الى الطريق القويم.

فـلـو أراد اللّه سـبـحانه أن يجعل هداية أمة على يد فرد من أفرادها، فهو يربي ذلك الفرد تربية صالحة تؤهله للقيادة والإمامة، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا.

مما تقدم نستطيع أن نحصل على النتائج التالية:
1 ـ إن النبي أو الامام لكل أمة، يمتاز بسمو روحي وحياة معنوية رفيعة، وهو يروم هداية الناس إلى هذه الحياة.
2 ـ بما أنهم قادة وأئمة لجميع أفراد ذلك المجتمع، فهم أفضل من سواهم.
3 ـ إن الـذي يـصبح قائداً للأمة بأمر من اللّه تعالى، فهو قائد للحياة الظاهرية والحياة المعنوية معاً، وما يتعلق بهما من أعمال، تسير مع سيره ونهجه.


السيد محمد حسين الطباطبائي - بتصرّف

25-09-2018 عدد القراءات 967



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا